هل ترك النبي ﷺ أزمة دستورية

إنّ معظم ما جاء من ردود أساء الظنّ بالشيخ حفظه الله، واتّهمه بأنّه يصف الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالتقصير أو بأنّه “نَكب” المسلمين كما قال بعضهم! وهذا عارٍ عن الصحّة….

الإشكالية ووجهة النظر المنقوضة

بخصوص كلام الشيخ الددو حفظه الله عن “نكبة وفاة النبي عليه الصلاة والسلام والوحيُ أشد ما يكون تتابعًا والنبي صلى الله عليه وسلم في أوج قوته ونشاطه”، وأنّه صلّى الله عليه وسلّم “لم يكتب لنا دستورًا، ولم يبيّن لنا طريقة اختيار الحاكم ومحاسبته وعزله، ولم يُعيّن لنا حاكمًا معينًا. فكانت أزمة ارتدّ بسببها جمهور المسلمين عن الإسلام. وكان رجال هذه الأزمة المهاجرون والأنصار”.

إنصاف الكلام وفهمه في سياقه

فأحب بيان أمرين:

الأول: سياق كلام الشيخ الددو: وصف “النكبة” شعورًا لا اتهامًا

أنّ معظم ما جاء من ردود أساء الظنّ بالشيخ حفظه الله، واتّهمه بأنّه يصف الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالتقصير أو بأنّه “نَكب” المسلمين كما قال بعضهم! وهذا عارٍ عن الصحّة، وألفاظ الشيخ وسياق كلامه يدل على أنّه يتحدث عن مصيبة المسلمين في انتقاله صلى الله عليه وسلّم إلى الرفيق الأعلى، وهو من جنس ما أحس به الصحابة رضوان الله عليهم وحزنوا من أجله حزنًا شديدا واجتمعوا يحاولون ملء ذلك الفراغ في السقيفة. فأنا أفهم كلامه في هذا السياق.

الأمر الثاني: تحقيق المسألة الأساسية (وجود نظام الحكم)

أنّ الشيخ حفظه الله لا يخرج فيما قاله (لو تبصّر هؤلاء وقرأوا) عن تنظيرات شطر من الإسلاميين أقرب لأوساط الإخوان، وهي التنظيرات التي تنفي وجود نظام حكم واضح في الإسلام أو وسيلة لاختيار الحاكم أو لضبط علاقة الحاكم بالمحكوم. وهي مع الأسف تنظيرات ينقصها التحقيق، وتقابلها التنظيرات المغالية التي تزعم وجود نظام تفصيلي شامل للصغيرة والكبيرة وملائم لكل عصر دون أي تغيير، والواسطة من الحقّ وجود الأسس والمبادئ الحاكمة الكافية الملائمة لكل عصر، سواء في صفات الحاكم، أو في كيفية اختياره، أو في طرق محاسبته وعزله، وكلها موجود في كتاب الله تعالى وفي السنّة النبوية بالأحاديث الصحاح المتكاثرة، ومن العجيب أن يُغفل عنها في هذا السياق!

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}: النص الحاسم في نفي “الأزمة البنيوية

وأهم نقطة في تقويم كلام الشيخ الددو أنّه ليس ثمة جنس لما اعتبره “أزمة” في عدم توضيح ما ذكره من عدم كتابة دستور أو عدم بيان طريقة اختيار الحاكم ومحاسبته وعزله (لو افترضنا صحّته، وهو غير صحيح كما سيأتي) فقد نصّ كتاب الله على اكتمال الدين: {اليوم أكملت لكم دينكم}، مما يدلّ على أنّه ليس ثمّة “أزمة”، لأنّه بلّغ لهم ما يحتاجونه من أحكام وقواعد ومبادئ ليقيموا حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها دون مشاكل وأزمات بنيوية.

الخلاف في السقيفة: اجتهاد في تطبيق الأصول وليس دليلاً على انعدامها

ومع ذلك فقد قصّر هذا التيّار الذي يصدر الشيخ عنه في تتبّع معالم نظام الحكم في الإسلام، وإذا أخذنا جزئية اختيار الحاكم التي يكثر الجدل حول عدم وضوحها في الإسلام، فإنها في الواقع – وكما فهمها الراشدون – أوضح وأحكم من الديمقراطيات المعاصرة في الدول الحديثة!

فالاختلاف الذي حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم في السقيفة لا يعني عدم وجود الأسس المحكَمة لكيفية اختيار الحاكم، بل حدث ذلك الاختلاف وتنوع الآراء أثناء ممارسة تلك الآلية، وهو من جنس ما يحصل من اختلاف وتجاذبات بل واضطرابات أحيانا خلال عملية اختيار رئيس في أعرق الديمقراطيات المعاصرة، فمثل هذا الخلاف والاستقطاب لا يعني عدم وجود أسس واضحة يتفق عليها المختلفون لاختيار الحاكم، مع أنها في الخلافة الراشدة أضبط وأحكم كما سيأتي.

فقد اتفق الصحابة من المهاجرين والأنصار على أشياء يمكن اعتبارها “مبادئ دستورية” متجاوزة للظروف والزمان، بل أزعم أنّ أوضح شيء في هَدي الخلفاء الراشدين الذي أمرنا الرسول الله صلى الله عليه وسلّم بالاهتداء به هو أسس تعيين الإمام، وقد أشار صلّى الله عليه وسلّم إلى ذلك في أحاديثه في الباب ومنها في صحيح مسلم: أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال: “كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول، فالأول، وأعطوهم حقهم، فإنّ الله سائلهم عما استرعاهم”.

فلم يفته صلى الله عليه وسلّم معالجة هذا الشأن ووضع مبادئه بدلالة الحديث، ولكنه أرشد أمّته إلى ما هو كافٍ – كما سيأتي – لضبط نظام الحكم وعدم حدوث “أزمة”، بما في ذلك قضية الاختيار. وفهمه عنه الصحابة رضوان الله عليهم.

المبادئ الحاكمة لاختيار الحاكم المستفادة من الهدي النبوي والراشدي

فرغم ما يبدو من اختلافات شكلية في أسلوب اختيار كل خليفة من الخلفاء الراشدين الأربعة، فقد اجتمعت فيهم خمس أمور تُمثّل مبادئ اختيار رأس السلطة في الإسلام:

  1. الأهلية: فجميعهم كان أهلًا لهذا المنصب، من عدالة وعلم مؤدّ للاجتهاد في النوازل ورأيٍ وسياسةٍ وغير ذلك مما يدخل في شروط الأهلية. وهو ما استفادوه من السنّة النبوية وفيه أحاديث كثيرة.
  2. ذم طلب الإمارة والحرص عليها: لم يطلبها أحدٌ منهم، وقد ورد ذلك في آثار كثيرة، فصار بما يشبه الإجماع بينهم على ذمّ الترشّح لإمامة المسلمين، بل كان ترشيحًا من غيرهم. وهو ما استفادوه من أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كقوله: “إنا لا نولي هذا من سأله ولا من حرص عليه” وغيره.
  3. ممارسة الشورى: قال تعالى: {وأمرهم شورى بينهم}، فلم يُعيَّن أحد منهم غصبًا، ولم يستبد أحدهم بالسلطة بلا علم المسلمين، بل حصل تشاور بين قيادات الأمة من المهاجرين والأنصار. قال عمر مؤكّدا مبدأ الشورى الراسخ هذا: “من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يُبايع هو ولا الذي بايعه تغرّة أن يُقتلا” (صحيح البخاري).
  4. بيعة الخاصة من أهل الحلّ والعقد: وهي بيعة المهاجرين والأنصار أو غالبيّتهم، وأبو بكر لم يصر خليفة بمبايعة عمر له فحسب، بل بمبايعة المهاجرين والأنصار وموافقتهم. وكذلك عمر، لم يصر خليفة بمجرّد عهد أبي بكر، بل كان بمنزلة “الترشيح” ولم يصر خليفة إلا بمبايعة أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار له.
  5. بيعة العامة: رضيهم المسلمون في الملأ ولم يحصل اعتراض علني من عموم الأمة على اختيار أحدهم.

استمرار المبادئ: تطبيقها عبر مراحل الخلافة الراشدة بأنماط مختلفة

فنحن أمام مبادئ لو تتبعنا الآثار الواردة في اختيار الخلفاء الراشدين سنجدها قد تحققت لهم جميعًا، وأصول هذه المبادئ في الكتاب والسنّة، وهي ملائمة لكل عصر، والمعجز فيها أنّها لا تتطرق إلى تفاصيل الوسائل المختصة بكل عصر ومجتمع لأن الشريعة موضوعة لكل ظرف وزمان، وفيها ما هو كاف ليجتهد الناس في إطاره، لكن هذا الاجتهاد لا يعني عدم وجود مبادئ لاختيار الحاكم وعزله ومحاسبته.

مقارنة مع النظام الديمقراطي

وأزعم أن هذه المبادئ لم تتحقّق في أعرق الديمقراطيات، ففي الديمقراطيات المعاصرة عيوب خطيرة تجعل ذلك النظام فاقدًا للأسس الضابطة للحكم، فهي:

 فتح الباب للجميع دون اشتراط الأهلية

لا تضع شروطًا كافية في بابي الأخلاق والخبرة والأهلية عمومًا للحاكم، بل تسمح بترشّح المجانين والمهووسين وساقطي العدالة والأخلاق.

طلب المنصب والصراع

وتحرم نُخب الأمة وخبراءها وقادتها من أهل الحكمة من ترشيح شخصيات جديرة بالرئاسة، بل تفتح الباب مشرعًا لتُرشُّح من هبّ ودبّ ممّن يملك المال والنفوذ والقدرة على الدعاية، فتفتح باب شرّ مطلق لاستبداد أصحاب رؤوس الأموال، وتتيح الأمر لمن حرص على الإمارة وطلبها طمعًا بما تحققه له من امتيازات، وهو خلل أخلاقي عظيم تنزّه عنه النظام الراشد الموروث عن النبوة.

هيمنة رأس المال والدعاية

ثم تترك الديمقراطيةُ الأمرَ لعامة الناس ليختاروا – تحت تأثير الدعاية المموّلة – شخصيات رشّحت نفسها أو رشّحتها أحزابها.

للاطلاع والتوسع: مراجع رائدة في نظام الحكم الإسلامي

أما من أراد التفصيل فمن أحسن ما كُتب في هذين البابين، طريقة اختيار الحاكم من جهة وطرق عزله ومحاسبته من جهة أخرى، الشيخ عبد المجيد الشاذلي رحمه الله، ففي الأول كتب “الحكومة الإسلامية: رؤية تطبيقية معاصرة”. وفي الثاني كتب “الأمة والحاكم: دراسة حديثية في تصحيح العلاقة بين الحاكم والمحكوم”، جمع فيه الأحاديث الواردة في ضبط علاقة الحاكم بالمحكوم ورتّبها على مختلف الأحوال والمناطات، ليؤكّد أنّها لم تترك حالة لم تعالجها، ووضّحت للأمة طرق المحاسبة والأخذ على أيديهم وتقويمهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وصولا إلى إسقاط شرعيّتهم وعزلهم. والحمد لله.

المصدر

صفحة الأستاذ شريف محمد جابر، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

الحكم الإسلامي والدولة الحديثة: بين الاتفاق والاختلاف

الأصل في الإمامة والولاية الشورى والرضا

الدولة المستحيلة والأسئلة المنطقية!

الديمقراطية.. تِلكَ الزَّفَةُ الكَاذِبَة

التعليقات معطلة