الوسطية والتوازن في العزلة


زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

التوسط في العزلة جارٍ على سمة هذا الدين العامة في الوسطية المحمودة، والإيغال فيها يضيّع فرائض، والتخلي عنها يلوّث صاحبه، وقد تُشرع العزلة الكاملة في بعض الأحيان.

بين العزلة والاختلاط

جاء في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسوله ﷺ، وفي فعل السلف الصالح ما يدل تارة على فضل العزلة وعدم الخلطة بالناس أو تقليلها، وورد تارة أخرى ما يدل على النهي عنها، والحث على الجماعة والاختلاط بالناس.

ويحسب الناظر في هذه الأدلة والمواقف أنها متعارضة؛ وحاشى أن يوجد في هذا الدين ما ينقض بعضه بعضًا لأنه من عند الله العليم الحكيم، المبَّرأ من الجهل والنقص والهوى، ولكن بالجمع بين هذه الأدلة والمواقف يظهر لنا وسطية هذا الدين وعدله وتوازنه في مسألة العزلة؛ حيث لم يأمر بها بإطلاق، ولم ينه عنها بإطلاق؛ وإنما فصَّل في ذلك بحيث يكون الموقف العدل فيها كغيرها من المواقف والسلوكيات: “وسط بين طرفين مذمومين”.

الطرف الأول:

أهل الغلو والإفراط في شأن “العزلة”

وهم الذين رأوا اعتزال الناس اعتزالًا كليًّا، واعتزال ما هم عليه من المنكرات والفساد، والبُعد عن مناسباتهم وعن الاختلاط بهم حرصًا منهم على صيانة دينهم وأخلاقهم، وتحقيقًا للبراءة من المنكر وأهله، وامتثالًا للنصوص الواردة في فضل العزلة؛ ولكن هذا أدى بهم إلى ترك الجُمَع والجماعات وقطع الأرحام، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفتح المجال للمبطلين والمفسدين يجولون ويصولون ويفسدون على الناس دينهم وأخلاقهم وأعراضهم بلا مجاهدة ولا مواجهة.

وقد قال ﷺ: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». (1)

الطرف الثاني:

أهل التفريط والإضاعة

وهم الذين فرطوا في العزلة وأفرطوا في الخُلطة، سواء كانت في الخير أو الشر، ولم يكن لهم خلوات بربهم وبأنفسهم.

وهؤلاء في العادة يتأثرون بمن حولهم، ويضعف دينهم ويداهنون الناس فيما هم عليه من منكرات ومخالَفات.

وعن مثل هؤلاء وصنيعهم جاء النهي والتنفير، وجاء الحث على العزلة والتحذير من هذه الأحوال من الخلطة.

الوسط العدل المتوازن في شأن “العزلة”

وهو الذي لم يجنح إلى الإفراط في العزلة ولا التفريط، وإنما نظر إلى هذه المسألة نظرة متوازنة يلتمس فيها مرضاة الله عز وجل وما هو المحبوب منها لله تعالى.

وأكتفي بما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، في وصفه لهذا المنهج المتوازن؛ حيث يقول رحمه الله تعالى:

“فهذه المسألة وإن كان الناس يتنازعون فيها ـ إما نزاعًا كليًّا، وإما حاليًّا ـ فحقيقة الأمر: أن الخلطة تارة تكون واجبة أو مستحبة، والشخص الواحد قد يكون مأمورًا بالمخالطة تارة، وبالانفراد تارة.

وجماع ذلك؛ أن المخالطة إن كان فيها تعاون على البر والتقوى فهي مأمور بها، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان فهي منهيّ عنها.

فالاختلاط بالمسلمين في جنس العبادات؛ كالصلوات الخمس، والجمعة، والعيدين، وصلاة الكسوف، والاستسقاء، ونحو ذلك هو مما أمر الله به ورسوله.

وكذلك الاختلاط بهم في الحج، وفي غزو الكفار والخوارج المارقين، وإن كان أئمةُ ذلك فُجّارًا، وإن كان في تلك الجماعات فُجّار.

وكذلك الاجتماع الذي يزداد العبد به إيمانًا؛ إما لانتفاعه به، وإما لنفعه له، ونحو ذلك.

ولا بد للعبد من أوقاتٍ ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته وتفكُّره، ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه، وما يختص به من الأمور التي لا يشركه فيها غيره؛ فهذه يحتاج فيها إلى انفراده بنفسه، إما في بيته؛ كما قال طاوس: “نعم صومعة الرجل بيته؛ يكف فيها بصره ولسانه”، وإما في غير بيته.

فاختيار المخالطة مطلقًا خطأ، واختيار الانفراد مطلقًا خطأ.

وأما مقدار ما يحتاج إليه كل إنسان من هذا وهذا، وما هو الأصلح له في كل حال؛ فهذا يحتاج إلى نظر خاص كما تقدم”. (2)

هل تُشرع العزلة بالكلية في بعض الأوقات..؟

إن القول بأن العزلة التامة للناس فيها مجانبة للوسطية والعدل لا يعني أنها لا تُمدح في بعض الأحوال أو الأمكنة أو الأزمنة، بل قد تكون في بعض الأحوال هي الموقف الحق الوسط العدل.

وأُمَثِّل لذلك بالأحوال التالية:

الحالة الأولى: عند فشو المعاصي وانتشارها انتشارًا واسعًا

بحيث يتعذر علي بعض الناس حينها القدرة على الإنكار ولا يوجد المعاون، ولا يوجد المكان الصالح الذي يهاجر إليه، فإنه يشرع والحالة هذه ـ لبعض الأفراد دون بعض ـ العزلة.

وذلك حين لا يستطيع الفرد الصبر على رؤيتها، فيتعجل بإنكارها بصورة شديدة غير منضبطة.

أو أن المنكرات تعكر صفو حياته، ويعيش برؤيتها في هَمّ وحزن.

أو أنه يخاف على نفسه من الوقوع في المعاصي والفواحش خوفًا ظاهرًا قويًّا.

وهذه عزلة مقيدة بأحوال الأفراد وليست عزلة مطلقة لكل إنسان.

الحالة الثانية: أيام الفتن واختلاف المسلمين وتفرق كلمتهم واقتتالهم

وفي هذه الأحوال يشرع اعتزال الناس حتى تنجلي الفتنة.

ومن أراد لنفسه السلامة في الدنيا والآخرة فليعتزل الناس أيام الفتن بقلبه ولسانه، ويده ولا يُلوِّث نفسه بشيء من كدَرها وغبارها؛ وهذا ما وجّه الرسول ﷺ أمته إليه عند هيجان الفتن.

قال عثمان الشحام: انطلقت أنا وفرقدٌ السَّبَخي إلى مسلم بن أبي بكرة وهو في أرضه، فدخلنا عليه، فقلت: هل سمعت أباك يحدِّث في الفتن حديثًا؟ فقال: نعم، سمعت أبا بكرة يحدث قال: قال رسول الله ﷺ:

«إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنة: القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت، أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه»، قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: «يعمد إلى سيفه فيدقّ على حدِّه بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء! اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟». (3)

وهذا ما كان عليه سلف الأمة أيام الفتن

فعن ابن سيرين قال: «لما قيل لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: ألا تقاتل؟ إنك من أهل الشورى، وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك، قال: لا أقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان يعرف المؤمن من الكافر، فقد جاهدت وأنا أعرف الجهاد”. (4)

وعن يزيد بن أبي عبيد رضي الله عنه قال: «لما قُتل عثمان خرج سلمة بن الأكوع إلى الربَذة، وتزوج هناك امرأة، وولدت له أولادًا، فلم يزل بها، حتى قبل أن يموت بليال نزل المدينة، فمات بها. أخرجه البخاري.

وأخرج هو ومسلم: «أن سلمة دخل على الحجاج، فقال: يا ابن الأكوع، أرتددت على عاقبيك؟ تعرَّبت؟ قال: لا، ولكن رسول الله ﷺ أذن لي في البدو». (5)

الحالة الثالثة: عند فساد الزمان وفساد الناس ومروج عهودهم وأماناتهم

وذلك حين يتعذر الإصلاح في الناس لاختلافهم وتناحرهم ورقة أديانهم. أي: حين يُطْبق الانحراف التام العام والغربة الشاملة.

فحينئذ يشرع للمسلم أن يعتزل الناس ويعتني بنفسه، كما يعتني بأمر الخاصة من أصحابه وخلصائه، ويهتم بصلاح شئونهم، ويذَر أمر العامة، وهذه الحالة إما أن تكون في مكان دون مكان؛ كما هو الحال في بعض الأماكن اليوم، وإما أن يشمل الانحراف العام كل الأرض وتستحكم الغربة والجاهلية فيها كلها؛ وهذا لا يكون إلا قرب قيام الساعة، والله تعالى أعلم.

وهذا المعنى هو الذي جاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «كيف بكم وبزمان ـ أو: يوشك أن يأتي زمان ـ يغربل الناس فيه غربلة؛ تبقى حثالة من الناس قد مرِجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فكانوا هكذا» وشبك بين أصابعه. فقالوا: وكيف بنا يا رسول الله؟ قال: «تأخذون ما تعرفون، وتذَرون ما تنكرون، وتُقبلون على أمر خاصّتكم، وتذَرون أمر عامتكم». (6)

ويعلّق صاحب كتاب: «العزلة والخلطة» ـ حفظه الله تعالى ـ على هذا الحديث فيقول:

“ومحصل هذه الصفات كلها: أن لا فائدة من الأمر والنهي والإصلاح في مجال العامة وهم الدَهْماء والجمهور، وإن ترأَّسوا وسادوا، بل ربما ترتب على الأمر والنهي ضرر بأن يتضاعف المنكر ويزداد، أو يُؤذَى الآمر في نفسه، أو أهله، أو ماله.

ولعل هذا هو الضابط العام لتلك الحال: ألا يكون ثَمَّ فائدة تُرجى من الدعوة والأمر والنهي بين هؤلاء المسمين بـ “العامة”.

وفي مقابل التحقق من عدم النفع، هناك توقع لحصول الضرر الديني والدنيوي للآمر ولغيره.

ولا شك أن الأصول العامة تقتضي ترك الأمر والنهي ـ حينئذ ـ دفعًا للمفسدة المتوقعة التي لا توجد مصلحة تكافئها في فضل الأمر والنهي؛ فيكون الحديث مطردًا مع القاعدة العامة في المصلحة والمفسدة “. (7)

التروّي والتوازن

مما سبق يتبين لنا وجوب الفقه في معرفة الزمان، والتروّي في النظر اليه، ليعرف المسلم الواجب نحو واقعه.

فما بين القيام بالجمعة والجماعات وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بالإعذار الى الله وتحقيق ﴿ولعلهم يتقون﴾..

وبين تجنب التلوث بالجاهلية والتلطخ بنجاسات المعاصي والمنكرات..

وأيضا بين قوة القيام بالأمر في جانب مكلَّف، وضعف مكلَّف آخر.

ما بين هذه الاعتبارات مجتمعة؛ يكون الأخذ من “العزلة” بحظ يوفي بما أمر الله ويجنّب ما نهى تعالى عنه، ويستعين به العبد في الوصول الى ربه تعالى. والمَهديّ من هداه الله ووفقه.

……………………………………

هوامش:

  1. رواه البخاري في «الأدب المفرد» (388)، وصححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (300).
  2. «مجموع الفتاوى» (1/425).
  3. مسلم في الفتن، باب: نزول الفتن (2887).
  4. مجمع الزوائد (7/584).
  5. البخاري في الفتن، باب: التعرب في الفتنة ، ومسلم (1862).
  6. أبو داود في الملاحم (4342)، وابن ماجه في الفتن (3957)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (3648).
  7. «العزلة والخلطة» للشيخ سلمان العودة ـ حفظه الله تعالى ـ (ص 70).

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.