إن ذلك المكر الكبار، والكيد العظيم، والغزو الخطير، الذي يقوم به أعداء الإسلام وإخوانهم من المنافقين في احتلال بلدان المسلمين، دفع هؤلاء المجاهدون للتصدي لهذه الأنواع من الغزو کلا بما يحسنه ويقدر عليه، هذا بسنانه وحسامه، وذاك بعلمه وبيانه، وآخر بتربيته وتحصينه واحتسابه على المنكرات.

المواقف المختلفة من غزو الأعداء

وللتدليل والتأكيد على أن مجتمعات المسلمين تعيش اليوم حالة شديدة من الابتلاء والتمحيص والفتنة في هذه النوازل: أذكر بعض المواقف التي أفرزتها هذه السنة – أعني سنة الابتلاء والتمحيص – في خضم هذه الفتن المتلاطمة، ولم يكن هذه المواقف أن تعرف ويعرف أهلها قبل حصول هذه الفتن، وقد تناولنا في المقال الأول [المواقف المختلفة من غزو الأعداء (1-2)] بعض هذه المواقف وفي هذا المقال نكمل ما تبقى بإذن الله.

• الموقف الخامس: موقف المتعجلين المغيرين بالقوة دون مراعاة لفقه الموازنات

وهذا الموقف يقابل الموقف السابق وإن كان يجمعهما استعجال النتائج واستبطاء النصر، فبينما ينحى الموقف السابق إلى التنازل عن بعض الثوابت والتعلق ببعض الشبهات والشذوذات الفقهية، يذهب أصحاب هذا الموقف إلى الطرف المقابل، حيث لم يصبروا على ما يرون من شدائد ومحن وابتلاءات توجه للمسلمين في دينهم وأعراضهم وعقولهم، ورأوا أن الموقف إزاء مثل هذه الابتلاءات هو المواجهة المسلحة، دون أن ينظروا إلى ما يترتب عليها من مفاسد كبيرة، ودون أن ينظروا إلى واقعية المصالح التي يسعى لتحقيقها من عدمها، فنشأ من جراء ذلك أضرار عظيمة عليهم وعلى الدعوة وأهلها في المحيط الذي تدور فيه هذه المواجهات.

وهنا أود التنبيه إلى أنه ليس المعني في هذه المواقف تلك الحركات الجهادية، التي تدافع عن المسلمين وديارهم في أفغانستان والعراق والشيشان وفلسطين وكشمير وسوريا وغيرها، ممن يقوم بجهاد الدفع عن ديار المسلمين المحتلة، وإنما المعني هنا أولئك الذي يرون المواجهة المسلحة في بعض بلدان المسلمين قبل وضوح راية الكفر في تلك البلدان للناس، ودون وضوح راية أهل الإيمان في مقابل ذلك، ودون قدرة مما ينشأ عنه اللبس والتلبيس على الناس، فتختلط الأوراق ويجد هؤلاء المجاهدون المتحمسون أنفسهم وجها لوجه مع إخوانهم المسلمين، فحينئذ تقع الفتنة بين المسلمين، ويقتل بعضهم بعضا، کما قد حصل في بعض بلدان المسلمين.

أما تلك الحركات الجهادية التي أعلنت جهادها على الكفار في العراق وأفغانستان لمواجهة التحالف الصليبي، أو في كشمير لمواجهة الهندوس والوثنيين، أو في الشيشان لمواجهة الملاحدة الشيوعيين، أو في فلسطين لمواجهة اليهود الغاشمين، أو في سوريا لمواجهة النصيرية والروافض الباطنيين، فإنها حركات مشروعة لوضوح الراية الكفرية ووجود القدرة، وزوال اللبس عن المسلمين في تلك الأماكن، كما أنه جهاد للدفاع عن الدين والعرض والمكان حتى لا ترتفع فيه راية الكفار.

والذي حملني على هذا التنبيه ما نسمعه -ويا للأسف- من بعض الفتاوى المتسرعة التي مفادها أن القتال ضد الغزاة الكفرة في سوريا والعراق وغيرها من بلدان المسلمين المغزوة عسكريا هو قتال فتنة وتعجل وافتئات على الأمة، وهذا من صور الابتلاء الذي يتعرض له علماء الأمة في هذه الأزمنة.

ولاتهنوا ولاتحزنوا

جاء في إحدى افتتاحيات مجلة البيان مقال بعنوان (ولاتهنوا ولاتحزنوا) يلخص فيه المواقف السابقة، وقد جاء فيه:

(ليس أضر على الدعوات من أن يتسرب اليأس إلى أفرادها، أو يصيبهم الوهن والضعف بسبب محنة أو ابتلاء، فهذا مرض قاتل حذر الله المسلمين منه بعد غزوة أحد، فخاطبهم قائلا: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران:139]، فإن من سنة الله في الدعوات أن تنتصر وتنهزم، وتبتلى بالمصائب ونقص الأفراد والأنفس؛ لتكون دروسا قاسية يتعلم فيها المسلم أشياء لم يكن ليتعلمها بالوعظ والكلام.

لقد ابتليت الدعوات في هذه الأيام بتسلط الظالمين المفسدين يؤزهم من ورائهم شياطين الإنس من كل ملة ودولة، بل إن المتتبع لما يجري على الساحة في أنحاء العالم الإسلامي ليجد تصميما عجیبا على إقصاء الإسلام وإبعاده عن الفعل والتأثير، ويقابل ذلك دعوات مخلصة، ولكن مع تفرق في الصف الإسلامي، وضعف في الأخذ بالسياسة الشرعية المناسبة لكل حدث ومعرفة سنن الله في التغيير.

وقد علمتنا دروس التاريخ القديم والحديث أنه بعد الفتن والمحن يخرج أصناف من الناس إذا عرفنا توجهاتهم، فلعلنا نخرج بأقل الخسائر .

هناك صنف من الناس سيصاب بإحباط شديد وبصدمة عنيفة، فهو لم يتوقع أبدا ما يحدث ولم يعد للأمر عدته، ولم يتعود إلا على سماع الأخبار التي يحبها، ذلك لأنه عاطفي خيالي، فهو يرى أن دولة الإسلام قاب قوسين أو أدنى لما يرى من كثرة المقبلين على هذا الدين، ولما سمع من أن الإسلام قادم (وهو قادم بإذن الله)، هذا الصنف لا ينقصه الإخلاص، ولكن تنقصه التجربة والوعي العميق بتاريخ الدعوة وتاريخ الدول، وأسباب النجاح والفشل.

فخرج في المقابل صنف ينقصه الفقه بمقاصد الشريعة، يقول: لا فائدة من الدعوة والعمل والكلام.. ولا يحل المشكلة إلا القوة، فهذا في الظاهر شجاع ولكن في الحقيقية يقوم بعملية هروب، ولكنه هروب إلى الأمام!

وصنف ثالث مخالف تماما للصنف السابق، إنه في الطرف الآخر، فهو يرى أنه لا داعي إلى التضحيات والعمل الدعوي والتعاون مع إخوانه في سبيل الحق، فالقضية تحتاج إلى نفس طويل، وعودة إلى الكتب والقراءة من جديد والفكر والحوار، وعدم العنف (والجهاد – عند هؤلاء- عنف!)، وهذا الكلام ظاهره فيه شيء من الحق وباطنه الهروب من الاستمرار والمواجهة.

إن العودة للنقد الذاتي والتعمق في فهم أخطاء الماضي شيء طيب، ولكن هذا الصنف مثل المرجئة – إنما يريد الهدوء وراحة البال.

وظهر صنف رابع هو من أخطر هؤلاء، هذا الصنف کان یکتم حب الظهور والرئاسة؛ لأن الوقت غير مناسب أو کان مندسا بين الصفوف، وقد لاحت الآن الفرصة ليتقرب من أصحاب الشأن، ويقدموا لهم فتات الموائد، وإن من فوائد المحن وحكم الابتلاء ظهور مثل هذا الصنف حتى تتمحص الصفوف ويعرف الكاذب الدعي من الصادق المخلص.

سيبقى أعداد كثيرة -بإذن الله – على الحق سائرون، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم)1(1) مجلة البيان العدد (42)..

• الموقف السادس: الموقف الحق في مواجهة أنواع الغزو الموجهة إلى ديار المسلمين

وأصحاب هذا الموقف هم الذين وفقهم الله للفهم الصحيح والقصد الحسن، وجنبهم تلك المواقف السابقة الذكر، فأحسنوا الظن بربهم وتحقیق وعده بالنصر للمؤمنين، فلم تساورهم الوساوس والشكوك، ولم  ييأسوا ويصيبهم الإحباط والضعف والاستكانة، وكذلك لم يهزموا أمام ضغط الواقع وشدة الابتلاء، فيتنازلوا عن أصول دينهم وثوابته، بل ثبتهم الله وقبضوا على دينهم كالقابض على الجمر ، وكذلك حماهم الله من الاستعجال في الأمور قبل أوانها، ووفقهم لفقه الموازنات وفهم مقاصد الشريعة، كذلك برأهم الله من مواقف المنافقين والمرجفين، ومواقف أهل الدنيا الراكنين إليها الذين لا هم للدين وأهله في نفوسهم.

والحاصل أن الله هداهم لصراطه المستقيم في العلم والعمل صراط المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وامتثلوا قول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف:108] .

وقوله سبحانه: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [هود: 112]، وقوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الجاثية:18]، وقوله تبارك وتعالى: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ *  أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الزخرف:41-43] .

أوصاف الموفقين إلى الحق في مواجهة ومدافعة الكفار والمنافقين

هذه أوصافهم على الجملة إذ هم الأتقى والأنقى والأقوى، الأتقى فهم المخلصون، والأنقى فهم المتبعون، والأقوى فهم المتوكلون على الله الأخذون بالأسباب، أما على التفصيل فهم الذين تحققت فيهم صفات الناجين من الخسران الواردة في سورة العصر، قال الله عز وجل: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر:1-3]، حيث إنهم كملوا أنفسهم بالعلم والإيمان والعمل الصالح، وكملوا غيرهم بالتواصي معهم بالحق واجتماع الكلمة على الدعوة والجهاد والصبر على ذلك، والذي يهمنا هنا هو الحديث عن دور هؤلاء الموفقين في التواصي على الدعوة والجهاد ومدافعة غزو الكفار والمنافقين لبلاد المسلمين عسكريا وفكريا وسلوكيا.

الجهاد بالسنان، والجهاد بالبيان، والجهاد بالتربية والدعوة ومحاربة الفساد

وقد تبين لنا ذلك المكر الكبار، والكيد العظيم، والغزو الخطير، الذي يقوم به أعداء الإسلام وإخوانهم من المنافقين في احتلال بلدان المسلمين، ومحاولتهم مسخ هوية المسلمين وعقيدتهم، وفرض أنماط الغرب السلوكية والتغريبية في حياتهم. ومن أجل ذلك هب هؤلاء المجاهدون للتصدي لهذه الأنواع من الغزو کلا بما يحسنه ويقدر عليه، هذا بسنانه وحسامه، وذاك بعلمه وبيانه، وآخر بتربيته وتحصينه واحتسابه على المنكرات، ورأوا أن لا خيار لهم في ذلك بعدما سمعوا قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [التوبة:38-41].

وهذه الآيات وإن كانت قد نزلت في لوم المتخلفين عن الجهاد في سبيل الله بالسنان، فأحسب أنها عامة في جميع أنواع الجهاد المتعين (الجهاد بالسنان، والجهاد بالبيان، والجهاد بالتربية والدعوة ومحاربة الفساد).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب والدعوة والحجة والبيان، والرأي والصناعة، فيجب بغاية ما يمكنه)2(2) الاختيارات الفقهية (ص 447) (نشر دار العاصمة)..

لا عذر لقاعد في هذه النوازل

وعليه فإن التقاعس والتباطؤ أو التخذيل عن القيام بهذه الأنواع من الجهاد يكون داخلا تحت الوعيد الوارد في هذه الآيات ولا يبعد أن يكون أيضا من عناهم الله عز وجل بقوله: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة: 24] فاختر یا عبد الله أي نوع من الجهاد تحسنه فانفر إليه، فإنه لا يعذر في هذه النوازل قاعد، ولو كان عاميا لا يقرأ ولا يكتب، يقال له: جاهد بتربيتك لأهل بيتك، وتحصينهم من الفساد، وبلغ من تستطيع من الجيران والأقارب، فهذا منك جهاد.

الهوامش

(1) مجلة البيان العدد (42).

(2) الاختيارات الفقهية (ص 447) (نشر دار العاصمة).

اقرأ أيضا

المواقف المختلفة من غزو الأعداء (1-2)

أنواع الغزو الذي يتعرض له المسلمون اليوم

المشروع الأمريكي في حرب أهل السنة .. المحور العسكري

 

التعليقات غير متاحة