”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

المجاهد “آق سنقر البرسقي” (1) “حلَب” وبداية توحيد الجبهة

وجود أمراء وحكام مسلمين يؤمنون بدين الله ويسعون للجهاد تحت رايته بلا تلوث ولا نعرات قومية ولا عمالة للعدو ولا توريط للأمة؛ أصبح عملة نادرة؛ وهذه نظرة لتاريخ مشرق للإسئتناس به.

مقدمة .. من هم السلاجقة

السلاجقة أو الأسرة السلجوقية هي الأسرة أو العائلة التي تُنسب إلى رجلٍ اسمه “سلجوق بن دقاق” وهو الجد الأكبر للسلاجقة، وهم الأسرة الحاكمة لدولة من أكبر الدول الإسلامية التي ظهرت على الخريطة في العهد العباسي، وتحديدًا في القرن الخامس الهجري والقرن الحادي عشر الميلادي.

ويرجع السلاجقة في نسبهم إلى وسط آسيا، فقد هاجروا من مكان يُسمَّى “استبس القيرغيز” باتجاه الشرق، ودخلوا الإسلام وحاربوا الوثنيين في المنطقة التي هاجروا إليها، ثمَّ فيما بعد دخل السلاجقة الحرب مع الغزنويين، وانتصروا عليهم، وبعد انتصارهم على الدولة الغزنوية توسَّع السلاجقة باتجاه الغرب، وحاربوا وانتصروا على البويهيين، ثمَّ توسَّعوا نحو بلاد الشام والأناضول والحجاز، وحاربوا البيزنطيين والصليبيين، قبل أن يبدأ اتحاد السلاجقة بالانقسام، فظهر سلاجقة الروم وسلاجقة خراسان والعراق والشام بسبب انقسام الأسرة الحاكمة.

ومن الطبيعي أن يؤدي الانقسام إلى السقوط شيئًا فشيئًا وهذا ما حدث فعلًا في القرن الميلادي الثالث عشر.

المجاهد “آق سنقر” البرسقي

منذ الأيام الأولى لوصول طلائع القوات الصليبية إلى مشارف الجزيرة الفراتية والشام، بدا أن ولاة الموصل السلاجقة سيلعبون دورًا حاسمًا إزاء الخطر الجديد؛ نظرًا لطبيعة موقعهم الحصين بعيدًا عن الأخطار المباشرة للهجوم الصليبي، ولكونهم يمثلون حلقة الوصل المباشر بين القواعد السلجوقية التي يتلقون أوامر عنها، وبين الإمارات الإسلامية المنتشرة في الجزيرة والشام، والتي وقع على عاتقها عبء التصدي للهجوم الجديد. وكان من أبرز هؤلاء الولاة “آق سنقر البرسقي” الذي حكم الموصل في الفترة بين (515- 520هـ/ 1121- 1126م).

من هو البرسقي؟

في عام (515 هـ) أصدر السلطان السجلوقي “محمود” أمره بتولية قائده الشهير “آق سنقر البرسقي” على الموصل وأعمالها، وكان الرجل قد عمل إلى جانب السلطان في معظم حروبه، وكان مخلصًا له، وقد لعب دورًا كبيرًا في المعركة الفاصلة التي وقعت بين السلطان وأخيه مسعود، وقام بدور الوساطة بينهما بعد انتهاء المعركة.

وقد اتبع السلطان محمود التقليد المعروف لدى إعلان تولية أمير على الموصل، إذ أمره بجهاد الصليبيين واسترداد البلاد منهم، كما أوصى سائر الأمراء بطاعته، فسار “البرسقي” إلى الموصل على رأس جيش كبير، وأقام فيها بعض الوقت ريثما يدبر أمورها ويصلح أحوالها.

امتاز الرجل ـ أكثر من غيره ـ بالنشاط الدائب والحركة السريعة، فهو تارة في الشام يجاهد الغزاة، وتارة أخرى في بغداد وجنوبي العراق يقاتل الخارجين عن طاعة السلطان والخليفة العباسي، وتارة ثالثة على مشارف “حلب” مستجيبًا لنداء أهلها بإنقاذهم من الأوضاع الاقتصادية والسياسية السيئة التي تردّوا فيها خلال تعرضهم للهجمات الصليبية.

وقد استطاع “البرسقي” أن يكسب ودَّ الأمراء المحليين وعلى رأسهم “طغتكين” حاكم دمشق، كما اكتسب عطف الخليفة العباسي باشتراكه إلى جانبه في حروبه ضد الخارجين عليه، فضلاً عن أنه اكتسب محبة الأهالي سواء في “الموصل” حيث مقر ولايته، أم في المنطقة ـ بصورة عامة ـ حيث اشتهر كأحد قادة الجهاد ضد الغزاة.

كان البرسقي ـ كما يصفه المؤرخون ـ عادلاً، حميد الأخلاق، شديد التدين، محبًّا للخير وأهله، مكرمًا للفقهاء والصالحين، وكان شجاعًا نال احترام وتقدير الخلفاء والملوك، ليِّنًا، حسن المعاشرة، كثير الصلاة، عالي الهمة؛ وبذا أجمع معظم المؤرخين على أنه كان من خيار الولاة.

الصليبيون .. وإهانة كتاب الله

والحق أن أهم ما أنجزه البرسقي خلال فترة ولايته على الموصل هو استلامه شئون الحكم في “حلب” وحله لمشاكلها وضمها إلى “الموصل”، الأمر الذي أتاح قيام وحدة بين البلدين كان لها أبعد الأثر في الصراع الإسلامي الصليبي.

كان الصليبيون قد شددوا هجماتهم على “حلب” والمناطق الزراعية المحيطة بها، وأنزلوا بها خسائر فادحة، وتولى الهجوم أميرُ “أنطاكية” و”الرها”؛ ثم ما لبثوا أن فرضوا الحصار عليها من شتى جهاتها “ووطنوا أنفسهم ـ كما يقول ابن الأثير ـ على المقام الطويل، وأنهم لا يغادرونها حتى يملكوها، وبنوا البيوت لأجل البرد والحر”.

وتعدى الأمر ذلك إلى نبش قبور المسلمين وتخريب مشاهدهم.. ويحدثنا المؤرخ الحلبي ابن العديم أنهم أخرجوا جثث الموتى، وعمدوا إلى من لم تتقطع أوصاله منهم فربطوا الحبال بأرجلهم وسحبوهم أمام أنظار المسلمين المحاصَرين في حلب، وراحوا يقولون: هذا نبيكم محمد..! وأخذوا مصحفًا من أحد مشاهد حلب المجاورة ونادوا: “يا مسلمون، أبصروا كتابكم”. ثم ثقبه أحد الفرنجة بيده وشدّه بخيطين وربطه بأسفل برذونه، فراح هذا يروّث عليه، وكلما أبصر الفرنجي الروث على المصحف، صفق بيديه وضحك عجبًا وزهوًا..!

لم يكتفِ الصليبيون بهذا، بل راحوا يمثلون بكل من يقع بأيديهم من المسلمين، فاضطروا هؤلاء إلى مجاراتهم بالمثل، وأخذت جماعات من مقاتلي حلب تخرج سرًّا لتُغِير على معسكرات الأعداء. وترددت الرسل بين الطرفين للتوصل إلى اتفاق ولكن دون جدوى، حتى ضاق الأمر بالحلبيين حيث قلّت الأقوات وانتشر المرض، واتبع أمراؤهم المتسلطون عليهم أشد الأساليب ظلمًا وعسفًا، وحينذاك قرروا تشكيل وفدٍ يغادر حلب سرًّا إلى الموصل للاستنجاد بالبرسقي.

البرسقي والاستيلاء على حلب

كان البرسقي حينذاك (518هـ) مريضًا، وكان الضعف قد بلغ منه مبلغًا عظيمًا، فمنع الناس من الدخول عليه، وعندما استؤذن للوفد الحلبي بالدخول، أذن لهم، فدخلوا عليه واستغاثوا به وشرحوا له الأخطار التي تحيق بحلب ومدى الصعوبات التي يعانيها أهل المدينة، فأجابهم البرسقي:

“إنكم ترون ما أنا الآن فيه من المرض، ولكني قد جعلت لله عليَّ نذرًا لئن عافاني من مرضي هذا، لأبذلَنَّ جهدي في أمركم والذبّ عن بلدكم وقتال أعدائكم”.

ولم تمضِ ثلاثة أيام على مقابلته للوفد حتى فارقته الحمى وتماثل للشفاء، وسرعان ما ضرب خيمته بظاهر الموصل، ونادى قواته أن تتأهب لقتال الصليبيين واستنقاذ حلب، وفي غضون أيام معدودات غدا جيشه على أهبة الاستعداد، فغادر الموصل متجهًا إلى الرحبة، وأرسل من هناك إلى “طغتكين” أمير دمشق و”خير خان” أمير حمص يطلب منهما مساعدته في إنجاز مهمته، فلبى هذان الأميران دعوته، وبعثا بعساكرهما للانضمام إلى جيش البرسقي، الذي كان قد تحرك آنذاك صوب” بالسس” القريبة من حلب.

ومن “بالسس” أرسل البرسقي إلى مسئولي حلب، وشرط عليهم ـ مسبقًا ـ تسليم قلعة حلب لنوابه كي يحتمي بها في حالة انهزامه أمام الصليبيين، فأجابوه إلى طلبه.

وما أن استتب الأمر لنواب البرسقي، واطمأن الرجل إلى وجود حماية أمينة في حالة تراجعه، حتى بدأ زحفه صوب قوات الصليبيين التي تطوق حلب.

وصلت طلائع قوات البرسقي حلب يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة (518هـ)، وما أن اقترب البرسقي بقواته المنظمة حتى أسرع الصليبيون في التحول إلى منطقة أفضل من الناحية الدفاعية، فعسكروا في جبل جوش على الطريق إلى أنطاكية، وهكذا غدوا مدافعين بعد أن كانوا مهاجمين، وخرج الحلبيون إلى خيامهم فنالوا منها ما أرادوا، بينما اتجه قسم آخر منهم لاستقبال البرسقي لدى وصوله.

إصلاحات داخلية

وقد أدرك البرسقي ما يرمي إليه الصليبيون بانسحابهم واتخاذهم موقفًا دفاعيًّا؛ فلم يتسرع بمهاجمتهم قبل أن يعيد تنظيم قواته من جديد؛ خوفًا من نزول هزيمة فادحة بعسكره قد تعرّض حلب للسقوط. وأرسل طلائعه الكشفية لرد الجيوش المتقدمة إلى معسكراتها في حلب، وقال موضحًا خطته هذه:

“ما يؤمّننا أن يرجعوا علينا ويهلك المسلمون..؟ ولكن قد كفى الله شرهم، فلندخل إلى البلد ونقوّيه وننظر إلى مصالحه، ونجمع لهم إن شاء الله، ثم نخرج بعد ذلك إليهم”.

ومن ثَمَّ دخل البرسقي حلب وبدأ بحل مشاكلها ورفع مستواها الاقتصادي والاجتماعي، فنشر العدل وأصدر مرسومًا برفع المكوس والمظالم المالية وإلغاء المصادرات، وعمَّت عدالته الحلبيين جميعًا بعدما مُنُوا به من الظلم والمصادرات، وتحكّم المتسلطين طيلة فترة الحصار الصليبي.

ولم يكتف البرسقي بذلك بل قام بنشاط واسع لجلب المؤن والغلال إلى المدينة كي يخفف من حدة الغلاء، ويقضي على الضائقة التي يعانيها الحلبيون. وما لبث النشاط الزراعي في منطقة “حلب” أن عاد إلى حالته الطبيعية، حيث استأنف المزارعون العمل في أراضيهم التي شُردوا عنها، وساعدتهم الظروف المناخية في أراضيهم التي شردوا عنها، وساعدتهم الظروف المناخية، حيث هطلت مقادير كبيرة من الأمطار فأخصبت الأرض، كما عاد النشاط التجاري إلى عهده السابق اعتمادًا على ما تمتعت به المنطقة من أمن واستقرار.

قيمة الإنجاز

وهكذا استطاع البرسقي أن يحطم الطوق الذي أحاط به الصليبيون “حلب”، وأن يخلّص هذا الموقع المهم من أخطر محنة جابهته طيلة الحروب الصليبية، ويوحِّده مع “الموصل” لأول مرة منذ بدء هذه الحروب، الأمر الذي أتاح لهذا القائد ـ ولعماد الدين زنكي من بعده ـ أن يفيد من هذه الوحدة لتحقيق انتصارات عديدة ضد الغزاة؛ ذلك أن “حلب” هي القاعدة الثانية في الشمال بعد “الموصل”، وهي الحصن الأخير الذي وقف بوجه الزحف الصليبي في المنطقة باتجاه الشرق؛ إذ كانت تتمتع بمركز استراتيجي حيوي من النواحي البشرية والعسكرية والاقتصادية وخطوط المواصلات. وبالرغم من وقوعها بين إمارتين صليبيتين هما “الرها” و”أنطاكية”، إلا أنه كان بإمكانها الاتصال بالقوى الإسلامية المنتشرة في الجزيرة والفرات والأناضول وشمالي الشام؛ مما يعد أساسًا حيويًّا لاستمرار حركة الجهاد وتحقيق أهداف حاسمة ضد العدو؛ هذا فضلاً عن عمق وتوثق الصلات الاقتصادية والجغرافية بين حلب والموصل منذ أيام الحمدانيين، ومن ثَم تعتبر المدينتان مكملتين إحداهما للأخرى.

وكان مما يزيد في قيمة الاستيلاء على حلب، أنها بفضل موقعها على ثغر المسلمين ومعقلهم تجاه الغزاة، أضْفَتْ على أمير الموصل صفة المدافع عن الإيمان ضد الكفار، كما أن قوة الشعور الإسلامي يجعل من العسير على السلطان السلجوقي أن يتخذ ضد أميرها إجراءً صارمًا، يضاف إلى ذلك أن البرسقي ـ باعتباره ممثلاً للسلطان السلجوقي ـ صار له السلطة الشرعية الوحيدة بين الإمارات التي شكلها البرسقي، والممتدة من نهر “قويق” إلى نهر “دجلة” نواة لما قام بعدئذ بالشام من دولة إسلامية متحدة زمن الزنكيين والأيوبيين والمماليك، ولم يكن الغزاة الذين وحّد بينهم نظام الملكية في بيت المقدس، يواجهون قبل ذلك سوى بلاد تنازعتها في الشام قوى عديدة وإقطاعات متفرقة زادت من ضعفها.

خاتمة

ما حدث ـ إذًا ـ من توحيد “حلب” مع “الموصل” يعتبر بدء توحيد الجبهة الإسلامية، التي قُدِّر لها أن تَقضِي في يوم من الأيام على قوة الصليبيين في الشام.

…………………….

المصدر:

  • د: عماد الدين خليل، المصدر: مجلة الفسطاط التاريخية.

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد