زمن القراءة ~ 3 دقيقة 

مع الأزمات تُخرج الأمم حقيقة الإنسان الذي ترعاه وتربيه وتزرع فيه قيمها. وفي الأزمة الحالية تتكشف جاهلية وفوضوية الإنسان الغربي ومدى الاحتياج لحضارة الإسلام.

الخبر

“بدأ الأمريكيون نوبة نهم لشراء الأسلحة محققين مبيعات صاروخية في جميع أنحاء البلاد، واصطف المتسوقون خارج محلات الصيد، وسط مخاوف تجتاح البلاد من فيروس كورونا.

خطر تفشي فيروس كورونا في الولايات المتحدة، ما زال قائما. وفي هذه الأثناء، يتجه الأمريكيون العاديون إلى ما يقومون به، عادة، في الأوقات العصيبة، أي شراء الأسلحة والذخائر.

ووفقا للبائعين، يقصدهم أشخاص لم يسبق أن اشتروا السلاح في حياتهم. علاوة على ذلك، فإن البعض ممن يشترون اليوم كانوا معارضين أشداء للأسلحة، لكنهم خضعوا أخيرا للذعر العام والصخب.

ومن المثير للاهتمام أن الأسلحة التي يشتريها الأمريكيون تقل بينها بنادق الصيد التقليدية. فالمشترون يفضلون في الغالب إطلاق النار السريع والأسلحة متعددة الطلقات، التي يرونها أنسب للدفاع عن النفس.

وثمة عامل مهم في تجديد الأمريكيين ترساناتهم المنزلية من الأسلحة هو عدم الثقة التقليدية بحكومتهم، والتي لم تكن في الأوقات الأكثر هدوءا أكثر جودة.

وأفاد تقرير نشرته صحيفة ديلي ميل البريطانية: تشهد كل من كاليفورنيا ونيويورك وواشنطن – التي تضررت بشدة من الخلل الصحي القاتل – ارتفاعًا كبيرًا في مبيعات الأسلحة.

وسعى بعض المشترين للاسلحة إلى التبرير بحماية أسرهم من اللصوص في حالة نفاد الطعام والإمدادات بسبب ذعر الفيروس التاجي الذي يجتاح البلاد. (1موقع “روسيا اليوم RT”، على الرابط:
الأمريكيون يقاومون فيروس كورونا بشراء الأسلحة
موقع “صدى البلد” على الرابط:
طوابير وقوائم انتظار.. الهلع من كورونا يصيب الأمريكان بهيستريا شراء الأسلحة
)

التعليق

يجب أن نسجل هنا حقيقة مهمة، وهي حقيقة لا نملّ من بيانها؛ بل ونؤكد عليها دائما.. وهي تكشُّف الإنسان الغربي. لم يتكشف أمامنا فقط، بل تكشَّف أمام نفسه أوّلا، ثم أمام العالم. ونرجو أن يتكشَّف أمام المنبهرين في بلادنا من المستغرِبين عميِ القلوب قبل العيون.

إنه الإنسان الذي لا يجهز التكافل الاجتماعي ولا صلة الأرحام ولا تقاسم اللقيمات ولا النظر الى المجتمع “الإنساني” كإخوة، ولا الى حياة الإنسان كواجب، بل يجهز الهرع الى السلاح تحسبا للفوضى القادمة.

ليست المشكلة في حق الدفاع عن النفس إن حدث ما يدعو الى ذلك، بل المشكلة في معرفتهم بحقيقة المظالم في المجتمع وتفاوتاته الضخمة، وأنه لا قيم حاكمة ولا تراحما موجودا يمكن الاعتماد عليه.

هناك حضارة مادية فائقة تراكم فيها ما قدمت البشرية في القرون السابقة، ومنها ما قدمه المسلمون عبر أكثر من ثمانية قرون ـ لكنهم ينكرون هذا الدور والإرث ، وهي حضارة مبهرة لما أحدثت من تطورات شملت أغلب مناحي حياة الإنسان.

لكنها أيضا الحضارة الخاوية من الروح، والمعادية لله، والمنقطعة الصلة بالآخرة، والمتنكرة للقيم والأخلاق التي تعتمد على الغيب،. وهي تزدري الإنسان كإنسان وإنما تعتبره فقط منتجا وتتعصب للإنسان الغربي “المنتِج” وتحتقر بقية العالم لأنه مستهلك. ولا تعترف أنها تفرض على بقية العالم سياجا من التخلف والتبعية وتحتكر العلوم والقوة دونه، وتسلط عليه المجاعات والاستبداد وتضعه في خانة “المستهلك” وتسمح له بقدر من الحياة لا تجعله يموت فتخسر السوق المستهلِك، ولا تجعله يتقدم؛ بل تجعله سوقا ليشتري من المنتِج الغربي منتجاته وسلاحه، فيحيا الغربي بدم وعرق ومال هؤلاء الفقراء..!

لكن الأهم هنا هو الإنسان الغربي ذاته؛ فبينما كان إهمال المُسنين في أوروبا وأمريكا وتركهم للموت؛ كان هناك الإنسان نفسه وهو يجهّز سلاحه ليدافع عن قوْته أمام جائع آخر فيما يفترض أنهما لا بد أن يصطدما.

للمزيد: [المُسنّون .. و”الإنسان” في الغرب]

كان العدل طريقا لتجنب هذا، وكان احترام حياة الإنسان ككل طريقا، وكان التكافل طريقا لكنهم يرفضون هذا.

ثمة أزمات لو ألمّت بالأمم لأخرجت أضغانها، ولكان لباس الجوع في طبقات والخوف في طبقات أخرى.

إن المجاعات التي ترى التحلل الأخلاقي والشذوذ والاستغلال وامتصاص ثروات الأمم ـ جزءا من الإنسانية والحقوق، ومن منجزات الحضارة الحديثة ومقرراتها وشرطا للنهضة.. لا بد معها من متلازمِة بقية السقوط الأخلاقي؛ فهذه التوجهات لا تكون وحيدة؛ بل ثمة مرافقات كُثُر في جنبات النفس الإنسانية.

إننا لا نمجد الشعوب في الشرق الإسلامي؛ لأنها بدورها ينتشر فيها الكثير من الجاهلية وعدم تقديم “الإنسان المسلم” كما ينبغي على نطاق جماهيري واسع، وهذا لأنه يحول دون هذه التربية حوائل من الطغاة المستبدين ومن تسلط الفجار على حياتنا، وهم بدورهم أدوات للغرب نفسه..!

خاتمة

إننا نلفت النظر الى حقيقة قبح الإنسان الغربي، ونلفت بشدة الى أهمية الفصل بين الإنتاج المادي الذي هو مِلك للبشرية كلها تراكَمَ جهدها عبر القرون في صنعه.. وبين الجانب الإنساني والقيمي. وهذا لا يكون ولا يولد إلا من خلال المنهج الرباني المتمثل في هذا الدين.

عندما يتخلى المسلمون عن دورهم في إخراج “الإنسان المسلم” وهو الإنسان المتحضر بحق، من خلال القيم والأخلاق والمشاعر التي يربيها فيه ويخرجها منه منهجُ الله تعالى..

وعندما يضغط الغرب لفصل المسلمين عن دينهم وعن تفعيل تربيته لهم من خلال أجهزة ومؤسسات. وتسليط الحروب عليه، وخداعه ومخاتلته عن دينه..

عندما يحدث هذا فقد خسر العالم “الإنسان” المسلم، ومن ثم فقد خسر الإنسان المتحضر. بينما تضج الحياة وتلحّ أحداثها على الحاجة اليه.

يبدو مع سير الأحداث أن ما وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عودة الخلافة الراشدة أنها ستأتي على شوق من الدنيا اليها، وعلى لهفة من الإنسان ـ كل الإنسان ـ اليها.

وأنهم حينما يكتشفون أن هذا “الإنسان القيمي” يملك إخراجَه الإسلامُ سيعرفون حينها كم أهدروا من كنوز وكم خسروا من ثروات.. وصدق الله العظيم ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30)

……………………………..

هوامش:

  1. موقع “روسيا اليوم RT”، على الرابط:
    الأمريكيون يقاومون فيروس كورونا بشراء الأسلحة
    موقع “صدى البلد” على الرابط:
    طوابير وقوائم انتظار.. الهلع من كورونا يصيب الأمريكان بهيستريا شراء الأسلحة

اقرأ أيضا:

التعليقات غير متاحة