الجرح النازف في “تركستان” المسلمة


زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

بلد مسلم يمثل جزءا من الأمة، يتم التغيير الديمغرافي بتهجير أهله وإحلال غيرهم، وتغيير الدين، والاضطهاد، جرحٌ نازف وأمة غائبة.

تعريف بـ “تركستان”

وقعت تركستان الشرقية فريسة سهلة بين أنياب التنين الصيني، بعد أن لم يجد لها ظهرا تستند إليه.. فما قصة تركستان المنسية؟ وما دورنا نحوهم؟

تركستان الشرقية هذا هو اسمها أرض الأتراك، بلدٌ مسلم فتيّ، دخلها الإسلام في نهايات القرن الأول على يد المسلمين الفاتحين وقائدهم قتيبة بن مسلم رضي الله عنه، ومن يومها وهي تعتنق الإسلام. ويمثل المسلمون بها (90%)، ولكن أصبحوا بعد الاحتلال الصيني (70%)، وعاشت تركستان الشرقية إمارة إسلامية أكثر من عشرة قرون القرون، حتى احتُلت من قبل الصين الشيوعية عام (1949)م بالتواطؤ مع روسيا، وأطلقوا عليها مقاطعة (سينكيانج) أي المقاطعة الجديدة.

أنعم الله على تركستان الشرقية وأهلها بنعمة الإيمان والإسلام، وأبلى أبناؤها بلاءً حسنًا في الإسلام؛ فكان منهم الدعاة في نشر الإسلام, والمجاهدون في الفتوحات الإسلامية، كما ظهر منهم العلماء الأجلّاء الذين أثرت كتاباتهم ومؤلفاتهم المكتبة الإسلامية في شتى الفنون، وبرعوا في علومهم, وتركوا للمكتبة الإسلامية ذخيرة غنية من المؤلفات العظيمة، وكان الطلاب المسلمون من مختلف أنحاء العالم الإسلامي يأتون إلى “كاشغر” لدراسة العلوم الإسلامية والإنسانية والعلمية، حتى غدت كاشغر تعرف باسم “بخاري الصغرى”.

ومنذ ذلك الحين وأهل تركستان الشرقية كلهم مسلمون، وبقيت تركستان دولة مستقلة إسلامية حوالي عشرة قرون، وكانت ـ ولا تزال ـ تشكل الامتداد الطبيعي للأمة الإسلامية في آسيا، وهي جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي. (1)

بداية المأساة ، والمقاومة

قام “المانشور” (وهم حكام الصين) بغزو تركستان الشرقية في عام (1759)، وراح ضحية المعارك الحربية التي أدت إلى تحكيم سيطرتهم عليها أكثر من مليون نسمة.. وقد شهدت فترة السيطرة الصينية التي تلت الغزو العسكري 42 ثورة.(2)

لقد استمرت الثورات الوطنية ضد الحكم الصيني، وأحرز المسلمون التركستانيون نجاحاً باهراً بتشكيل الحكومة الوطنية الأولى التي كانت في كاشغر عام (1933)، والثانية في غولجة عام (1944)؛ ولكن الاتحاد السوفييتي الذي لم يشأ أن يرى دولة إسلامية مستقلة بجوار مستعمراته في آسيا الوسطى، قدم المساعدات الحربية إلى الصين لمحاربة المسلمين وإنهاء دولتهم الفتية.(3)

بدأت الصين معركة محو الهوية الإسلامية لتركستان الشرقية، فقد قامت بتهجير كثيرًا من الصينيين إلى الإقليم للسيطرة عليه من عرق “الهان”؛ ليقف أمام العرق التركستاني الإيجوري، وأغلقت المساجد، وحاربت التعاليم الإسلامية، حتى أصبح الآن بتركستان (9) آلاف مسجد بعد (16) ألف من قبل، ووضعت المناهج الدراسية التي تهاجم الدين الإسلامي وتسخر منه، وأحرقت الكتب الديني، وعرضت وشجّعت المسرحيات التي تسخر من الدين وأهله، ومنعت المدارس الدينية.

خرج مئات من الطلاب التركستانيين المسلمين (الأويغور القبيلة التي انحدر منها جنكيز خان) في جامعة مدينة “أورومجي” في مظاهرة في شوارع المدينة وهم يلوحون بلافتات ويطلقون شعارات ضد خصمهم التقليدي: المستوطنين الصينيين وذلك احتجاجاً على إعلان ظهر في أحد أروقة الجامعة يدعو إلى اتخاذ رجال الأويغور عبيداً ونسائهم جواري. (4)

سياسة الشيوعين في تركستان

ينتهج الشيوعيون الصين مع الأمة المسلمة هناك سياسة مطرد تقوم على الاضطهاد الديني والعقدي والتذويب الهويّاتي للمسلمين؛ ومن ذلك:

  • منع ممارسة الشعائر الدينية ومعاقبة كل من يقوم بها بالعقاب الصارم بموجب القوانين الجنائية.
  • منع تعليم الدين الإسلامي، وفرض تدريس الإلحاد في المدارس والنوادي والتجمعات.
  • مصادرة المصاحف والكتب الإسلامية، وقد بلغ ما جمع منها (730) ألف كتاب مطبوع ومخطوط، وإجبار رجال الدين والعلماء على امتهانها وإحراقها في الميادين العامة.
  • نشر الكتب والمطبوعات المعادية للإسلام ورفع الشعارات والملصقات التي تسيء إلى الإسلام وأحكامه وتعاليمه، مثل: “الإسلام ضد العلم”، “الإسلام اختراع أغنياء العرب” “الإسلام في خدمة الاستعمار”.. وهكذا.
  • اعتقال العلماء ورجال الدين واحتقارهم وفرض أعمال السخرية عليهم، وقتل من يرفض التعاون معهم ويرضى بإلحادهم وانتهاكاتهم.
  • إجبار النساء على خلع الحجاب، وإلغاء العمل بالأحكام الشرعية في الزواج والطلاق والمواريث، وفرض الاختلاط، وتشجيع الزواج بين المسلمين والمسلمات وغيرهم؛ بغية تخريب العلاقات الأسرية الإسلامية.
  • إغلاق أكثر من 28 ألف مسجد، وإغلاق 18 ألف مدرسة دينية، وفوق ذلك استخدمت المباني الإسلامية بمختلف أنواعها وفي مقدمتها المساجد والمدارس في أعمال تتنافى مع قيم الإسلام، وحولت إلى حانات ومخازن.
  • مصادرة أموال الناشطين في العمل الإسلامي بأي مجال كان، سواء كان بالتعليم والتدريس والتأليف والترجمة، وهدم بيوتهم ونفيهم من منطقة سكنية إلى الصحراء بعيدًا عن الناس وعن الجماعة.(5)

 المحنة المنسية

لهذه المحنة مجالات عدة يعاني منها المسلمون هناك.

التهجير العبث بالتركيبة الديموغرافية

حتى عام (1949) كان الإيغور يمثلون (80%) من سكان إقليم تركستان الشرقية، ومارست السلطات الصينية صنوفا مختلفة من القمع والاضطهاد ضد أبناء قومية الإيغور، مما أدى إلى نزوح مئات الآلاف منهم إلى الدول والمناطق المجاورة.

ومهدت هذه الهجرة الطريق أمام الحكومة الصينية لحث الصينيين من قومية الهان على الهجرة إلى الإقليم تحت شعار الانفتاح والتعايش السلمي بين القوميات، وهو ما أدى بشكل تدريجي إلى زيادة في نسبة السكان من قومية الهان الصينية الذين أصبحوا يمثلون اليوم قرابة (42%) من سكان الإقليم البالغ عددهم (24) مليونا.

التضييق على الحريات الدينية

ويمكن إجمال الممارسات التي تنتهجها السلطات في هذا الإطار بما يلي:

  • الحرمان من أداء الصلاة والشعائر الدينية إلا في إطار ضيق وتحت المراقبة.
  • منع تداول المصاحف والكتب الدينية.
  • إجبارهم على الإفطار في نهار رمضان، ومنعهم من الصيام.
  • منع استخدام مكبرات الصوت لرفع الأذان بحجة إزعاج السكان.
  • منع تطبيق الأحكام الشرعية في تنظيم الأحوال الشخصية، التي تتعلق بالزواج والطلاق والميراث.
  • حظر اللباس الشرعي للنساء ومنع تصنيعه، وحظر إطلاق اللحى للرجال.
  • طمس المعالم الإسلامية وإغلاق المساجد وتسريح الأئمة.
  • تحريم الطعام الحلال وإجبارهم على أكل لحم الخنزير في المدارس وأماكن العمل.
  • منع حمل الرموز الدينية كالهلال والنجمة.
  • حظر استخدام الحروف العربية.
  • إخضاع المؤسسات التعليمية للمناهج الصينية.
  • منع تعدد الزوجات.
  • نشر الانحلال والإباحية ومحلات بيع الخمور في مناطق المسلمين.
  • تحديد النسل وفقا للقوانين الصينية. (6)

التضييق على الحريات الشخصية

وتشمل تلك الممارسات:

  • منع الاتصالات الخارجية عمن يشتبه بصلاتهم مع معارضين في الخارج.
  • التضييق على استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
  • الحرمان من السفر لمن يشتبه بكونهم يحملون أفكارا معارضة.
  • منع تجديد جوازات سفر المعارضين خارج البلاد.
  • المراقبة المستمرة ونشر الكاميرات وأجهزة المسح الضوئي حتى في القرى النائية.
  • أخذ عينات من الحمض النووي لتسهيل متابعة المعارضين.
  • تزويد السيارات بشرائح تتيح ملاحقة تنقلها عبر الأقمار الاصطناعية.
  • الاعتقال والإخضاع للتحقيق في المراكز الأمنية دون تهم محددة.
  • التمييز ضدهم في حق الحصول على وظائف حكومية. (7)

معسكرات الاحتجاز

قالت الأمم المتحدة إنها تلقت تقارير موثوقة عن وجود نحو مليوني شخص من أقلية الإيغور المسلمة في معسكرات صينية سرية في إقليم “شينغيانغ”، تطلق عليها السلطات “معسكرات التلقين السياسي” أو “إعادة التأهيل”، ودافعت السلطات في بكين عن البرنامج مؤكدة أنها تريد بذلك التصدي للإرهاب عبر مراكز “تدريب متخصصة”. (8)

واجب المسلمين

هذه صورة لمأساة المسلمين في بقعة عمرها الاسلام قرونا، واليوم يصيبها من لفح ما أصاب المسلمين عموما “كأمة”.

قد نقلناها من باب القيام بالواجب الذي أمر الله تعالى به؛ إنه جرح نازف، وهو باقٍ كغيره من الجراح ما بقيت حال الأمة، وهو يلتئم إذا ما عادت الأمة الى دربها وطريقها.

والمعالجة يجب أن تكون على مأخذين:

المأخذ الأول المعالجة العاجلة

وتتمثل المعالجة العاجلة العمل بما في أيدي المسلمين من إمكانيات حاضرة، فكم نملك ولا نشعر بما نملكه من قوة وأدوات ضغط.

  1. فقد أمر الله تعالى بالاهتمام بأمر المسلمين والشعور بهم ومتابعة أمرهم.
  2. ومن العبوديات تجاههم نشر مأساتهم والتعريف بقضيتهم.
  3. ومن الطرق والوسائل طرق أبواب ما يتاح للمسلمين من إعلام ومنظّمات إسلامية ودولية للقيام بنوع من الضغوط المتاحة في الأوضاع الحالية.
  4. ومنها ضغط الدعاة العلماء وجماهير المسلمين على الحكومات المختلفة لإيوائهم وتعليمهم.
  5. ومن الأمور التي تؤثر كثيرا على “الصّين الشيوعية” الضغط الاقتصادي عليها بالمقاطعة لمنتجاتهم، ودعوة المسلمين الى هذا.
  6. ولو تمكن الدعاة في بلد أن يمنعوا عنهم المواد الخام المؤثرة على اقتصادهم حتى يعدلوا في هذه القضية لكان هذا سلاحا فاعلا عليهم.
  7. ولا بد من متابعة تعليم المسلمين الايغور ونشر وتعليم القرآن والسنة والعقيدة بينهم.
  8. كما لا بد من مؤازرتهم ومعاونتهم في الصمود والتمسك بقضيتهم وعدم الانهزام أو التراجع.

والمأخذ الثاني هو الحل الجذري

وهو إقامة أنظمة قائمة على منهج الله، وتأخذ الاسلام منهج حياة، وتقوم بدور “الأمة” الذي مارسته في تاريخ البشرية أكثر من عشرة قرون.

يرونه بعيدا..؟ فليروه كما يشاؤون، لكننا نراه قريبا، ﴿والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾.

………………………………………

هوامش:

  1. موقع “الراصد” على الرابط: 
    تركستان الشرقية.. القضية المنسية 
  2. المصدر السابق.
  3. موقع “مجلة البيان” بتاريخ 4/9/2017، للكاتب “آدم صواب”المستعمرة الإسلامية المنسية، على الرابط:
    تركستان الشرقية… المستعمرة الإسلامية المنسية
  4. الاندبندنت البريطانية، بتاريخ 20/10/1988.
  5. مجلة البيان، بتاريخ 4/25/2016، للكاتب “ثائر منيب الدندح”، على الرابط: 
    تركستان الشرقية… القضية المنسية
  6. موقع قناة الجزيرة، بتاريخ 29/10/2018، على الرابط:
    المحنة المنسية.. 30 قانونا ترغم المسلمين الإيغور على الردة.
  7. المصدر السابق.
  8. المصدر نفسه.

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.