الانسحاب من سوريا وأفغانستان .. والانهيار الأمريكي!


زمن القراءة ~ 4 دقيقة 

ينخدع من ينظر بباديء الرأي والمنفصل عن وعد الله وخبره، أن الظلم باقٍ وأن صفحته ستطول؛ بينما يدرك الباطل نفسه أن السوس ينخر فيه وأنه يتراجع بل يتهاوى.

الخبر

1) “نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين أميركيين أن واشنطن تبحث سحب كل قواتها من سوريا، في حين وصفت موسكو الوجود الأميركي بغير الشرعي وبالعائق أمام تسوية الأزمة السورية.

وقال مسؤولون أميركيون إن الولايات المتحدة تبحث سحب كل قواتها من سوريا مع اقترابها من نهاية حملتها لاستعادة كل الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية.

وغرّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تويتر قائلا “لقد هزمنا تنظيم الدولة في سوريا، وكان ذلك السبب الوحيد لوجود قواتنا هناك خلال فترة رئاستي”.

كما نقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤول عسكري أميركي قوله إن قرار سحب القوات اتخذ أمس الثلاثاء. وأضافت الصحيفة أن سحب هذه القوات سينفذ في أسرع وقت ممكن.

وقالت وكالة رويترز إنه إذا تأكد ذلك فإنه سوف يضع نهاية للافتراضات بشأن وجود أطول أمدا للقوات الأميركية في سوريا الذي سبق أن دافع عنه وزير الدفاع جيمس ماتيس ومسؤولون أميركيون كبار آخرون للمساعدة في ضمان عدم عودة التنظيم للظهور”. (1)

2) “نقلت وكالة “فرانس برس” عن مسؤول أمريكي قوله إن الرئيس دونالد ترامب، قرر سحب مجموعة كبيرة من العسكريين الأمريكيين من أفغانستان، وذلك بعد يوم من قرار سحب قواته من سوريا.

وأضاف المسؤول الذي طلب عدم كشف هويته: “تم اتخاذ القرار. وسيتم تنفيذ انسحاب هام”.

وتضم المجموعة العسكرية الأمريكية في أفغانستان حوالي 14 ألف عنصر، ينشطون في بعثة الناتو العاملة في مجال دعم الجيش الأفغاني، وتنفيذ العمليات الخاصة لمكافحة الإرهاب.

ويعتبر قرار ترامب الانسحاب من سوريا وأفغانستان، نقطة تحول في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وقد يفتح الباب أمام سلسلة من الأحداث والتطورات غير المتوقعة في الشرق الأوسط وأفغانستان”. (2)

3) “أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية “بنتاغون” بدء عودة القوات الأمريكية من سوريا، لكنها قالت إنها ستواصل العمل مع “الشركاء المحليين”.

جاء ذلك في بيان للمتحدثة باسم البنتاغون دانا وايت، حول انسحاب الولايات المتحدة من سوريا.

وقال البيان، “حررنا الأراضي التي كان يسيطر عليها (تنظيم) داعش، لكن الحملة ضد التنظيم لم تنته. أطلقنا مسيرة عودة جنودنا من سوريا، تزامنا مع الانتقال إلى مرحلة جديدة من الحملة ضد داعش”.

وأضاف أنه لن يقدم معلومات إضافية حول الموضوع من أجل حماية القوات وسلامة العمليات”. (3)

دلالة الخبر

قراءة سياسية في ضوء العقيدة والتاريخ

“قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي (2018) م دعا الرئيس الأسبق أوباما أحد أبرز دعاة الليبرالية الشعب الأمريكي إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه وتصحيح المسار في واشنطن وذلك في ظل الصراع السياسي العميق الذي يواجه فيه التيار الأبيض اليميني المحافظ بقيادة ترامب التيار الليبرالي والتيار اليساري الإجتماعي.

لقد أدرك ترامب وتياره اليميني أن أمريكا بديونها وأعباء التزاماتها السياسية والعسكرية لم تعد قادرة على القيام بدورها الإمبراطوري كراعية للنظام الدولي الذي أنشأته وضمنته بقوتها العسكرية والاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية، لذا سارع ترامب إلى تغيير السياسات الاقتصادية بالانسحاب من عدة اتفاقيات دولية والسياسات العسكرية بالانسحاب من سوريا وأفغانستان لتتخلص أمريكا من هذه الالتزامات والتي تقود أمريكا بنظر ترامب إلى الإفلاس والانهيار.

ولقد أحدثت سياسات إدارة ترامب هزة كبرى في كيان النظام الأمريكي والدولة العميقة فيها والتي وصفها الرئيس ترامب بالمستنقع في إحدى تغريداته “إنني أجفف المستنقع وهو يقاومنا ولكننا سننتصر”.

إن هذه التغيرات والتحولات الكبرى وهذا التراجع الأمريكي وانتهاء الرأسمالية الليبرالية أصبح مما تدركها المراكز الاستراتيجية، وهذا ما تنبأ به روبرت غيلبين أحد العلماء الواقعيين البارزين في الاقتصاد السياسي الدولي فيما عرف بنبؤة غيلبين (4)

وفي عالمنا العربي والذي يشهد ثورة تاريخية هزت النظام الدولي لا زال يوجد من يدعو لليبرالية والعلمانية الديمقراطية والتي تشهد في عقر دارها من يكفر بها من التيار اليميني والشعبوي والذي يستند إلى الكتاب المقدس والكنيسة لإعادة بناء مجتمعاتهم وفق الثقافة المسيحية البيضاء والتعامل مع العالم وفق هذا المنظور العقائدي لتكون من أهم المحركات الأساسية للسياسات والمواقف الدولية.

ففي الغرب بدأت التيارات اليمينية المسيحية المحافظة تصل لمراكز السلطة بأجندتها المسيحية مع تحول الرأي العام الغربي نحو تأييد هذه التيارات كونها تعبر عن ثقافتها المسيحية وحماية مجتمعاتها من خطر الهجرة على ثقافتهم وحماية مصالحهم الإقتصادية التي يرون تضررها من السياسات الليبرالية التي جاءت بالعولمة والانفتاح مما هدد هوية المجتمعات الغربية ومصالحها في نظر الرأي العام المؤيد للتيارات اليمينية المتصاعدة.

وفي الشرق بدأت الأمة الإسلامية تعود إلى هويتها رويدا رويدا مع الثورة والتحرر من الاحتلال وبدأت الدعوة للحكم الراشد وعودة الخلافة تأخذ مكانها في أدبيات الثورة وقواها، ويدور بين العلماء والدعاة نقاشات عميقة حول طبيعة النظام السياسي القادم الذي سيحكم الأمة بعد تحررها، والملاحظ هنا أن هناك شبه إجماع على نموذج الخلافة الراشدة، والنقاش أصبح يتركز على كيفية إقامة هذا النموذج على أسس صحيحة ومتينة مع مراعاة واقع الأمة الذي تعيش فيه.

إذا فالعالم يعيش ملحمة تاريخية فجّرتها الثورة العربية في وجه السيطرة الغربية الليبرالية المتعولمة وعلمانيتها الملحدة ووصل آثارها لعمق المجتمعات الغربية وهزت كيان وقواعد النظام الدولي الاستعماري ليشهد العالم في عقد منذ قيام الثورة ما لم يشهده منذ أربعة قرون بعد فتح القسطنطينية والذي أحدث هزة كبرى في قلب العالم المسيحي الغربي فجعلته على أثر هذا الفتح العظيم، وهذا من عجائب التاريخ، يعيد بناء أوربا من جديد فجاءت الكشوف الجغرافية والثورة الصناعية لتحدث الملحمة التاريخية حينها في تقدم الغرب المسيحي على الشرق الإسلامي وشن الغرب حملته الصليبية الأخيرة لإسقاط الخلافة في الحرب العالمية الأولى واحتلال العالم الإسلامي”. (5)

خاتمة

إننا لا ننفي تخوفنا بأن الانسحاب قد لايكون انهزاما بل قد يكون فيه خطة ماكرة على تركيا ومن يتعاطف معها من الفصائل الجهادية، كتصرف تكتيكي؛ لكن هذا لا ينفي القراءة العامة الأعمق للحدث.

“لقد ظن الغرب بأن التاريخ قد انتهى؛ فإذا الأمة تنبعث من تحت رماد الاحتلال والاستبداد لتعلن ثورتها وتبدأ ملحمتها لتعيد التاريخ من جديد، وإذا بالشام أرض الملاحم واسطنبول أرض الفتوحات تعودان من جديد كمركز للتحرر والمقاومة ليصدق فيهما ما ورد من أحاديث للنبي ﷺ من أحداث عظام وفتوحات على الأمة مرتبطة بهذه الأرض المباركة والمدينة العظيمة ليشهد العالم عودة الأمة بالثورة العربية والصعود التركي. ‏﴿الٓمٓ غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾”. (6)

صدق الله وصدق وعدُه.

………………………………..

هوامش:

  1. موقع الجزيرة، بتاريخ: 19/12/2018، على الرابط: “في خطوة مفاجئة.. واشنطن تقرر سحب قواتها من سوريا“.
  2. موقع (RT) “روسيا اليوم” على الرابط: “ترامب يقرر سحب آلاف الجنود من أفغانستان أسوة برفاقهم المسحوبين من سوريا“.
  3. موقع الأناضول على الرابط: (البنتاغون يعلن بدء انسحاب القوات الأمريكية من سوريا).
  4. انظر: https://tinyurl.com/y8m5urra.
  5. سيف الهاجري نائب رئيس حزب الأمة بالكويت، على صفحته الشخصية “سيف الهاجري” تحت عنوان “الانسحاب من سوريا وأفغانستان…والانهيار الأمريكي!”.
  6. المصدر السابق.

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.