الاكتتاب في شركة أرامكو .. “رؤية شرعية”


زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

ضجيج الاكتتاب في أرامكو، ومخاطر ذلك شرعيا وماديا، ودلالات العرض. كل ذلك تناوله الناس بطرق مختلفة. وللعلماء البعيدين عن السلطة بيانهم ورؤيتهم الشرعية، ننقلها هنا تجلية للموقف.

مقدمة

الحمدلله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى اّله وصحبه؛ أما بعد..

فيبيت الناس في هذه الأيام يدوكون ويتساءلون في شأن الاكتتاب في شركة أرامكو الذي بدأ في (20/3/1441هـ) الموافق (17/11/2019م) ما بين حريص متهالك في الاكتتاب وما بين متخوّف حذر من المشاركة فيها؛ إما تدينا خائفا على دينه من الحرام،  وإما ماديا خائفا على ماله من الخسران.

وقد صاحب ذلك دعاية مكثفة في وسائل الإعلام المختلفة تحضُّ الناس على المشاركة حتى وصل الحال ببعضهم إلى أن يخوّن من يحذر الناس من المشاركة ويتهمه بالخيانة العظمى للوطن..!!!

كما صاحب هذه الحملة وتحت شدة ضغطها ووطئتها أنْ تعَجَّل بعض المشايخ ـ عفا الله عنهم ـ دون أن يَسْبر كثير منهم حقيقة هذه الشركة وقراءة نشرتها المفصَّلة عن الاكتتاب ـ التي بلغت (800) صفحة ـ فسارع وأفتى بجواز المساهمة فيها؛ بل ذهب بعضُهم سامحه الله إلي حثِّ الناس على ذلك وأفاد بأنه سيساهم فيها مع المساهمين.

وقفات لتجلية الحقيقة

وإبراءًا للذمة ونصحا للأمة نسجل هنا بعض الوقفات التي انتهينا إليها بعد معرفة بعض أحوال الشركة وبنود نشرتها المتعلقة بالاكتتاب لعل ذلك يقودنا إلى معرفة الحكم الشرعي في هذا الاكتتاب.

الوقفة الأولى: معرفة المناط بدقة

لكي يعرف الحكم في أي وقفة فلابد من تصور الواقعة قبل الحكم عليها ؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:

“ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما.
والنوع الثاني: فهْم الواجب في الواقع، وهو فهْمُ حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان قوله في هذا الواقع.

ثم يطبق أحدهما على الآخر؛ فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا؛ فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله”. (1إعلام الموقعين 1/ 77-78).

وعند تطبيق هذين الأصلين على “نازلة الاكتتاب في أرامكو” فلا بد قبل معرفة الحكم في ذلك أن يعرف حال هذه الشركة وما تقوم به من معاملات وصفقات وعقود هل هي شرعية أم محرمة..؟ ثم ينزل أحكام الله التي يبينها لنا في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم على هذه الشركة وعقودها ومعاملاتها التي تتبين لنا من دراسة أحوالها. وعندها يتبين لنا الحكم الشرعي الذي تطمئن له النفس لكونه موافقا للحق إن شاء الله تعالى.

أما أن يتعجل ويسارع بعض المفتين أو بعض المتعالمين في الإفتاء بإباحة الاكتتاب لمجرد أن المادة الخام مباحة ومن كنوز الأرض دون أن يتبينوا حال الشركة وأنواع معاملاتها وعقودها ومصادر أصولها فإن هذا ظلم منهم لأنفسهم وظلم منهم للناس ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل:25].

الوقفة الثانية: دلالة شيوع الربا دوليا

وقبل معرفة بعض أحوال الشركة وليس كلها، لأن الغامض منها والمتكتم عليه أكثر من المعلن؛ لا بد من الإشارة  إلى أن هذه الشركة العملاقة التي يعدها بعض خبراء الاقتصاد أكبر شركة في العالم من حيث رأس مالها ووارداتها وصادراتها؛ لا بد من الإشارة الى أنها تحتل مكانة كبيرة في المنظومة الاقتصادية العالمية التي يحكمها النظام الرأسمالي القائم صلبه على الربا المتوحش والبيوع والعقود والصفقات المعلوم من الدين بالضرورة حرمتها. ومن أهم روافد هذا النظام الرأسمالي الربوي (شركة أرامكو)؛ فمن ظن أن شركة كبرى يمكن أن يقوم اقتصادها وأرباحها بدون الربا فهو جاهل أو مغالط.

والنظام الرأسمالي الربوي لا يهمه إلا عبادة المال وجلبه من أي جهة وبأي وسيلة دون اعتبار للحرام والحلال ولا اعتبار للاخلاق والقيم ، المهم أن يصب في جيوب مجموعة محدودة من البشر أو الدول على حساب بقية البشر المسحوقين تحت وطأة الربا الذي يفرضه ويتحكم فيه شياطين المال في العالم الرأسمالي.

الوقفة الثالثة: شمول الربا لآرامكو

وبناء على ما ذكر في الوقفة السابقة فإن شركة “أرامكو” العملاقة لا تنفك في معاملاتها ووارداتها وصادراتها عن هذا التوحش الربوي. ومن الأدلة المعلنة على لسانها ما أصدرته الشركة في العام المنصرم (1440هـ) من سندات مالية بقيمة (12) مليار دولار (45 مليار ريال) بفوائد ربوية. والسند: هو ورقة مالية تمثل قرضا ذا أجل محدود يستحق صاحبه فائدة ربوية.

وقد أجمع المجمع الفقهي المنعقد (1410هـ) علي تحريمها.

هذا هو المعلن وما خفي من المعاملات الربوية أكثر وأعظم؛ حيث إن الشركة تستثمر بعض أموالها بإقراضها بفوائد ربوية وتقترض بفوائد ربوية، وأكرر بأن النظام الرأسمالي الربوي هو السائد في كل الشركات العالمية ومنها شركة أرامكو ولا يمكن أن تنفك عنه أبدا .

الوقفة الرابعة: السندات الربوية

من أجل هذه السندات المالية الربوية التي أصدرتها شركة أرامكو وتُصدرها بعض الشركات أفتى بعض العلماء بتحريم المساهمة في مثل هذه الشركات جملة وتفصيلا، وهو قول أكثر العلماء المعاصرين وأكثر المجامع الفقهية، ومنهم المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي وفتوى الفقه الإسلامي لمنظمة المؤتمر الإسلامي وفتوى اللجنة الدائمة في رئاسة الافتاء.

وبعض العلماء ـ وهم قِلة ـ أفتوا بجواز المساهمة مع التخلص من المال الحرام بعد استلام أرباح المساهمة ونسي هؤلاء ـ عفا الله عنهم ـ أن هذا التخلص يكون لمن دخل في مساهمة مع شركة لم يعلم بتلوثها بالربا؛ أما أن يعلم المساهِم ابتداء وقبل دخوله أن جزءا من أرباح هذه الشركة حرام ثم يُباح له الإقدام على المساهمة فلا أعلم أحدا من علماء السلف أفتى بذلك؛ إذ كيف يُقدم المسلم على معاملة ربوية أو ربح ربوي وهو يسمع قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وقوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «آكل الربا وموكله ……الحديث» (2رواه البخاري ومسلم).

وحتى لو لم يكن يعلم إلا بعد مساهمته فعليه التوبة بالإقلاع والخروج من هذه الشركة والتخلص من المال الحرام، ثم إن الربا عقد بين الآخذ والمعطي، وهما في حكم الشرع واحد؛ كما قال صلى الله عليه وسلم : «الآخذ والمعطي فيه سواء» (3رواه مسلم) و”التخلص” لا يخلص المعطي وإنما يخلص الاّخذ على قول من قال بالتخلص فإذا كان الآخذ سببا في ربا المعطي ولولاه لم يقع في الربا كان الآخذ شريكا للمعطي في الإثم؛ لأنه تسبب في وقوع المعطي في الربا، والله طيب لا يقبل إلا طيبا. ومال فيه ربا فهو خبيث، والعقد فيه باطل.

الوقفة الخامسة: معنى الاكتتاب

الاكتتاب الذي تطرحه الشركات للمساهمة يكون بصورتين:

الأولى: أن تطرح الشركة جزءا من رأس مالها على شكل أسهم تباع للمساهمين فيتملكونها، وعند توزيع الأرباح يأتي كل مساهم على قدر ما ساهم به، أو يبيع المساهم أسهمه أو بعضها عند ارتفاع سعرها لمساهم اّخر.. وهكذا. وهذا هو الذي تطرحه شركة أرامكو للإكتتاب اليوم.

الثاني: أن تحتاج الشركة لزيادة رأس مالها لحاجتها الى المال فتطرح أسهما يشتريه المساهمون كما في الحالة الأولى.

الوقفة السادسة: تقدير رأس المال

يقدر رأس مال شركة أرامكو (2 ترليون دولار) أي (2000 مليار دولار) كيف قدّر رأس مال الشركة..؟ ومَن الذي قدّره..؟ كل هذا يكتنفه الغموض.

ومما يعتريه الجهالة عدم علم المساهم بقيمة السهم بدقة؛ وبالتالي لا يدري كم عدد أسهمه التي ساهم بها. وهذا غرر وجهالة لايجوز في الشرع.

الوقفة السابعة: حرمة ضمان الربح

تضمن الشركة كما جاء في نشرتها ربح (5%) لمدة خمس سنوات. وهذا الضمان لا يجوز؛ لأن ضمان الربح ربا لأن البيع عرضة للربح والخسارة. ولا يكدّر على ذلك قولُهم إن هذه النسبة منحة من الشركة تحفيزا للناس على الاكتتاب فإنه لا يخفى ما في هذا من التحايل على الربا.

الوقفة الثامنة: فشل الاكتتاب الخارجي

لم يتم طرح الاكتتاب في الداخل إلا حينما فشلت الشركة في طرحه في الخارج للشركات والبورصات العالمية منذ سنتين. ومن أسباب إحجام الشركات العالمية عن الاكتتاب في الشركة هو غموض حساباتها والطريقة التي قُدّر بها رأس مالها ومطالبة الشركات العالمية بالشفافية في الاطلاع على حسابات الشركة، وكيف توزع أرباحها، وكمّ المبيعات الحقيقية لها. وهذا ما لم ـ ولن ـ توافق عليه الشركة؛ لأن في فتح ملفات الشركة بشفافية ستظهر الفضائح والفساد المالي ومعرفة رموز الفساد في الشركة.

الوقفة التاسعة: هدف طرح الاكتتاب

يرى بعض المراقبين أن الهدف هو سحب السيولة من الناس والشركات الداخلية لحاجة الصندوق السيادي للدولة الذي يموّل مشاريع رؤية (2030) الى هذه السيولة لدعم المشاريع المتوقفة كمشروع “نيوم” و”البحر الأحمر” و”القدية” وغيرها؛ كمشاريع الترفيه والفساد. ولا يخفى ما في المساهمة من التعاون على الإثم والعدوان.

الوقفة العاشرة

في النشرة التي أصدرتها أرامكو للاكتتاب غموض وتنصُّل مما قد تتعرض له الشركة من الخسائر؛ ولذلك حذرَت المساهمين من المخاطر التي تتعرض لها الشركة ليتهيؤا للخسائر المتوقعة ولا يفاجأوا بها. ومن المخاطر التي ذكرتها الشركة في نشرتها:

  1. التأثر بالعرض والطلب على النفط عالميا ـ والذي تحكمه تغيرات كثيرة.
  2. المنافسة الشديدة في السوق والذي تؤثر على سعر بيع النفط.
  3. التوترات الجيو سياسية في المنطقة وإمكانية التعرض لهجمات إرهابية.
  4. دعاوى قضائية عالمية قد ترفع على الشركة وتكسبها.
  5. حق الحكومة في تحديد سقف إنتاج النفط.
  6. مخاطر تتعلق بمكافحة التغير المناخي (كالاحتباس الحراري) وغيره.

خلاصة

نخلص مما سبق الى النتائج التالية:

  1. هناك غموض شديد في الشركة سواء في قيمتها الحقيقية أو معاملاتها الغير معلنة للناس وفسادِها.
  2. هناك تعامل واضح صريح بالربا سواء ما تطرحه من السندات الماليه أو غير ذلك مما لم يُعلَن.
  3. هناك “غرر” و”جهالة” في عدم معرفة قيمة السهم وعدد الأسهم حيث لم يأت تحديد ذلك إلا بعد استلام المساهمات من الناس فالمكسب يدخل على جهالة عند الاكتتاب حتى لو حددت القيمة التقريبية للسهم وأنها تتراوح بين كذا وكذا؛ فلا تزال الجهالة قائمة.
  4. هناك غموض في هدف طرح الاكتتاب، ولماذا الحاجة اليوم الى السيولة التي تُسحب من الناس..؟ وفيما ستنفق..؟
    وقد صرح أصحاب القرار في طرح الاكتتاب أنها لدعم مشاريع الرؤية (2030) ومنها مشاريع إفسادية؛ وعليه فإن المساهمة في هذا الاكتتاب نوع من الإعانة على الإثم والعدوان.
  5. الشركة تمثل رمزا كبيرا في الاقتصاد العالمي الرأسمالي والذي يقوم صلبه على الربا ولا ينفك عنه أبدا لأنه عموده الفقري.
  6. هناك مخاطر ومغامرة في هذه المساهمة لما قد تتعرض له الشركة من المخاطر  ـ أعلنَت عنها ـ قد يكون سببا في خسارة كثير من الناس أو إفلاسهم، وقد تنتهي الأمور في الاتجار بأسهمهم إلى كارثة مالية على الناس كما حصل في عام (1426).

والاّن نترك للقارئ المثقف الواعي الحكم بعد قراءته لهذه الورقة في معرفة الحكم الشرعي للاكتتاب؛ فإن لم يجدْ ما يقنعه في تحريمها فلا أقَلَّ أن تكون من الشبهات التي مَن تركها فقد استبرأ لدينه وعرضه.

والحمدلله رب العالمين.

……………………………………

المصدر:

  • كتبه نخبة من علماء الحرمين

التعليقات معطلة.