أمة التوحيد … عندما تخلت عن مسئولياتها


زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

لوجود الأمة الإسلامية دور تاريخي هائل في حياة البشر، وغيابها حدث تاريخي هائل أيضا. ثمة أسباب أدت للتراجع، وثمة ثمن فادح لهذا التراجع.

مقدمة

أخرج الله هذه الأمة ـ أمة التوحيد ـ لتحقق أهدافا معينة:

لتكون خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:110].

ولتكون رائدة ومرشدة وشاهدة على كل البشرية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة :143].

ولتحمل رسالة النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام إلى البشرية كافة، على مدى الزمن كله من بعثته عليه الصلاة والسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور على هدى الكتاب المنزل من عند الله

وكفل الله لهذه الأمة ـ حين تقوم برسالتها ـ الاستخلافَ والتمكين والتأمين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:55].

إنجاز الوعد تاريخيا

وتحقق ذلك كله في واقع الأرض عدة قرون، كانت فيها الأمة الإسلامية خير أمة على وجه الأرض في كل اتجاه: عقديا، وأخلاقيا، وفكريا، وعلميا، وسياسيا، وحربيا، واقتصاديا، وحضاريا.. وفي كل مجال من مجالات الحياة، في الوقت الذي كانت فيه أوربا غارقة في ظلمات ما يطلقون عليه هم: قرونهم الوسطى المظلمة..

تحقق للأمة السيادة والمنعة والقوة. وتحقق لها لأول مرة في التاريخ معنى “الأمة”، التي تجمع شعوبا مختلفة، وأجناسا مختلفة، ولغات مختلفة، يرتبطون كلهم برباط واحد هو “الإسلام”، وإنْ تباعدت المسافات بينهم، وإن اختلفت علاقات الحكام بعضهم ببعض، فرباط “الإسلام” الذي يوحّد قلوبهم ومشاعرهم أقوى في نفوسهم من كل ما يسبب الفرقة أو الخلاف. منه يتخذون عقيدتهم، ومنه يستمدون أنماط حياتهم وأخلاقياتهم وسلوكياتهم وتوجهاتهم العامة، وإنْ كان لكل شعب خصوصياته، ولكل فرد خصوصياته.

وتحقق لها الرخاء الاقتصادي الناشئ من سعي المسلمين في فجاج الأرض، ينشرون فيها النور، ويكشفون مجاهيلها، ويعمرونها.

وتحقق لها نشاط فكري وعقلي وعلمي غير مسبوق، يزخر به إنتاج تلك القرون ـ قرون التمكين ـ في اتجاهات متباينة: في الفقه والأصول، في التاريخ، في الطب والفلك والرياضيات، في الرحلات والكشوف الجغرافية، وفي كل منحىً من مناحي الحياة الموّارة الدفاقة، التوّاقة إلى المعرفة، التواقة إلى تحقيق الخلافة الراشدة في الأرض.

وتحقق لها وجود حضاري واسع، لا ينحصر في الإنتاج المادي والحضارة المادية، من إنشاء مدن وعمارة مبان وتوفير طرق، وفنون إدارة، إنما يحقق المعنى الجوهري للحضارة أي الارتقاء “بالإنسان” ليكون جديرا بالتكريم الرباني: الارتقاء به عقيدة، وأخلاقا، وسلوكا، وفكرا، ومعرفة، ينبع منها النشاط المادي، ولا تنحصر فيه.

سبق وتميز

كانت هذه الأمة أول أمة عرفت مجانية التعليم، ومجانية العلاج، وأوقفت على هذين الأمرين أوقافا طائلة لا تعتمد على سخاء الدولة أو تقتيرها، أو عنايتها أو إهمالها، بقدر ما تعتمد على دوافع الخير في النفوس، ودوافع البذل والعطاء.

وكانت أول أمة عرفت إنشاء بيوت لرعاية العجزة، ودور لإيواء الحيوانات الضالة لرعايتها وإطعامها..!

وكانت أول أمة ـ أو الأمة الوحيدة ـ التي تفي بعهودها مع الآخرين، وتلتزم بالمواثيق، ولا تبرمها في وقت الحاجة لتمزقها في أول فرصة مواتية!

وكانت أول أمة ـ أو الأمة الوحيدة ـ التي لا تضطهد المخالفين لها في العقيدة، بل ترعاهم، وتؤمّنهم على عقائدهم وعباداتهم وكل نشاطاتهم الاقتصادية والحياتية ما داموا غير محاربين ولا مجاهرين بالعداء!

باختصار.. كانت هي الأمة المتحضرة في الأرض.

انقلاب تاريخي هائل

كانت هي الأمة المتحضرة في الأرض؛ ولكن انقلابا هائلا حدث في التاريخ!

لم يحدث بطبيعة الحال بين يوم وليلة.. فلا شيء يحدث بين يوم وليلة إلا أقدار الله الخارقة! وحتى “الانقلابات العسكرية” التي سرت في عصر “التنوير!!” الذي نعيشه اليوم، لا تتم بين يوم وليلة، إنما تستغرق وقتا في التفكير، وفي التحضير، قبل أن يفاجأ بها الناس على ساحة الواقع.

إنما حدث الانقلاب خلال عدة قرون..

انحسار الدين في النفوس

تدريجيا.. انحسرت مساحة ” الدين ” في النفوس.

لقد نزل هذا الدين ليشمل الحياة كلها من كل جوانبها، لا ليحتل جانبا واحدا من جوانب الحياة، أيًّا كان حجمه وأهميته الذاتية: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ…﴾ [الأنعام :162 – 163].

فالإيمان بالله الواحد هو أهم ما في حياة الإنسان وأثمن ما في هذه الحياة. ولكنه إن استثمر في داخل الوجدان، ولم يبسط إشعاعه على مساحات الحياة المختلفة، فلن يكون هو “الدين” الذي أنزله الله، وأمر باتباعه، وعاقب على تركه، وأثاب على الإتيان به..!

إنما دين الله هو “ما وقر في القلب وصدّقه العمل”.

إن الله لم يطلب من الناس “فقط” أن يؤمنوا في أعماق وجدانهم بأنه سبحانه هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.. وإن كان هذا هو الأساس الذي ينبني عليه كل شيء.. إنما طلب سبحانه من الناس أن يسري التوحيد في كل جنبات حياتهم باتباع أوامره والانتهاء عن نواهيه والالتزام بما أنزل من تشريع وتوجيه.. وكل حيْد عن هذا السبيل أو مخالفة له هي نقص في الإيمان يؤثر في “الميزان” كما يؤثر في النتائج..! والإيمان ـ كما يقول علماؤنا ـ يزيد وينقص. يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.

وتختلف درجات النقص باختلاف نوع الحيْد ومقدار المخالفة، وإن كانت لا تنقض أصل الإيمان إلا إذا وقع من الإنسان عمل من الأعمال الناقضة المنصوص عليها في كتاب الله وسنة رسوله وأجمع عليها العلماء، كمن سب الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، أو سجد إلى صنم، أو أهان المصحف، أو شرّع بغير ما أنزل الله..

ويعمل هذا الدين في واقع الأرض ويؤتي ثماره الجنيّة بمقدار ما يلتزم به أهله ويتبعون ما جاء فيه. فإن لم يلتزموا، ولم يتبعوا، ينحسر “الدين” في نفوس الناس، وتنحسر ثماره في الأرض بمقدار ما حدث من الحيْد، ومقدار ما وقع من الانحراف.

تلك حقيقة الدين كما أنزلها الله، وكما علَّمها رسوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وكما فهمتها الأجيال الأولى من المسلمين.

الانحرافات الفكرية

لذلك كان (الفكر الإرجائي) الذي دخل في حياة المسلمين غريبا كل الغربة عن الإسلام الذي أنزله الله، ذلك الفكر الذي يُخرج العمل من مسمى الإيمان، بل من مقتضاه، والذي يقول: “من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن ولو لم يعمل عملا واحدا من أعمال الإسلام”.

نعم! كان هذا الفكر غريبا كل الغربة عن الإسلام، وكتاب الله المنزل يتكرر فيه مئات المرات قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.

وكذلك كان الفكر (الصوفي غريبا) عن الإسلام كما أنزله الله، ذلك الفكر الذي يحصر العبادة في الوجد الروحي والذكر، ويضخم الشيخ في حِس المريد حتى يصبح واسطة بينه وبين الله، بينما الإسلام ينفي كل وساطة بين العبد والرب، ويجعل العبادة شاملة لكل حياة الإنسان، ويجعل الجهاد ذروة سنام الأمر.

كذلك كان حصر الإسلام في (النطاق الفردي) وإسقاط التكاليف الجماعية والاجتماعية والسياسية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غريبا عن الإسلام كما أنزله الله، وقد فرض الله هذه التكاليف كلها كما فرض التكاليف الفردية وإن كان قد جعل بعضها فرض كفاية لا فرض عين، ولكن الأمة تأثم بمجموعها إن لم يقم فيها أحد بهذه التكاليف.

وكذلك كان (التواكل) وإهمال الأخذ بالأسباب بحجة “التوكل على الله” غريبا عن الإسلام كما أنزله الله، الذي أمر بالتوكل ولكنه أمر معه باتخاذ الأسباب: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران :159].

كذلك كان انفراج الطريق بين العمل للدنيا والعمل للآخرة غريبا عن الإسلام كما أنزله الله، والله يقول: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا..﴾ [القصص:77].

ولكن هذه الأمراض كلها وُجدت في الأمة ـ تدريجيا ـ ثم تزايد حجمها وأثرها كلما مر عليها الزمن دون علاج.

ولا نقول مع ذلك إن العلاج لم يوجد أبدا، فذلك ظلم للتاريخ، ولم يمر على المسلمين عصر خلا تماما من المصلحين. ولكن نقول إن حركات الإصلاح كانت أقل من المطلوب، في حين كانت الأمراض تتزايد على الدوام.

ثمن انحسار الإسلام

حين انحسر الإسلام في قلوب الناس ـ إلا من رحم ربك ـ انحسر إشعاعه في عالم الواقع.. فالإشعاع المنعكس على عالم الواقع إنما مصدره ذلك النور المنبعث من القلوب، وعلى قدر قوة ذلك النور أو ضعفه تكون الإضاءة أو يكون الظلام، حسب سنة الله التي لا تتخلف ولا تحابي ولا تجامل أحدا من الناس لدعوى يدعيها بلسانه ولا يعمل بها في عالم الواقع: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:123].

ومن ثَمَّ أخذت الأمة رويدا رويدا تدخل في الظلام: ظلام الجهل.. ظلام الضعف.. ظلام التخلف.. ظلام الفقر.. ظلام الجمود.. ظلام الانحسار.

ولم يكن ذلك بسبب “الدين” كما يزعم المطموسو البصيرة الذين أضاع الغزو الفكري ألبابهم، إنما كان ـ كما هو واضح ـ بسبب البعد التدريجي عن حقيقة الدين.

لو أن الأمة الإسلامية لم تقع في أمراضها التي سردنا جانبا منها فيما سبق، أو لو أن الأمة عالجت أمراضها أولاً بأول ولم تدَعْها تستفحل كما حدث بالفعل، فإن صورةً أخرى غير الواقع الحالي كانت قمينة أن تقع في الأرض بتقدير الله.

خاتمة

لقد كان غياب الأمة الإسلامية عن الساحة هو الكارثة الحقيقية التي أصابت البشرية، لأنه أخلى الساحة من النموذج الصحيح للحضارة الإنسانية، وأتاح للنموذج المنحرف أن ينفرد بالساحة، وأن يفتن الناس عن ربهم وآخرتهم ودينهم وأخلاقهم.. وإنسانيتهم!

ولقد كانت حكمة الله من إخراج هذه الأمة أن ترشد الناس.. كل الناس.. إلى النموذج الصحيح.

وحين قامت برسالتها على الوجه الصحيح أخرجت كثيرا من الناس من الظلمات إلى النور، سواء من آمن بالإسلام والتزم به، أو اقتبس من نوره دون أن يؤمن به كما فعلت أوربا في مَخْرَجها من قرونها الوسطى المظلمة.

ولكنها حين تقاعست عن أداء رسالتها، بسبب ما أصابها من أمراض في مسيرتها، فقد أتاحت الفرصة للطاغوت أن يبسط نفوذه على البشر، ويخرجهم من النور إلى الظلمات.

…………………………………………

المصدر:

  • كتاب المسلمون والعولمة، ص8-18 بتصرف يسير.

اقرأ أيضا:

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments