كما يمنع الشرع من التكاثر في المباحات على سبيل المباهاة؛ فالتكاثر بالمحرمات أشد فحشا، إذ يتفاخر العباد في مجاهرة جريئة على ربهم تعالى بعصيانه وتعدي حرماته.

مقدمة

تناولت هذه المقالات بعض الأنواع والمجالات التي يتكاثر فيها الناس ولا سيما في زماننا اليوم ..

فتناول المقال الأول التكاثر المذموم في المال، وفي الأولاد والأنساب، وفي الجاه والرياسات، ثم في الأتباع والشيوخ.

وتناول المقال الثاني التكاثر المذموم في العلم والكتب وطلب الغرائب وكثرة التفريعات للمباهاة..

وتناول المقال الثالث التكاثر المذموم في المأكولات والمشروبات وفي اللباس والزينة والرياش، وفي الأجهزة العصرية ولعب الأطفال وفي الأسفار والترحال.

ويتناول هذا المقال ـ خاتمة هذه السلسلة ـ ببيان التكاثر المذموم في الكلام والمحاضرات والمقابلات الإعلامية، والتكاثر بالجهاد والغزو على سبيل المباهاة ـ رغم أنه من أعمال الآخرة ـ والتكاثر الأرذل والأشد ذما ـ في عمل المفاسد والمحرمات..

حادي عشر:

التكاثر في الكلام والخطب والمحاضرات والمقابلات الإعلامية

دعوة الناس إلى الله عز وجل بالخطبة والمحاضرة والمواعظ والدروس، أمر يتراوح بين الواجب والمستحب، وهو أمر محبوب إلى الله عز وجل..

ولكن ينبغي الحذر من أن يتحول الأمر من كونه دعوة ونصح للناس إلى أن يمازجه شعور المتكاثر بالتباهي بكثرة الكلام، والتفاصح فيه، وتكراره..

أو بالتباهي بكثرة الظهور في وسائل الإعلام المقروءة أو المسموعة أو في شاشات القنوات. وحرص المكاثرين في ذلك في أن يكون أحدهم أكثر حضورا من غيره في مثل هذه الوسائل الإعلامية.

وقد يصل الحال لبعض هؤلاء المتكاثرين إلى أن يخرج في وسائل إعلامية خبيثة تسعى لنشر الرذيلة والصد عن سبيل الله عز وجل، وقد يتنازل هذا المكاثر عن أمور شرعية ليخرج في هذه القناة أو تلك.

ومما له علاقة بهذا النوع من التكاثر.. تكاثر بعض الدعاة بما يكون له من المتابِعين والمشاهدين له من الألوف المؤلفة أو الملايين “الممليَنة”، وأن يكون له اسم لامع عندهم.

وعلى كل حال فأمر القلوب علمها عند علام الغيوب «إنما الأعمال بالنيات»، وليس المقصود هنا أن تتهم أحدا في نيته؛ وإنما المقصود الحذر من هذا النوع من التكاثر، الذي قد يدخل منه الشيطان ليفسد الأعمال والقلوب.

ثاني عشر:

التكاثر بالجهاد والغزو والابتلاء في سبيل الله عز وجل

الجهاد في سبل الله عز وجل من أفضل الأعمال والعبادات عند الله عز وجل..

وليس المقام مقام التدليل على ذلك؛ وإنما المقصود هنا الحرص على النية في هذه العبادة العظيمة بأن تكون خالصة لله عز وجل وعلى منهاج النبوة.

ومن علامات الإخلاص في ذلك الحرص على إخفائه وعدم ذكره للناس إلا لمصلحة راجحة، وأما التكاثر فيه وترداد ذِكره وذكر الأماكن والثغور التى تقلب فيها المجاهد، فيُخشى على صاحبه من الرياء والمباهاة بذلك..

وقد كان هذا هو دأب سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى؛ فلم يكونوا يتحدثون عن جهادهم، ولا عما واجهوه من الزلازل والابتلاءات فيه، إلا لمصلحة راجحة في ذلك.

عن أبي هريرة رض الله عنه قال: بينما نحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا شاب من الثنية؛ فلما رأيناه بأبصارنا قلنا له: لو أن هذا الشاب جعل شبابه ونشاطه وقوته في سبيل الله عز وجل.

قال: فسمع مقالتَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال:

«وما سبيل الله إلا من قتل؟ من سعى على والديه ففي سبيل الله، ومن سعى على عياله ففي سبيل الله، ومن سعى على نفسه ليعفّها ففي سبيل الله، ومن سعى على التكاثر فهو في سبيل الشيطان». (1شعب الإيمان للبيهقي (9892)، مصنف عبد الرزاق (9578))

وعن عبدالله عن عمرو قال: يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا عبدالله بن عمرو إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا، وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا». (2أبو داود (2521) وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (434))

قال في عون المعبود:

قال الطيبي: التكاثر أي التباري في الكثرة والتباهي بها. وقال ابن الملك: قوله مكاثرا أي مفاخرا. وقيل: هو أن يقول الرجل لغيره: أنا أكثر منك مالا وعددا، أي غزوت ليقال: إنك أكثر جيشا وأشجع، ان ينادى عليك يوم القيامة إن هذا غزا فخرا ورياء لا محتسبا. (3عون المعبود 7/ 139)

مثال من الأولين:

قال ابن قتيبة في عيون الأخبار:

“حاصر مَسلمة حصنا، فندب الناس إلى نقب منه، فما دخله أحد، فجاء رجل من عرَض الجيش فدخله، ففتحه الله عليهم.

فنادى مسلمة: أين صاحب النقب؟ فما جاءه أحد.

فنادى: إني قد أمرت الآذن بإدخاله ساعة يأتي، فعزمت عليه إلا جاء!

فجاء رجل فقال: استأذن لي على الأمير. فقال له: أنت صاحب النقب؟ قال: أنا أخبركم عنه.

فأتى مَسلمة فأخبره عنه، فأذن له.

فقال: إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثاً: ألا تُسَوِّدُوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة، ولا تأمروا له بشيء، ولا تسألوه: ممن هو؟

قال مَسلمة: فذاك له، قال: أنا هو.

فكان مسلمة لا يصلي بعدها إلا قال: اللهم اجعلني مع صاحب النقب (4عيون الأخبار 266)

وذكر ابن الجوزي في صفة الصفوة:

“أن ابن المبارك رحمه الله تعالى كان يضع اللثام على وجهه عند القتال لئلا يعرف.

وقال أحمد: «ما رفع الله ابن المبارك إلا بخبيئة كانت له»”. (5صفة الصفوة 4/ 115)

ثالث عشر: أرذل أنواع التكاثر

التكاثر في فعل المحرم واقتراف الظلم ونشر الفساد

وهذا والعياذ بالله أسوأ أنواع التكاثر وأخطرها وأرذلها، فإذا كان التكاثر محرَّما وممقوتا عند الله عز وجل في الأمور المباحة فكيف بالتكاثر والتباهي بفعل المحرمات ونشر الفساد؟ إنه أشد جرما وإثما وخطرا.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«كل أمتي معافَى إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملا ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول: يا فلان قد عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه..». (6البخاري (6069)، (مسلم (2990))

وقد يقول قائل: وهل أحد يكاثر ويباهي بمعاصيه وظلمه وإفساده؟

والجواب: نعم، ولا سيما في واقعنا المعاصر وما ظهر فيه من وسائل الفساد وسهولة الوصول إلى المحرم وكثرة المظالم، حيث صادف هذا نفاقا في القلب، أو ضعفا في الإيمان، وقلةَ خوف من الله عز وجل، ونسياناً للآخرة والحساب، وركونا إلى الدنيا وزينتها الفانية..

فنجم عن ذلك من يجاهر ويكاثر بمعاصيه، دون أدنى حياء من الناس، والعياذ بالله عز وجل من ذلك.

من أمثلة التكاثر في المحرمات:

1- في فعل الفاحشة والمال الحرام

التكاثر بفعل الحرام من فعل الفاحشة أو أكل الربا أو الرشوة والمال الحرام..

حيث تجد هذا المكاثر بدلا من أن يستتر بمعصيته أو يتوب منها، تراه يجاهر بها، ويكاثر فيها، ويرى أن ذلك حنكة وذكاء وشجاعة!!!

2- في الأسفار المحرمة

التكاثر في الأسفار المحرمة إلى ديار الكفر والعهر والفساد؛ فتراه يعدد أسفاره ومغامراته، بل قد يأتي بالصور الفاضحة ليكاثر بها ويفاخر بها عند أصدقائه ومعارفه، والعياذ بالله تعالى.

3- في ظلم العباد

التكاثر بظلم العباد في أعراضهم وأموالهم وأنفسهم، ويَعدّ هذا المكاثر صنيعه هذا حزما وشجاعة..

فكم رأينا من يأكل أموال الناس بالباطل ويكاثر بذلك، ولا سيما أموال الأجراء والعمال والأيتام والوصايا.

وكم رأينا من يكاثر بوظائفه التي يأخذ عليها أجرا دون أن يقدم مقابل ذلك عملا أو حضورا لمقر العمل..

وكم رأينا من يكاثر بانتداباته خارج مقر عمله دون أن يسافر أو يذهب للمكان المنتدب إليه، ولا يحرك ذلك ساكنا في قلبه.

4- في ظلم الدعاة والمجاهدين

التكاثر بظلم الدعاة والمجاهدين، والتباهي بالوشاية بهم إلى الظلمة، الذين يتكاثرون بسجونهم وما فيها من ألوان الأذى والتعذيب النفسي والجسدي.

5- في نشر الرذيلة

تكاثر وسائل الإعلام المقروء منها والمشاهد والمسموع في نشر الرذيلة، والتسابق بين القنوات في نشر الفساد والصد عن سبيل الله عز وجل، والوقوف في وجه المصلحين والدعاة والمجاهدين، والتكاثر في الثلب منهم، واستعداء الظلمة عليهم، والتنافس في بث الشبهات والشهوات في صفوف الأمة.

أما حين نتجاوز المسلمين إلى أعدائهم الكفرة؛ فإنا نجد تنافسهم وتكاثرهم في إنتاج أسلحة الدمار الشامل، والتكاثر بضرب المسلمين بحجة ضرب الإرهاب ونشر السلام ـ زعموا..

ويتصل بهذا نوع آخر من التكاثر؛ ألا وهو التكاثر والتباهي بالنفاق السياسي، وخداع الناس، والتلبيس عليهم..

ويشترك معهم في هذا النوع من النفاق منافقوا زماننا من أفراد وطوائف.. (7انظر كتاب “هم العدو فاحذرهم” للمؤلف)

خاتمة

إذا طلب العبد الآخرة علم بسهولة ويسر ما يكون التكاثر فيه خير، وبالتنافس المخلص لله تعالى في الطاعات؛ كما كان بين الأوس والخزرج، وبين أصحاب رسول الله.. وبين التكاثر مباهاة وطلبا للدنيا بالدين، أو التجرّي على الله بكثرة عصيانه ومسابقة الغير في المعصية. عياذا بالله.

وما من خير ينعم الله تعالى به على العبد مثل أن يوقن بالآخرة ويعمل لها ويضبط عمله طلبا لها. والسعيد من وفقه الله تعالى.

……………………………………………………………….

هوامش:

  1. شعب الإيمان للبيهقي (9892)، مصنف عبد الرزاق (9578).
  2. أبو داود (2521) وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (434).
  3. عون المعبود 7/ 139.
  4. عيون الأخبار 266.
  5. صفة الصفوة 4/ 115.
  6. البخاري (6069)، (مسلم (2990).
  7. انظر كتاب “هم العدو فاحذرهم” للمؤلف.

لتحميل البحث كاملا على الرابط التالي:

لقراءة بقية السلسلة:

  1. المقال الأول
  2. المقال الثاني
  3. المقال الثالث

اقرأ ايضا:

  1. فوائد مستنبطة من سورة التكاثر

التعليقات غير متاحة