”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

آياتٌ أََنسى الوعاظ معناها

تفسير الآيات بالمطابقة هو أصل العلم، ويليه التفسير باللزوم وهو من سعة العلم والنظر. أما أن يُنسَى المعنى المطابق المقصود فهذا يُنسِي أصولا كبارا.

مقدمة

ثمة قاعدة مهمة في فهم كتاب الله تعالى؛ إذ في تفسير آيات كثيرة يكون هناك تفسير للمعنى بالمطابقة، وهناك تفسير باللزوم؛ حيث تستفاد دلالات الألفاظ والمراد منها بطرق ثلاثة:

1) طريق المطابقة، وهو دلالة اللفظ على معناه الحقيقي أو المجازي، كدلالة لفظ (الإنسان) على (الحيوان الناطق).

2) وطريق التضمين، وهو دلالة اللفظ على بعض معناه الحقيقي أو المجازي، كدلالة لفظ (الإنسان) على (الحيوان) فقط، أو على (الناطق).

3) والطريق الثالث هو طريق الالتزام.

ولوازم الآية قد يكون لازما واحدا أو أكثر، بل قد يصل الى مائة لازم بحسب علم الناظر في كتاب الله سبحانه.

ولكن قد يقع أحيانا أن يكثر ذكر تفسير لازم الآية ولا يُذكر معناها المطابق حتى يُنسَى؛ يقول الإمام ابن القيم رحمه الله منبها على هذا المعنى وهو يذكر تفسير بعض الآيات:

” وهذا المعنى حق، والأول هو مراد الآية، وهذا من لوازم المراد، وقد تقدم أن السلف كثيرا ما ينبهون على لازم معنى الآية فيظن الظان أن ذلك هو المراد منها” (1إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 129))

ولهذا ننبه هنا على بعض الآيات كثر استعمال الوعاظ للازم المعنى حتى تأخر المعنى المطابق مع أهمية دلالته.

فالكثير من الخطأ يأتي من عدم فهْم القاعدة العظيمة في التفسير وهي الفرق بين التفسير بالمطابقة والتفسير باللزوم؛ فلا بد من معرفة المعنى المطابق للآية وهو المعنى الذي أُنزلت فيه والمقصود منها أصالة، والمعنى اللازم لها، بحسب علم الناظر في كتاب الله تعالى.

التوحيد قبل استحضار النيات

فمن هذا آية الأنعام ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(الأنعام:162-163).

فكثر كلام الدعاة في شرحها للاستدلال على استحضار النيات في المباحات، وهو استدلال صحيح وجائز ولكنه ليس تفسير الآية، ولا معناها بالمطابقة، بل هو من لوازم الآية وإشاراتها التي تدل عليها..

أما تفسيرها بالمطابقة فهو بيان أركان ومفردات توحيد العبادة، وأنه حق خالص لله، وبيان أن هذا هو الإسلام العام، إسلام النبيين، يعني التوحيد الصحيح والدين المقبول عند الله ولهذا قال ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ لأنه حق خالص لله، و﴿بذلك أُمرت وأنا أول المسلمين﴾؛ يعني هذا هو الإسلام والدين المقبول الذي جاء به جميع النبيين، وعليه محمد صلى الله عليه وسلم وأمته..

وبقي أن نبحث في هذه الحقوق الخالصة؛ بإفراد الله تعالى بالطاعة في التشريع، وبالحب (الولاء)، وبالنسك (التعبد بمعناه الخاص).

1) فأما الصلاة والنسك فهما من مفردات العبادات: الصلاة والذبح، وهما مذكوران في الكوثر ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، ويكون قد ذكر تعالى هنا كـ “مفردين” من “مفردات” العبادة؛ وهما الصلاة والذبح؛ للدلالة على جنس العبادة كلها، ويكون هذا من باب التمثيل للعام ببعض أفراده.

وبعض أهل العلم من المفسرين يجعلون النسك هو العبادة نفسها، ويفسرون النسك بأنه “غاية العبادة” وهنا يكون ذكر النسك بعد الصلاة من باب عطف العام على الخاص.

2) وأما المحيا والممات فالمقصود بهما قبول الشرائع المنظمة لحياة المسلم حتى الممات، وهي الشرائع المتعبَد بها؛ بالاستسلام لله بقبولها والدينونة لله تعالى بها. وهي تشمل الحياة حتى الممات، وهي تشمل العادات والمعاملات، في النطاق الفردي والجماعي، والخاص والعام، وفي جميع مناحي الحياة للمسلم، وفي جميع مناحي الحياة للمجتمع والدولة.

هذا هو المعنى الذي دلت عليه الآية والمقصود منها بالمطابقة.. وهو المعنى الأعظم والنفيس وعليه مدار السعادة لمن قبِله، والشقاوة لمن حُرم منه وخالفه.

وأما ما يلزم عنها من المعاني المليحة كاستحضار النيات في المباحات، فهو معنى حسن، لكن يجب أن يُذكر تاليا للأصل، أو لو ذُكر فلا يطغى على الأصل؛ فقد صار كثير من الدعاة ـ المعاصرين  خاصة ـ يذكرون المعنى اللازم وكأنه الأصل وينسون المعنى المطابق للآية حتى جهله الناس بفعل التكرار وأخشى أن ينكروه بعد ذلك..!

ترك الشرك الأعظم وقبول الشرائع

وبنفس قاعدة المطابقة واللزوم ونسيان المعنى المطابق للآية.. آية الكهف ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(الكهف: 110).

فكلمة الفضيل بن عياض رحمه الله ورضي عنه أنه «أخلصه وأصوبه»، وفسر الصواب بالسنة وفسر الإخلاص بترك الرياء، فهذا أيضا معنى لازم للآية ، وهو لازم قريب ومباشر ولا بد منه لصحة العمل؛ لكن الآية تُتلى وتُفسَر قبل ولادة الفضيل بن عياض، والمعنى معروف عند السلف، والآية مكية، وهي خطاب للمشركين.

ولهذا فالمعنى المطابق للآية هو ترك الشرك الأكبر في العبادة، بترك عبادة الأوثان وترك رد الشرائع، وهذا بعبادة الله تعالى وحده، وقبول شريعة الرسول المرسَل إليهم؛ فالعمل الصالح هو العمل المشروع وهذا يستلزم قبول الرسالة، وهذا معنى قبول الشرائع.

هذا هو معنى الآية بـ “المطابقة” وهو معنى شارح للتوحيد، وهو في غاية الأهمية للبيان للأمة وشرحه لها وبيان سبيل النجاة لهم.. لأن افتقاد شَرطَي الآية يعني حبوط العمل جملة، وكون العبد خارج زمرة التوحيد وأهل النجاة؛  فالآية تتحدث عن شرط قبول “العمل جملة”.. وهو المعنى الأعظم والأصل الكبير وعمدة النجاة وزبدة الرسالة وقطب رحاها.

وأما صحة العمل “المعيَّن” فالكلام فيه هو ما قاله الفضيل؛ إذ هو معنى لازم لصحة العمل المعين بترك الرياء فيه وترك الابتداع.. لأنه لو راءى في هذا العمل فقد لا يكون مرائيا في غيره، ولو اشتمل على بدعة معينة فقد لا يتلبس بها في بقية الأعمال.. وعلى هذا فافتقاد ما قاله الفضيل يحبط العمل المعيَّن الذي تلبس برياء أو يحبط العمل المتلبس ببدعة، ولكن لا يلزم عن هذا حبوط جميع الأعمال ورد جميعها، فهنا كلامه رضي الله عنه في العمل المعيَّن.

وأما الآية فهي تتحدث عن الشرط الأصل لجميع الأعمال، وهو المعنى الأعظم الذي جاءت فيه الآية بوجوب التوحيد بإفراد الله بالعبادة، ووجوب قبول الشرائع الناسخة الخاتمة.

فأما أن يعلَّم الناس الإخلاص والصواب في العمل المعين، بمعنى ترك الرياء وترك البدعة المعينة، مع نسيان الأصل العظيم وهو إفراده تعالى بالعبادة وقبول الشريعة الخاتمة والناسخة بحيث يُنسى هذا المعنى الجليل، مع أن افتقاده مدار اضطراب حياتنا؛ فهذا خطأ إذ يجب إعطاء المعاني حقها تبعا لأهميتها، وترتيب المعنى اللازم تبعا للمعنى المطابق.

والأمة اليوم يجب أن توعظ بترك الشرك الأعظم لِما استجدّ من مظاهره، وتوعظ بقبول الشرائع الناسخة بسبب استجد من تبديل الشرائع وسيطرة العلمانية.. ثم توعظ ثانيا بالنصيحة الخاصة في صحة العمل المعيَّن ألا يداخله رياء أو بدعة معينة.

أما الوقوع في الشرك الأعظم، وسيطرة العلمانية وسيادة تبديل الشرائع على المسلمين ثم لا يخاطَب الناس فيه، وإنما يخاطَبون في ترك الرياء وترك البدع في عمل معيَّن ثم يظن الواعظ أو الداعية أنه استوفى بلاغ ما أمر الله، فهو واهِم، والفساد ينتشر تحت هذا الظاهر، وتحصل النتيجة بتراجع المسلمين وسقوطهم في المهلكات الكبرى بردّ الشرائع وفخاخ الشرك الأكبر بانحرافات الصوفية المنحرفة، مع استمرار الدعاة في كلامهم في لازم بعض الآيات تاركين ما أُنزلت فيه رأسا من المعنى المطابق. فهذا أمر مخوف.

العبادة هي التوحيد، والتوحيد قبل الدخول في العمل

ومن هذا الباب أن العبادة في كتاب الله تعالى المقصود بها عند أمر الله تعالى الناس بها هي التوحيد، ليس الامتثال فقط بل قبْل الامتثال: الإفراد والإخلاص؛ فلو امتثل العبد بعض أوامر الله؛ ولكنه يؤدي إليه وإلى غيره، لم يكن ما أداه لله تعالى مقبولا، بل كان حابطا، وفيهم نزل قوله تعالى ﴿لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ(إبراهيم:18) ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا(الفرقان:23)، وغيرها، وهي الأعمال التي قصدوا بها القربات لكنهم لما عملوها وهم مشركون لم تنفعهم.

ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما (كل عبادة في القرآن فهي توحيد). ومن هنا قال علماء نجد رحمهم الله وجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، أن العبادة مع الشرك كـ (لا عبادة)، فكأنها لم تقع، فمن عبد الله وهو مشرك فإنه لم يعبده.

وسمى العلماء سورتي الصمد والكافرون بـ “سوتي الإخلاص”.

والمقصود بسورة الصمد إفراد الله تعالى في العلم والصفات والاعتقاد، والمقصود بسورة الكافرون إفراد الله تعالى بالتوجه والعبادة: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ثم نفي عنهم أنهم يعبدون الله ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، وكررهما للتوكيد القاطع، وهذه نقطة عظيمة المعنى ويجب إدراكها وهي أن الله تعالى نفى عن الكافرين عبادتهم لله وهذا لأنهم زعموا أنهم يعبدون الله وانتسبوا الى ذلك، وذلك أنهم كانوا يعبدون الله ضِمن معبوداتهم لكنهم رفضوا قصر العبادة علىه وحده ولهذا قالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾؟!.. (ص:5)

ولذا عندما يأمر تعالى الناس بعبادته فإنه يأمرهم بإفراده بها، وذلك بإفراده بالتوجه اليه بحقوقه الخالصة من التعظيم  (النسك) والطاعة (قبول التشريع) والمحبة، ويعمها اسم العبادة.. ثم يأتي الامتثال والعمل بتنفيذ الأوامر لازما لهذا المعنى..

المخالفة في الأولى مخالفة للإخلاص فهو الشرك، والمخالفة في المعنى الثاني اللازم هو تقصير ومعصية.

المعنى الأول هو أصل الدين وأصل الإيمان والإسلام، والمعنى الثاني هو الإيمان الواجب المستلزم لمدح صاحبه ولو استوفاه كان من أصحاب الجنة بلا سابقة عذاب.

فمن نفى المعنى الأول وأثبت الثاني فهو الجهل بدين الله، أو اللؤم المقصود به نفي توحيد العبادة وفتح المجال لعبادة غيره تعالى، ولقبول الشرائع من غيره واستقرار العلمانية ورد أمر الله عليه وتبديل أحكامه سبحانه.

خاتمة

على النسق السابق بيانه ينبغي بيان الآيات وتفسير معناها وتربية الأمة عليه؛ حيث أنه لعظمة وأهمية وأولوية المعنى المطابق نزل القرآن به كمقصود بالاعتبار الأول. والله تعالى الهادي الى صراط مستقيم.

…………………………………..

هوامش:

  1. إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 129).

اقرأ أيضا:

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد