يا معشر القراء استقيموا

زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

الاستقامة هي الثبات على الدين القيم من غير ميل عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك: فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها الظاهرة والباطئة. وهي الوسط بين الإفراط والتفريط.

الأمر بالاستقامة في الكتاب والسنة

قال الله تعالى – آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم-: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) [هود:112-113].

وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) [فصلت:30-31].

وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك؟ قال: «قل آمنت بالله فاستقم»(1).

أهمية الاستقامة والحض عليها

قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله -: (… ولعل من قال: إن المراد الاستقامة على التوحيد. إنما أراد التوحيد الكامل الذي يحرم صاحبه على النار، وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله؛ فإن الإله هو المعبود الذي يطاع فلا يعصى خشية وإجلالا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلا ودعاء.

والمعاصي قادحة كلها في هذا التوحيد لأنها إجابة لداعي الهوى وهو الشيطان؛ قال الله عز وجل: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) قال الحسن – وغيره-: هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه.

هذا ينافي الاستقامة على التوحيد.

وأما على رواية من روى: «قل آمنت بالله». فالمعنى أظهر؛ لأن الإيمان يدخل فيه الأعمال الصالحة عند السلف ومن تابعهم من أهل الحديث) ..(2).

وقال شيخ الإسلام -رحمه الله -: (فإن الذنوب كلها من شعب الشرك)(3).

وقال ابن القيم – رحمه الله -: (كذلك الكفر ذو أصل وشعب. فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر، والحياء شعبة من الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، والصدق شعبة من شعب الإيمان والكذب شعبة من شعب الكفر، والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان، وتركها من شعب الكفر، والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.

وشعب الإيمان قسمان: قولية وفعلية .

وكذلك شعب الكفر نوعان: قولية وفعلية، ومن شعب الإيمان القولية شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية. فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارا وهي شعبة من شعب الكفر فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه)(4).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن معاذ بن جبل أراد سفرا، فقال: يا رسول الله أوصني. قال: «اعبد الله، ولا تشرك به شيئا». قال: يا رسول الله زدني. قال: «إذا أسأت فأحسن». قال: يا رسول الله زدني، قال: «استقم ولتحسن خلقك»(5).

ولأهمية الاستقامة وخطورة شأنها أمر بها الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم ومن معه ؛ قال العلامة السعدي: (…أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين أن يستقيموا كما أمروا فيسلكوا ما شرعه الله من الشرائع، ويعتقدوا ما أخبر الله به من العقائد الصحيحة، ولا يزيغوا عن ذلك يمنة ولا يسرة، ويدوموا على ذلك، ولا يطغوا بأن يتجاوزوا ما حده الله لهم من الاستقامة)(6).

ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها أمته – كما تقدم -، وأمر بها الصحابة رضي الله عنهم من بعدهم من حملة الشريعة؛ فعن حذيفة رضي الله عنه قال: “يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا فإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضل ضلالا بعيدا”(7).

والمقصود بالقراء هم العلماء والمشتغلون بالعلم؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله -: قوله: (“يا معشر القراء” بضم القاف وتشديد الراء مهموز جمع قارئ، والمراد بهم: العلماء بالقرآن والسنة العُباد) (8)…

حقيقة الاستقامة

وقال -أيضا-: قوله: (“استقيموا” أي: اسلكوا طريق الاستقامة وهي كناية عن التمسك بأمر الله تعالی فعلا وتركا..(9).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استقيموا، ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن»)(10).

وقال القاضي البيضاوي -رحمه الله -: (المراد ب”الاستقامة”: اتباع الحق والقيام بالعدل وملازمة المنهج المستقيم، وذلك خطب عظيم لا يتصدى لإحصائه إلا من استضاء قلبه بالأنوار القدسية، وتخلص عن الظلمات الإنسية، وأيده الله من عنده، وأسلم شيطانه بيده وقليل ما هم، فأخبرهم بعد الأمر بذلك: أنكم لا تقدرون على إيفاء حقه والبلوغ إلى غايته، کیلا تغفلوا عنه، ولا تتكلوا على ما تأتون به، ولا تيأسوا من رحمة الله، فيما تذرون عجزا وقصورا ، لا تقصيرا).(11)

وقال المناوي – رحمه الله -: («استقيموا» أي: الزموا الاستقامة والزموا المنهج المستقيم بالمحافظة على إيفاء حقوق الحق ورعاية حدوده والرضى بالقضاء «ولن تحصوا» ثواب الاستقامة (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) ، أو لن تطيقوا أن تستقيموا حق الاستقامة لعسرها، أو لن تطيقوها بقوتكم وحولكم وإن بذلتم جهدكم بل بالله، أو استقيموا على الطريق الحسنى وسددوا وقاربوا فإنكم لن تطيقوا الإحاطة في الأعمال ولابد للمخلوق من تقصير وملال وكأن القصد به تنبيه المكلف على رؤية التقصير وتحريضه على الجد لئلا يتكل على عمله).(12)..

الاستقامة هل هي أمر بما لا يطاق؟

ويستفاد من ذلك: أن الإحاطة في الأعمال خارجة عن طاقة العبد، فالمأمور به هو بذل الجهد قدر الاستطاعة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلقن أمته: «فيما استطعت» عند بيعته؛ فعن جرير بن عبد الله قال: “بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فلقنني فيما استطعت والنصح لكل مسلم”(13).

وعن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعود بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». قال: «ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة»(14).

بقاء الدين باستقامة أئمته

وأخبر صديق هذه الأمة أن بقاء الدين باستقامة أئمته؛ وهم العلماء والأمراء؛ فعن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تكلم فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا:

حجت مصمتة. قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. فتكلمت، فقال: من أنت؟ قال: أمرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش، قال: من أي قريش أنت؟ قال: لسئول، أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأثر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: “بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم”. قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رءوس وأشراف، يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى، قال: فهم أولئك على الناس(15).

التحذير من تقصير العلماء

ونختم بما قاله البشير الإبراهيمي – رحمه الله – مما قصر فيه متأخرو العلماء؛ قال: إن علماء القرون المتأخرة ركبتهم عادة من الزهو الكاذب والدعوى الفارغة؛ فجرتهم إلى آداب خصوصية، منها:

أنهم يلزمون بيوتهم أو مساجدهم كما يلزم التاجر متجره، وينتظرون أن يأتيهم الناس فيعلموهم، فإذا لم يأتهم أحد تسخطوا على الزمان وعلى الناس.

ويتوكؤون في ذلك على كلمة إن صدقت في زمان فإنها لا تصدق في كل زمان وهي: “إن العلم يؤتی ولا يأتي”.

وإنما تصدى هذه الكلمة في علم غير علم الدين، وإنما تصدق بالنسبة إليه في جبل عرف قيمة العلم فهو يسعى إليه، أما في زمننا وما قبله بقرون فإن التعليم والإرشاد والتذكير أصبحت بابا من أبواب الجهاد، والجهاد لا يكون في البيوت وزوايا المساجد، وإنما يكون في الميادين حيث يلتقي العدو بالعدو كفاحا.

وقد قال لي بعض هؤلاء – وأنا أحاوره في هذا النوع من الجهاد، وأعتب عليه تقصيره فيه -: إن هذه الكلمة قالها مالك للرشيد.

فقلت له: إن هذا قياس مع الفارق في الزمان والعالم والمتعلم، أما زمانك هذا فإن هذه الخلة منك ومن مشايخك ومشايخهم أدت بالإسلام إلى الضياع وبالمسلمين إلى الهلاك.

فالشبهات التي ترد على العوام لا تجد من يطردها عن عقولهم ما دام القسيسون والأحبار أقرب إليهم منكم، وأكثر اختلاطا بهم منكم، والأقاليم الإفرنجية تغزو كل يوم أبنائي وأبناءك بفتنة لا يبقى معها إيمان ولا إصلاح.

ففي هذا الزمن يجب علي وعليك، وعلى أفراد هذا الصنف أن نتجند لدفع العوادي عن الإسلام والمسلمين، حتى يأتينا الناس، فإنهم لا يأتوننا وقد انصرفوا عنا وليسوا پراجعين.

وإذا كان المرابطون في الثعور يقفون أنفسهم لصيد الجنود العدوة المغيرة على الأوطان الإسلامية، فإن وظيفة العلماء المسلمين أن يقفوا أنفسهم لصد المعاني العدوة المغيرة على الإسلام وعقائده وأحكامه، وهي أفتك من الجنود؛ لأنها خفية المشارب، غزارة الظواهر، سهله المداخل إلى النفوس، تأتي في صورة الضيف فلا تلبث أن تطرد رب الدار.

فقد علماء الدين مركزهم يوم أضاعوا الفضائل التي هي سلاح العالم الديني، وأمهاتها :

الشجاعة

والقناعة

والعفة

والصبر..

وإن تجردهم من هذه الفضائل ليرجع في مبدإ أمره إلى خدعة من أمراء السوء المتسلطين..(16).

ثم أفاض في بيان حول أمراء السوء لإفساد العلماء، وإن مثل هذا اليثير العجب؛ فإن من يلتزم بما تعلم فإنه يجانب سلاطين السوء أصلا..

ولهذا حديث أخر..

أعاننا الله تعالى وعلماء الملة على القيام بما أوجب علينا من الاستقامة..

الهوامش

(1) [رواه مسلم (۳۸)].

(2) [جامع العلوم والحكم ص(۲۰)].

(3) (مجموع الفتاوی) 11/697.

(4) (الصلاة وأحكام تاركها (56/۱).

(5) أخرجه الطبراني في الأوسط (۸۷۹۷)، والحاكم (54/1) وفي إسناده ضعف لكنه يتقوى بشواهده).

(6) لتيسير الكريم الرحمن ص(۳۹۰)].

(7) [رواه البخاري (6۷۳۹)].

(8) فتح الباري ( ۲5۷/۱۳)] .

(9) [المرجع السابق].

(10) [رواه ابن ماجه (۲۷۷) وغيره، وصححه المنذري في الترغيب (۹۷/۱)، والألباني في صحيح الجامع (۹5۲)].

(11) (تحفة الأبرار شرح مصابیح السنة (۱۷۱/۱)] .

(12) [فيض القدير (4۹۷/1)].

(13) [متفق عليه].

(14) [رواه البخاري (6306)].

(15) [رواه البخاري (۳۸۳4)].

(16) [آثار العلامة محمد البشير الإبراهيمي (۱۱۷/4-۱۱۸)] .

اقرأ أيضا

الأمة تفتقدكم .. فأين أنتم يا معشر العلماء

القنديل والمنديل .. وما يجري على الدين من تبديل (3-4) قناديل معاصرة

وظيفة العلماء في تثبيت الأمراء .. نموذج تاريخي

حاجتنا الى الاستقامة في زمن الفتنة

 

التعليقات معطلة.