من أسماء الله الحسنى: [السلام]

زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

إن أجل المقاصد وأنفع العلوم وأشرفها وأعلاها؛ العلم بأسماء الله عز وجل الحسنی وصفاته العلا؛ ذلك لأنها تعرف الناس بخالقهم وخالق السماوات والأرض ومن فيهن، وهذا يستلزم عبادته سبحانه، ومحبته، وخشيته، وتعظيمه وإجلاله.

من أسماء الله الحسنى: «السلام»

ورد اسمه سبحانه «السلام» في القرآن مرة واحدة وذلك في قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ) … الآية [الحشر: 23].

وورد كذلك في السنة النبوية، وذلك في الدعاء المأثور بعد كل صلاة: «اللَّهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام»1(1) مسلم (591)..

وكذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو السلام»2(2) البخاري (831)، مسلم (402)..

معنى اسمه سبحانه «السلام»

السلام والسلامة: البراءة، وتسلم منه: تبرأ، قال ابن العربي: السلامة العافية.

وقوله تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [الفرقان: 63]، معناه: تسلمًا وبراءة.

(والسلام) في الأصل: السلامة فقال: سلم يسلم سلامًا وسلامة. ومنه قيل للجنة: دار السلام لأنها دار السلامة من الآفات؛ وقوله – عز وجل -: (وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) [طه: 47]، معناه: أن من اتبع هدى الله سلم من عذابه وسخطه3(3) انظر لسان العرب 3/ 2078، النهاية لابن الأثير 2/ 392..

المعنى في حق الله عز وجل

يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: («السلام»: أي من جميع العيوب والنقائص لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله)4(4) تفسير ابن كثير 4/ 343..

وقال البيهقي: («السلام»: هو الذي سلم من كل عيب، وبرئ من كل آفة، وهذه صفة يستحقها بذاته.

وقيل: “هو الذي سلم المؤمنون من عقوبته”)5(5) الاعتقاد للبيهقي ص 55..

ويقول الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – عن معنى اسمه سبحانه «السلام»: (وأما «السلام» الذي هو اسم من أسماء الله ففيه قولان:

أحدهما: أنه كذلك اسم مصدر، وإطلاقه عليه كإطلاق العدل عليه. والمعنى: أنه ذو السلام، وذو العدل على حذف المضاف.

والثاني: أن المصدر بمعنى الفاعل هنا أي: السالم. كما سميت ليلة القدر سلامًا أي: سالمة من كل شر، بل هي خير لا شر فيها)6(6) بدائع الفوائد 2/ 366..

ويقول ابن القيم – رحمه الله تعالى – في نونيته:

وهو السلام على الحقيقة سالم      من كل تمثيل ومن نقصان7(7) النونية 2/ 233..

«السلام» يتضمن كل ما نُزه عنه تبارك وتعالى

ويفصل القول في هذا الاسم الكريم فيقول: (واستحقاق الله هذا الاسم أكملُ من استحقاق كل ما يطلق عليه، وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزه الله به نفسه، ونزهه به رسوله صلى الله عليه وسلم.

فهو السلام من الصاحبة والولد، والسلام من الكفء والنظير، والسَّمِيِّ والمماثل، والسلام من الشريك، وإذا أنت نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلامًا مما يضاد كمالَها، فحياته سلام من الموت، ومن السِّنَةِ والنوم، وكذلك قيوميته وقدرته سلام من التعب واللغوب، وعلمه سلام من عزوب شيء عنه، أو عروض نسيان أو حاجة إلى تذكر وتفكر، وإرادته سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة.

وكلماته سلام من الكذب والظلم، فكلماته تمت صدقًا وعدلاً، وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه، وكل ما سواه محتاج إليه، وهو غني عن كل ما سواه، وملكه سلام من منازع فيه، أو مشارك، أو معاون، أو شافع عنده بدون إذنه.

وإلهيته سلام من مشارك له فيها، بل هو الذي لا إله إلا هو، وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذل، كما يكون من غيره، بل هو محض جوده، وإحسانه، وكرمه.

وكذلك عذاب الله وانتقامه وشدة بطشه، وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظلمًا أو تشفيًا أو غلظة أو قسوة، بل هو محض حكمته وعدله ووضعه الأشياء في مواضعها، وهو مما يستحق عليه الحمد والثناء، كما يستحقه على إحسانه وثوابه ونعمه، بل لو وضع الثواب موضع العقوبة لكان مناقضًا لحكمته وعزته، فوضعه العقوبة موضعها هو من عدله، وحكمته، وعزته، فهو سلام مما يتوهم أعداؤه والجاهلون به … وقضاؤه وقدره سلام من العبث والجور والظلم، وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب .. ، وعطاؤه سلام من كونه معاوضة أو لحاجة إلى المعطي، ومنعه سلام من البخل وخوف الإملاق، بل عطاؤه إحسان محض لا لمعاوضة ولا لحاجة، ومنعه عدل محض وحكمة؛ لا يشوبه بخل ولا عجز.

واستواؤه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجًا إلى ما يحمله أو يستوي عليه، بل العرش محتاج إليه، وحملته محتاجون إليه، فهو الغني عن العرش، وعن حملته، وعن كل ما سواه، فهو استواء وعلو لا يشوبه حصر، ولا حاجة به إلى عرش، ولا غيره، ولا إحاطة شيء به سبحانه وتعالى، بل كان سبحانه، ولا عرش، ولم يكن من حاجة إليه وهو الغني الحميد … وكماله سبحانه سلام من كل ما يتوهم من معطل أو مشبه، وسلام من أن يصير تحت شيء أو محصورًا في شيء، تعالى الله ربنا عن كل ما يضاد كماله، وغناه، وسمعه وبصره سلام من كل ما يتخيله مشبّه أو يتقوله معطل.

وموالاته – سبحانه – لأوليائه سلام من أن تكون عن ذل كما يوالي المخلوق المخلوق، بل هي موالاة رحمة، وخير، وإحسان، وبر، كما قال: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ) [الإسراء: 111]، فلم ينف أن يكون له ولي مطلقًا، بل نفى أن يكون له ولي من الذل.

وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه، سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه، أو تملق أو انتفاع بقربه، وسلام مما يتقوله المعطلون فيها.

وكذلك ما أضافه إلى نفسه من اليد والوجه، فإنه سلام عما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل، فتأمل كيف تضمن اسمه «السلام» كل ما نزه عنه تبارك وتعالى. وكم ممن حفظ هذا الاسم لا يدري ما تضمنه من هذه الأسرار والمعانى)8(8) بدائع الفوائد 2/ 363 – 365 باختصار..

«السلام» من كل ما ينافي كلامه المقدس بوجه من الوجوه

ويقول أيضًا عن بعض تفاصيل هذا الاسم الكريم: (ومن بعض تفاصيل ذلك: أنه الحي الذي سلمت حياته من الموت والسنة والنوم والتغير. القادر الذي سلمت قدرته من اللغوب والتعب والإعياء والعجز عما يريد. العليم الذي سلم علمه أن يعزب عنه مثقال ذرة أو يغيب عنه معلوم من المعلومات، وكذلك سائر صفاته على هذا.

فرضاه سبحانه سلام أن ينازعه الغضب، وحلمه سلام أن ينازعه الانتقام، وإرادته سلام أن ينازعها الإكراه، وقدرته سلام أن ينازعها العجز، ومشيئته سلام أن ينازعها خلاف مقتضاها، وكلامه سلام أن يعرض له كذب أو ظلم، بل تمت كلماته صدقًا وعدلاً، ووعده سلام أن يلحقه خلف، وهو سلام أن يكون قبله شيء، أو بعده شيء، أو فوقه شيء، أو دونه شيء، بل هو العالي على كل شيء، وفوق كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، والمحيط بكل شيء، وعطاؤه، ومنعه سلام أن يقع في غير موقعه، ومغفرته سلام أن يبالي بها أو يضيق بذنوب عباده أو تصدر عن عجز عن أخذ حقه كما تكون مغفرة الناس ورحمته، وإحسانه، ورأفته، وبره، وجوده، وموالاته لأوليائه، وتحببه إليهم، وحنانه عليهم، وذكره لهم، وصلاته عليهم سلام أن يكون لحاجة منه إليهم أو تعزز بهم أو تكثر بهم. وبالجملة، فهو السلام من كل ما ينافي كلامه المقدس بوجه من الوجوه)9(9) أحكام أهل الذمة 1/ 414، 415..

خلاصة في معنى اسمه سبحانه «السلام»

مما سبق من النقولات في معنى اسمه سبحانه «السلام» نخلص إلى معنيين عظيمين لهذا الاسم الكريم:

الأول: السلامة والبراءة من كل عيب ونقص في ذاته سبحانه أو أفعاله أو أسمائه وصفاته.

الثاني: أنه سبحانه مصدر السلام والأمن، وكل من ابتغى السلامة عند غيره سبحانه فلن يجدها، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهم أنت السلام ومنك السلام»10(10) رواه مسلم.. ولذلك سميت الجنة دار السلام؛ لأن من دخلها سلم من الآفات والشرور والمنغصات والأكدار، قال تعالى: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ) [الحجر: 46]، ومن ذلك تحية الإسلام التي حث الإسلام على إفشائها وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»11(11) مسلم (54).، وفي إفشائه إشاعة للأمن والود والسلام بين الناس، ومن ذلك سلامه – عز وجل – على أنبيائه المرسلين وذلك في قوله تعالى: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات: 180 – 182]، وقوله – عز وجل -: (سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) [الصافات: 79]، (سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ)[الصافات: 109]، وسلامه سبحانه على عباده الصالحين كما في قوله تعالى: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) … الآية [النمل: 59].

ومن ذلك سلامه على نبيه يحيى – عليه السلام – في قوله تعالى: (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) [مريم: 15]، ومثل ذلك قيل عن عيسى عليه السلام. عن صدقة بن الفضل قال: (سمعت سفيان بن عيينة يقول: أوحش ما تكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجًا مما كان، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم. فأكرم الله فيها يحيى فخصه بالسلام فقال: (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) كأنه أشار إلى أن الله – عز وجل – سلم يحيى من شر هذه المواطن الثلاثة وأمنه من خوفها)12(12) شأن الدعاء للخطابي ص 42..

ولأن الله سبحانه مصدر الأمن والسلام جاء النهي عن قول: (السلام على الله).

فعن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم فنقول: السلام على الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو السلام ولكن قولوا: التحيات لله. والصلوات والطيبات» … الحديث13(13) البخاري (831)، مسلم (402)..

قال البيضاوي ما حاصله: (أنه صلى الله عليه وسلم أنكر التسليم على الله ومن أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلام ورحمة له ومنه وهو مالكها ومعطيها)14(14) فتح الباري 2/ 312..

من آثار الإيمان باسمه سبحانه «السلام»

1 – ما قيل في آثار الإيمان باسمه سبحانه (القدوس) في [من أسماء الله الحسنى: [القدوس]] فإنه يصلح أن يقال هنا في آثار الإيمان باسمه سبحانه (السلام) فإن اسمه سبحانه السلام متضمن لاسمه سبحانه (القدوس).

2 – ومن آثار الإيمان باسمه سبحانه (السلام): الاعتقاد واليقين بأن من أراد الأمن والسلام سواء في نفسه، أو في بيته، أو في مجتمعه فإنه لا يكون إلا في الإيمان بالله – عز وجل – والأنس به، والالتزام بأحكامه وشريعته التي كلها أمن وسلام على الفرد والأسرة والمجتمع، وكلما كان المسلمون أكثر التزامًا بشريعة الله – عز وجل – كانوا أكثر تحصيلاً للسلام والعكس بالعكس. وهذا من موجبات اسمه سبحانه (السلام).

3 – سعي المؤمن في إشاعة السلام بين المسلمين بإفشاء السلام، وكف الشر، والسب، والقذف، والعدوان عليهم، قال صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»15(15) البخاري (10)، مسلم (40) ..، مع السعي لنشر الإسلام الذي هو دين السلام في الأرض بالدعوة والجهاد في سبيل الله تعالى.

الهوامش

(1) مسلم (591).

(2) البخاري (831)، مسلم (402).

(3) انظر لسان العرب 3/ 2078، النهاية لابن الأثير 2/ 392.

(4) تفسير ابن كثير 4/ 343.

(5) الاعتقاد للبيهقي ص 55.

(6) بدائع الفوائد 2/ 366.

(7) النونية 2/ 233.

(8) بدائع الفوائد 2/ 363 – 365 باختصار.

(9) أحكام أهل الذمة 1/ 414، 415.

(10) رواه مسلم.

(11) مسلم (54).

(12) شأن الدعاء للخطابي ص 42.

(13) البخاري (831)، مسلم (402).

(14) فتح الباري 2/ 312.

(15) البخاري (10)، مسلم (40) ..

اقرأ أيضا

قواعد وتنبيهات على أسماء الله الحسنى

أنواع الإلحاد في أسماء الله وصفاته

من أسماء الله الحسنى: [الظاهر، الباطن]

 

التعليقات معطلة.