زمن القراءة ~ 13 دقيقة 

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فإن ما تمر به الأمة الإسلامية اليوم في بلدانها ومجتمعاتها من حرب شرسة على الدين وأصوله وأخلاقه وقيمه وأهله يتولاها أعداء الإسلام من كفار ومنافقين يريدون بها تبديل الدين وقلعه من جذوره .

وجوب نصرة الدين ومواجهة الباطل بجهاد البيان والقلم واللسان

إن هذا الذي تمر به الأمة اليوم يوجب على من يحب الله ورسوله ودينه أن لا يقر له قرار ولا يهدأ له بال وهو يرى ما يرى من هذا الانحدار الخطير على مستوى العقيدة والأحكام والأخلاق وأن ينفر في مواجهة هذا الباطل وهذا السيل الجارف. قال تعالى: (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [التوبة:41] وهذه الآية وإن كانت في الحث على جهاد الكفار في ساحات القتال إلا إنه يمكن الاستدلال بها في وجوب نصرة الدين ومواجهة الباطل بجهاد البيان والقلم واللسان.

الحرب على العقيدة والهوية

إن فقه المرحلة اليوم وتشخيصها يتطلب منا أن نكون على مستوى من الوعي يقودنا إلى إدراك أن أخطر ما في هذه الحرب على الدين وأهله لم تعد منكرات ومخالفات شرعية جزئية يقوم بها أفراد أو طوائف فهذا لم يخل منه مجتمع من مجتمعات المسلمين في تاريخهم الطويل.

وإنما الخطورة اليوم تكمن في كون هذه الحرب حربا ممنهجة على عقيدة الأمة القائمة على إفراد الله بالعبادة والتوحيد وإفراد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمتابعة ، يريدون بذلك اجتثاث الدين من أساسه وتبديله ومسخ الهوية والإتيان بدين جديد قائم على تجهيل الأمة بربها ونبذ شريعته المطهرة ، ونشر الفساد والرذيلة وإفساد المرأة ، وإبدال رابطة الدين برابطة جاهلية تتم على أساسها الموالاة والمعاداة ، وعلى إلهاء الناس بالدنيا واللهث وراءها ونسيان الآخرة وعبادة المال وتحصيله بأي طريقة .

هذه هي الأركان والأصول التي يقوم عليها دين الجاهلية في القديم والحديث والتي من أجل هدمها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وقام سوق الجهاد في سبيل الله تعالى .

وهي نفسها التي تقوم عليها الجاهلية المعاصرة.

الأركان والأصول التي يقوم عليها دين الجاهلية في القديم والحديث

وقد أجمل هذه الأركان كتاب ربنا سبحانه وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وذلك في أربع آيات من القران الكريم وحديث صحيح من سنة محمد صلى الله عليه وسلم.

الركن الأول: (ظن الجاهلية)

وذلك في قوله تعالى: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا) [آل عمران:154]. والمقصود بظن الجاهلية كما بينته الآية الكريمة هو عزل الناس عن ربهم وتجهيلهم به وبمعرفة أسمائه الحسنى وآثارها في الخلق والأمر وإهمال عقيدة القضاء والقدر، وأن كل شيء لا يحصل إلا بقضاء الله وتدبيره وقهره وعزته وحكمته ونتيجة لهذا الإقصاء عن الله تعالى تعلق الناس بالأسباب وقدرة الإنسان، والخوف منه ، وكأنه إله هذا الكون فنسوا الله عز وجل وأسمائه وصفاته، وهذا هو ظن الجاهلية .

وهذا من أركان الجاهلية الأولى والمعاصرة، وهو الذي يريد المنافقون والملاحدة من العلمانيين والجاهليين فرضه على الأمة، وإبعادها عن ربها وسننه وتدبيره وحكمته وقهره. ولا أدل على ذلك مما حصل أوقات كورونا وكيف علق كثير من الناس بالأسباب فنسوا ربهم ولم يرجعوا أسباب هذا الوباء إلى أنه آية وتنبيه رباني وعقوبة إلهية، ولم يشيروا إلى العلاج وأسباب رفعه ألا وهي التوبة (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) [الأنعام:43] بل ألزموا الناس بالتطعيم الأول والثاني والثالث وبالغوا في الاحترازات .. ونسي أكثر الناس ربهم وأسباب نزول البلاء ورفعه.

ومن ذلك ما يفسرون به حدوث الكوارث والجوائح التي تنزل بالناس كالزلازل والفيضانات والأعاصير حيث لا يرجعون ذلك إلى تدبير الله وحكمته وأن الله يقدرها للناس لعلهم يتوبون ويرجعون إليه . كل هذا يعرضون عنه وإنما يفسرون للناس ذلك بتغييرات طبيعية في القشرة الأرضية والانخفاضات الجوية وغيرها من الأسباب المادية.

الركن الثاني من أركان الجاهلية: (حكم الجاهلية)

وهذا يؤخذ من قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) فالجاهلية المعاصرة تكره شرع الله وتنبذه وتقصيه عن الحياة وتستعيضه بأحكام ونظم جاهلية يحكمون بها في الأديان والأنفس والعقول والأموال والأعراض ويلزمون الناس بها في تنظيم حياتهم.

الركن الثالث من أركان الجاهلية: (تبرج الجاهلية)

يؤخذ هذا من قوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ) [الأحزاب:33] وهي التي تفرض اليوم في بلدان المسلمين حيث أن الجاهلية المعاصرة تجعل من إفساد المرأة وتبرجها وإظهار زينتها للرجال والاختلاط بهم والتمرد على قوامة الرجل بابا لإفساد المجتمع وجعله مجتمعا بهيميا ، ويفرضون ذلك باسم حقوق المرأة والتحرير والنسوية. ويجعلون من المرأة بابا لإفساد المجتمعات ونشر الرذائل والشهوات.

الركن الرابع من أركان الجاهلية: (حمية الجاهلية)

وهي التي تفرض اليوم في بلدان المسلمين ويؤخذ هذا من قوله تعالى: (إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ) [الفتح:26] وذلك بنسف رابطة العقيدة والحمية لها والموالاة والمعاداة فيها والاستعاضة عن ذلك بروابط أرضية جاهلية يعادى ويوالى من أجلها وتتخذ أصناما تعبد من دون الله كصنم الوطنية والقومية وغيرها من الروابط الجاهلية.

الركن الخامس من أركان الجاهلية: (ربا الجاهلية)

وهو الذي يفرض اليوم في حياة الناس الاقتصادية وهو ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله).

فالربا اليوم لم يعد تعاملات فردية وإنما هو تشريع ونظام يقوم عليه الاقتصاد الرأسمالي العالمي والقائم على عبادة المال وجلبه من أي مصدر كان وبأي وسيلة كانت دون أي قيد شرعي أو عرفي أو فطري أو إنساني ، المهم جلب المال وجعله في يد طغمة قليلة من المتوحشين أصحاب رؤوس المال في العالم .

هذا من حيث المصدر الربوي للمال أما من ناحية إنفاقه فهو نظام ربوي رأسمالي لا يتقيد بأي قيد بل ينفق فيما تهوى النفس حراما كان أم حلالا . ويمكن اختصار النظام الرأسمالي الربوي المفروض على الأمة في بلاد الحرمين وغيرها في العبارة الآتية: (اكسب من حيث شئت وأنفق حيث شئت)..

وبعد: فإن هذه الإحاطة بأصول وأركان الجاهلية العلمانية المنسلخة من كل دين وخلق يحتم علينا العمل بالواجب في مواجهتها وهذا هو..(فقه المواجهة) وفقه المواجهة مرتبط بالفقه الصحيح للمرحلة وتشخيصها، فكلما كان الفقه للمرحلة على مستوى من الفهم والوعي والتشخيص الدقيق كانت المواجهة صائبة وشاملة ولم تضيع الأوقات في ترقيعات جزئية نقنع بها أنفسنا .

والآن بإمكاننا تحديد سبل المواجهة لهذا التبديل الخطير للدين حسب ما فهمناه مما ذكر سابقا من أركان وأصول الجاهلية العلمانية بحيث يحتاج كل أصل من الأصول الخمسة الجاهلية إلى نوع من المواجهة الشاملة وذلك حسب البيان التالي:

فقه المواجهة: (ونقصد بالمواجهة جهاد البيان)

وسنذكر هنا وبإذن الله تعالى مقابل كل ركن من أصول الجاهلية الآنفة الذكر ما يضاده ويبطله بإذن الله تعالى من المضامين والوسائل الشرعية التي يمكن بها مواجهة هذه الأصول الباطلة التي يسعى دعاة الباطل في فرضها على الأمة ليبدلوا دينها ويعودا بها إلى دين الجاهلية .

أولا: مواجهة ظن الجاهلية

علمنا فيما سبق أن ظن الجاهلية هو كما بينه الله عز وجل في قوله عن المنافقين يوم أحد: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ) [آل عمران:154].

إذن ظن الجاهلية عزل الناس عن ربهم وتجهيلهم به سبحانه وبأسمائه وصفاته وما تقتضيه من الخلق والأمر. وكأن لا رب يدبر الأمور في السماوات والأرض ولا قضاء ولا قدر ولا حكمة ولا إرادة ، وربط الناس بالأسباب المادية وقوة الإنسان وتضخيمه وأنه يقوم وحده بنفسه ويفعل ما يريد ، فسحبوا صفات الألوهية وجعلوها للإنسان ومادياته وصرفت له أنواع العبادة من خوف ورجاء واعتقاد ضر ونفع وتشريع وطاعة واتباع وهذا خطر عظيم على عقيدة التوحيد حيث يهدم أصلها.

فكيف نواجه هذا الخطر العظيم الذي برز في زماننا بصورة لم يسبق لها مثيل والذي يسعى أئمة الكفر والنفاق في فرضها على الأمة ؟!

إن سبل المواجهة لظن الجاهلية كثيرة من أهمها :

1- العناية العظيمة بتعريف الناس بربهم سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته ومعانيها وآثارها ومقتضياتها

وما يجب أن تثمر في القلوب من تعظيمه سبحانه ومحبته والخوف منه وحده ورجائه والتسليم لشرعه وقدره وأنه خالق كل شيء ومدبر كل أمر رب كل شيء ومالك كل شيء الخلق جميعا في قبضته ونواصيهم بيده لا يحصل شيئ في ملكه إلا بإذنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع لا يحصل شيء في ملكه إلا بعلمه وكتابته وإرادته وخلقه له الحكيم في كل ما شرع وقضى وقدر وأن من هذه صفاته هو الذي يجب أن تخلص له العبادة من خوف ورجاء ونذر وصلاة نسك وطاعة وحكم وتشريع وانقياد.

فإذا حصل الاهتمام والعناية بهذا العلم الشريف العلم بالله وأسمائه وصفاته وآثارها عرف الناس ربهم وعبدوه وحده وخافوه ورجوه وحده وأرجعوا كل الأمور إليه ولم يصرفوا أي عبادة لغيره من المخلوقين فإذا حصل هذا تزلزل بنيان الجاهلية وخر على أصحابها السقف من فوقهم وأبطل الله كيدهم .

2- الاهتمام بالسرائر وتزكية القلوب

وهي ثمرة الفقرة السابقة، ألا وهي العناية بالسرائر والأحوال الباطنة وتزكية القلوب وتطهيرها من الأعمال والآفات الفاسدة وملؤها بالأعمال الزاكية التي هي أساس الإيمان والحاجز المنيع أمام ظن الجاهلية وإبعاد الناس عن ربهم، ومن هذه الأعمال التي يجب الاهتمام بها علماً وعملًا وحالًا: الإخلاص والمحبة والتوكل واليقين والخوف والرجاء والعزة والموالاة والمعادة في الله تعالى والانقياد والتسليم.

3- ربط الحوادث والنوازل كبيرها وصغيرها بالله عز وجل علمًا وإرادة وخلقًا وحكمة وتدبيرًا سواء ما كان من هذه الحوادث من الظواهر الكونية كالزلازل والبراكين والأعاصير والأوبئة، أو ما كان منها من تسلط الأعداء وضيق المعيشة وابتلاء الدعاة وظلم الظالمين، كل هذا مما يجب رده كله إلى الله عز وجل، وأنه لم ينزل إلا بعلمه وإذنه له، وحكمته البالغة من إيجاده (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) وبيان أن المخلوقين ضعاف لا يدبرون أمرًا من دون الله، ولا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا فضلا عن أن يملكوه لغيرهم.

ثانيًا: مواجهة حكم الجاهلية

قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50] الجاهلية العلمانية اليوم ترفض الحكم بما أنزل الله وتفرض على الناس أحكام الجاهلية ونظمها وقوانينها المفسدة للدين والعقول والأنفس والأموال والأعراض.

ومن المضامين التي يمكن بها مواجهة هذا الأصل من أصول الجاهلية وبيان بطلانه للناس ما يلي:

  • تعريف الناس بربهم وصفاته سبحانه التي تثمر تعظيمه وتعظيم أمره ونهيه، وتعظيم نصوص الوحيين، وأن هذا من أصول الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا به.
  • بيان عظمة هذه الشريعة ومحاسنها وما فيها من العقائد والأحكام التي من شأنها الحفاظ على الدين والعقل والنفس والمال والعرض التي يسعى المفسدون لإفسادها بحكم الجاهلية، وأنها كاملة شاملة متوازنة صالحة لكل زمان ومكان . وفي المقابل بيان جنايات الأحكام الجاهلية والقوانين الديوثية على الدين والنفس والعقل والمال وما يؤول إليه من تفكك الأسر وانتكاس الفطر ونشر الرذيلة وانهيار الأخلاق وسقوط الدول والحضارات.
  • تقوية أعمال القلوب ولا سيما عبادة اليقين وتسليم القلب لله تعالى والانقياد لشرعه وقبوله، وأن هذا من أصول الإيمان التي لا يتم إلإ بها سواء علم العبد الحكمة من هذه التشريعات أم لم يعلم.
  • بيان خطر الاعتراض على دين الله وأحكامه بعقل أو قياس أو ذوق أو سياسة، وبيان أن القلب السليم هو من سلم من كل شبهة يعارض بها خبر الله تعالى وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم وسلم من كل شهوة يعارض بها أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
  • بيان حكم الله عز وجل فيمن كره شرعه ورفض الالتزام به وتحكيمه وحكم من شرع ما لم يأذن به الله وأن ذلك كله من نواقض الإسلام، قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا) [النساء:65].

ثالثا: مواجهة تبرج الجاهلية

وهذا هو الأصل الثالث من أصول الجاهلية العلمانية التي تقوم عليها جاهلية النظم المعاصرة وتلزم الناس بها تارة بالترغيب وتارة بالترهيب .

وتبرج الجاهلية هو كل ما يتعلق بالمرأة واستخدامها لإفساد الدين ونشر الرذيلة وتفكيك الأسر وطهارة المجتمعات ويدخل في ذلك سفورها وإظهار زينتها المحرمة للأجانب سواء كان ذلك في خروجها متبرجة في الأسواق أو القنوات أو مواقع التواصل أو اختلاطها مع الرجال في التعليم والوظائف والأماكن العامة ، كما يدخل في تبرج الجاهلية خلو المرأة بالأجنبي وسفرها بلا محرم وتمردها على الرجل وقوامته وقلة الغيرة عليها كل ذلك من تبرج الجاهلية المعاصرة الذي ينادي به أهل الجاهلية اليوم باسم حقوق المرأة وحقوق الإنسان ، والنسوية.

وإفساد المرأة التي تسعى الجاهلية اليوم إلى فرضه في بلاد المسلمين هو الباب الذي تهدم من خلاله الأخلاق والقيم وتهدم الأسر والمجتمعات ومنه تسقط الدول والحضارات .

ومن أهم المضامين التي يواجه بها تبرج الجاهلية اليوم ما يلي:

1- بيان الأحكام الشرعية الصريحة في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم المبينة لوجوب الحجاب وأحكام لباس المرأة أمام الأجانب وحرمة الخلوة بالأجانب والاختلاط المحرم وحكم سفرها بلا محرم وأدلة قوامة الرجل ووجوب الغيرة على الأعراض وغير ذلك مما يسعى أهل الجاهلية المعاصرة إلى التمرد عليه .

2- مخاطبة المرأة المسلمة بهذه الأدلة وتحذيرها مما يريد الأعداء من جعلها سلعة رخيصة يلعب بها المفسدون ، تحت مسمى النسوية وحقوق المرأة والترويج لمنظمة “سيداو” الديوثية التي تنشر الفاحشة والشذوذ.

كما تخاطب المرأة المسلمة وتحث على الاعتزاز والافتخار بدينها الذي يصونها ويحميها من عبث المفسدين وتذكيرها بقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب:36] وبقوله تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) [النساء:27].

وبيان أن الانقياد لأحكام الله عز وجل من مقتضيات التوحيد ومنه انقياد المرأة ووليها لأحكام الله. وشكر الله عز وجل على هذه الشريعة الرحيمة الحكيمة التي فيها ما يصون المرأة ويكفل لها حقوقها كاملة .

3- بيان ما في الجاهلية المعاصرة اليوم في الغرب والشرق من أحكام وقوانين تتلاعب بالمرأة وتجعلها لعبة في أيدي الذئاب البشرية ، وذكر حوادث واعترافات رجال ونساء في الغرب الكافر ومن سار في ركابهم وخطورة ما يعيشه مجتمعهم ونساؤهم من الكوارث الأخلاقية وانتشار الزنا والخيانات الزوجية والإجهاض والدياثة وتفكك الأسر .

فهل هذه هي الحقوق التي يبشر بها بنو جلدتنا الجاهليون المنافقون.

4- إحياء خوف الله عز وجل وتعظيمه ومحبته والتسليم له وما يقتضيه ذلك من تعظيم أحكامه وشرعه ، وتعظيم حرماته.

رابعا: مواجهة حمية الجاهلية

قال الله تعالى: (إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ).

وهذا ما تنادي به الجاهلية المعاصرة وتفرضه على بلدان المسلمين حيث ينحى الدين وتنحى عقيدة التوحيد فلا يعقد عليها ولاء ولا براء ولا موالاة ولا معاداة ، وإنما تعقد على الروابط الأرضية الجاهلية حيث الحمية والعصبية لها يوالى من أجلها ويعادى من أجلها كرابطة القومية العربية والوطنية ، والقبلية ، فبناء على حمية الجاهلية يكون أبناء الوطن الواحد أخوة ولحمة واحدة ولو كانوا يهودا أو نصارى أو مشركين فلا ينظر إلى اختلاف الدين ما داموا من وطن واحد ويفضلون على من هو خارج الوطن ولو كان من أتقى خلق الله . والله عز وجل يقول لنوح عليه السلام في ابنه: ( انه ليس من أهلك ) ويقول سبحانه: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الممتحنة:22].

ومن المضامين التي يواجه بها هذا الأصل من أصول الجاهلية المعاصرة ما يلي:

1- بيان عقيدة الولاء والبراء وأنها صلب التوحيد وركن ركين من أركان توحيد الألوهية الذي هو توحيد الله بأفعال العباد، والموالاة والمعاداة هي من أفعال العباد فلا يجوز صرفها إلا لله وفي الله وأن يكون الولاء لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين وأن البراءة والمعاداة لأعداء الله من المنافقين والكفار ولو كانوا أقرب قريب .

2- بيان ما يخالف عقيدة الولاء والبراء في الله تعالى من الأصنام المعاصرة التي يعقد عليها الولاء والبراء كصنم الوطنية والقومية والقبيلة وخطورة محبة أعداء الله تعالى ومعاداة أولياء الله تعالى ومظاهرة الكفار على المسلمين وأن ذلك من نواقض الإسلام .

3- الرد على المغالطات والتلبيسات التي يثيرها أعداء الله تعالى من الكفار والمنافقين العلمانيين والليبراليين والتي يراد منها هدم عقيدة الولاء والبراء وذلك بدعوتهم إلى التسامح الديني والتعايش مع الكفار وعدم معاداتهم أو جهادهم والتعاون مع جميع الأديان على نشر السلام والمناداة بوحدة الأديان والتقارب وطرح ما يسمى بـ(الإبراهيمية) التي تجمع بين النصرانية واليهودية والإسلام وأنها كلها صحيحة تجب المحبة بين أهلها وتنبذ العداوة والكراهية ، وبيان أن من يعتقد ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه.

4- التحذير من التشبه بالكفار وأن هذا من صور الموالاة المحرمة وقد انتشر اليوم صور كبيرة من هذا التشبه سواء في اللبس أو الأزياء والعادات أو حضور أعيادهم وتهنئتهم بها ، أو في المأكل والمشرب والتكلم بلغتهم بغير حاجة أو في الهدي الظاهر كما في قصات الشعر وحلق اللحى وغيرها . ومن المحزن  أن ينهزم المسلم نفسيا أمام أعدائه ويتخذهم مثالا له يتشبه بهم أو يتشبه بالساقطين والساقطات من أهل الغناء والرقص وأهل الكرة والرياضة .

5- تفسير وتدبر قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13] وقوله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67]وشرح قوله صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب) وقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من دعى الى عصبية) .

خامسا: مواجهة ربا الجاهلية

وربا الجاهلية اليوم هو الذي يقوم عليه اقتصاد الرأسمالية الجاهلية في العالم وخاصة المجتمعات الرأسمالية الغربية ومن سار في ركابها وربط اقتصادهم باقتصادها . فالعالم اليوم يقوم على ربا الجاهلية المتوحش والذي لا يساوي فيه ربا الجاهلية الأولى والتي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم تحت قدمه شيئا عند ربا الجاهلية المعاصرة الذي تقوم به دول وبنوك ومراكز اقتصادية كلها قائمة على عبادة المال وكسبه بأي وسيلة كانت دون مراعاة الحلال والحرام . قال صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس وانتكس) ولقد ظهرت صور عبادة المال في الجاهلية المعاصرة في أوضح صورها وأصبح الناس يلهثون وراء الدنيا دون مبالاة بالحلال والحرام . وهم عن الآخرة هم غافلون.

ومن المضامين التي يواجه بها ربا الجاهلية اليوم ما يلي:

1- بيان حقيقة الدنيا والآخرة وأن الدنيا مهما طالت فهي إلى زوال والآخرة هي دار البقاء وأن المال الحرام سحت وعذاب على صاحبه وتذهب لذته ويبقى عذابه .

2- عقوبة آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وأنهم في حرب مع الله ورسوله ومن كان في مواجهة هذه الحرب فهو إلى خذلان وخيبة وخسران مبين وأنهم يحملون أوزارهم بأكل السحت وأوزار من ينفقون عليهم من الأهل والأولاد .

3- بيان البدائل الحلال وأن ذلك ممكنا بإذن الله تعالى وأن الحلال ولو قل خير وأكثر بركة من الحرام وإن كثر.

4- ذكر اعترافات بعض خبراء الاقتصاد في العالم الرأسمالي على أن الربا كارثة على المال وأهله وتنويههم بالاقتصاد الإسلامي الخالي من الربا …

5- التربية على محبة شرع الله عزوجل والانقياد له والتسليم لأحكام الشرع ومنه أحكام المال وبيان الحلال منها والحرام وأن ذلك من لوازم الإيمان والتوحيد وبيان خطورة من يقول إن النظام الاقتصادي العالمي اليوم لا يمكن أن يستغني عن الربا وأن ذلك نوع من الاستحلال ورد لشرع الله واتهام لشرع الله عزوجل بعدم صلاحيته لزماننا اليوم . وأن هذا من نواقض الإسلام.

هذه أهم المضامين التي يمكن أن تواجه به أصول الجاهلية الخمسة ويبقى أن نذكر:

أهم الوسائل والقنوات التي يتم عن طريقها إيصال المضامين السابقة للأمة:

المساجد

والمسجد من أفضل القنوات التي يتم عن طريقها توصيل الحق وبيان الباطل للناس من خلالها وهي وسيلة ثمينة فرط فيها كثير من المصلحين ولا سيما أئمة المساجد ويمكن تحديد سبل المواجهة من خلال المسجد فيما يلي:

1- إمام المسجد

في مسجده وذلك بمراجعة المضامين السابقة في مواجهة كل أصل من الأصول الخمسة للجاهلية المعاصرة وتبليغها لجماعة المسجد بوسائل متعددة منها :

أ- القراءة ولمدة خمس دقائق في أحد الكتب التي تعرف الناس بربهم وبأسمائه الحسنى وآثارها على القلوب والأخلاق والأحوال.

ب- استخراج الفتاوى القديمة والحديثة التي أفتى فيها أهل العلم والمتبوعون والمقبولون عند الأمة وقراءتها عليهم بعد إحدى الصلوات المكتوبة التي يشهدها أكثر المصلين كصلاة العشاء ويحسن تصوير هذه الفتاوى وتوزيعها على جماعة المسجد في اجتماعهم وعلى بيوت الحي ويركز في الفتاوى على الأحكام المتعلقة بالمرأة والتي يريد الذين يتبعون الشهوات أن يتحللوا منها أو يلغوها ، كالحجاب عند المرأة المسلمة وشروط اللباس الشرعي وفتاوى عن قوامة الرجل والغيرة وحرمة الخلو بالمرأة الأجنبية سواء في بيت أو سيارة أو وظيفة وحرمة الاختلاط وسفر المرأة بلا محرم ….الخ هذه الأحكام . وكذلك استخراج الفتاوى المتعلقة بحرمة الربا والبيوع والعقود المحرمة وقراءتها على الناس.

ج- القراءة في كتب العقيدة السهلة التي تعنى بحقيقة لا إله إلا الله وأنها تعني الموالاة والمعاداة في الله وإفراده وحده بالعبادة والطاعة والإذعان لحكمه والتسليم لأمره واستخراج الفتاوى التي تعني بذلك .

2- خطيب الجمعة

وهذا له دور أكثر تأثيرا من إمام المسجد الغير جامع حيث يحضر الخطبة مئات وأحيانا آلاف الناس وهم ملزمون بالصمت والإنصات والاستماع والتركيز . فينبغي للخطيب أن يستثمر هذا الاجتماع ويتحدث للناس بالمضامين السابقة سواء في تعريف الناس بربهم وأسماءه وصفاته أو في قبول أحكام الله ووجوب التحاكم إليه ورفض ما سواه أو ما يتعلق بالمرأة وحجابها واختلاطها بالرجال ويدعم ذلك بأدلة من الكتاب والسنة وفتاوى العلماء ما يجعل الناس يعرفون الحلال والحرام ويعرفون ما يراد بهم من الفساد والإفساد. وأن يتواصى الخطباء على ذلك ويتبادلوا مثل هذه الخطب بينهم.

3- الآباء والأمهات وأهل الاستقامة

في بيوتهم واسرهم الصغيرة والكبيرة حيث يندر أن تجد أسرة أو عشيرة إلا فيها من أهل الاستقامة عدد لا بأس به ، فيجب ونحن نعيش هذه الحرب على الدين والأخلاق أن نعني بأسرنا وأهلينا ونركز على المضامين التي سبق ذكرها في مواجهة أصول الجاهلية ونعززه بالأدلة والكتب والفتاوى التي تخدم هذا الهدف.

4- وسائل التواصل الاجتماعي

والاستفادة منها في اختيار مقاطع قصيرة مرأية ومسموعة ومقروأة تخدم إيصال المضامين السابقة وتداولها بين الناس .

5ـ المحاضن التربوية في الحلقات القرآنية والدور النسائية والمعاهد الشرعية.

6- المعلم في مدرسته وفصله وعند طلابه وتسهيل، المضامين السابق ذكرها وتعزيزها بالأدلة والفتاوى الداعمة لذلك.                      

والحديث من خلالها عن المضامين السابقة وأدلتها .

مجالس العلم والدروس العلمية والدورات الشرعية ودوريات الأحياء والأصدقاء والحديث من خلالها عن المضامين السابقة وأدلتها .

وبعد: فهل بقي عذر لأحد من الدعاة في القعود عن نصرة الحق ومدافعة الباطل وهو يستطيع وبوسعه أن يشارك بنشر هذه المضامين أو بعضها وتفنيد ما يضادها من الباطل بالوسائل المتاحة التي تم ذكر بعضها آنفا مع غلبة الظن بعدم التعرض للأذى بسببها الأمر الذي يتعلل به البعض لتبرير سكوتهم وقعودهم .                                                       .

وفي ختام هذه الأوراق ، نرجو ممن يطلع عليها أن ينشرها ويتعاون مع إخوانه الذين يهمهم أمر هذا الدين في مناقشتها وتطويرها والاستفادة منها في وضع برامج عملية لمواجهة الباطل وفساده فإن هذا من  التعاون على البر والتقوى الذي يحبه الله عزوجل ويأمرنا به .

نسأل الله عز وجل أن يستعملنا في طاعته ونصرة دينه سلما لأوليائه حربا على أعدائه والحمد لله رب العالمين .

اقرأ أيضا

الأزمة ومنهج التغيير

دور الأمة في التغيير

المعالم الرئيسية لمنهج التغيير الصحيح

حياة الأنبياء عليهم السلام .. الغربة المعاصرة وسنن التغيير

3.8 6 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments