زمن القراءة ~ 4 دقيقة 

وقبل المضي قدما في الحديث عن المراحل التي مر بها الفتح الإسلامي لبلاد المغرب نود أن نسجل ملاحظة على قدر كبير من الأهمية تتعلق بطبيعة الفتح الإسلامي لبلاد المغرب، وهي أن الجبهة المغربية كانت من أعنف جبهات القتال وأصعبها في مسلسل حركة الفتوحات العربية الإسلامية. فقد استغرقت عمليات الفتح في بلاد المغرب حوالي سبعين سنة متوالية “21-90هـ/ 642-708م”.

لقي فيها المسلمون من الجهد والخسائر ما لم يلقوا مثله في فتح إقليم آخر. وهذه الفترة الزمنية تعد فترة طويلة إذا ما قورنت بالمدة القصيرة التي تم فيها فتح بلاد الشام والعراق ومصر وبلاد فارس، والتي لم تزد عن عشر سنوات فقط على الرغم من اتساع هذه البلاد وكثرة مدنها وسكانها، ووقوع معارك قاسية وكبيرة واجهها المسلمون هنا، مثل “نهاوند” و”القادسية” و”اليرموك” وغيرها1(1) راجع: فتح العرب للمغرب، للدكتور حسين مؤنس ص”268، 269″، فجر الأندلس “للمؤلف نفسه” ص”35″، تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس، للدكتور السيد عبد العزيز سالم ص”25″.. فما هي الأسباب؟

من أسباب إطالة مدة الفتح الإسلامي لبلاد المغرب

يمكن تلخيص الأسباب في النقاط التالية:

1- طبيعة بلاد المغرب الجبلية، ووعورة مسالكها

وشدة مراس أهلها من “البربر” في القتال، وصمودهم في المقاومة في بداية الأمر قبل معرفتهم بأهداف الفتح الإسلامي. وقد كان لغلبة الطبيعة الجبلية الوعرة، وبعد المسافات بين المراكز العمرانية المختلفة، وصعوبة الاتصال فيما بينهما أثر عميق في حياة السكان، حيث طبعتهم بطابع الخشونة والشجاعة، وأكسبتهم حدة المقاومة، والصبر على القتال والمواجهة، فتميزوا عن العرب، وأوقعوا الهزيمة بهم في أكثر من معركة، بل وصرعوا بعض قادتهم، مثل عقبة بن نافع، وأبي المهاجر دينار “سنة 64هـ”.

وقد كان سكان المغرب من الكثرة والتنوع بحيث لم يكن من الميسور إخضاعهم في مدة يسيرة؛ لأنهم -وكما يقول “حسان بن النعمان” أحد قادة الفتح “وكان واليا على المغرب من سنة 78هـ”: “أمم ليس لها غاية، ولا يقف أحد منها على نهاية، كلما بادت أمة خلفتها أمم، وهم من الحفل والكثرة كسائمة النعم”2(2) البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، لابن عذارى المراكشي ج1، ص”36″..

ولم يتمكن المسلمون من السيطرة على المغرب تماما إلا بعد أن ابتعدوا عن سياسة المواجهة العسكرية العنيفة، وعملوا على اكتساب البربر عن طريق نشر الإسلام بينهم، وإدخالهم في الجيوش العربية كجنود محاربين، وإشراكهم في تسيير الإدارة الجديدة، وإدماجهم مع إخوانهم العرب المسلمين في ديوان الجند دون تمييز.

2- ما طرأ على المسلمين من مشكلات وفتن شغلتهم عن مواصلة الفتح

أو حالت بينهم وبين أن يتعهدوه بما ينبغي من العناية والاهتمام. وأهم هذه المشكلات الفتنة الكبرى التي صدعت الجبهة الداخلية، وانتهت بمقتل الخليفة الشهيد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- “سنة 35هـ”. ثم هناك الخلاف بين علي بن أبي طالب، وبين طلحة بن عبيد الله، والزبير وعائشة -رضي الله عنهم جميعا- والذي انتهى بموقعة الجمل “35هـ”.

ثم هناك الصدام الذي نشأ بين علي بن أبي طالب وبين معاوية -رضي الله عنهما، وطبع بصماته على كل شبر من الدولة الإسلامية.

ثم ما صادف معاوية بعد ذلك من عقبات كان لا بد من مواجهتها قبل تأمين الخلافة، وما قابله خلفاؤه -من بعده حتى عهد عبد الملك بن مروان “65-86هـ” من مشاكل المطالبين بالخلافة، مثل الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، والخوارج. كل ذلك له أثره الواضح في انصراف الحكومة المركزية عن متابعة وتنظيم الفتح الإسلامي للمغرب، مما كان سببا في إطالة مدة الفتح على هذه الصورة3(3) راجع دراسات أندلسية، للدكتور محمد عبد الحميد عيسى ص”45، 46″..

3- عدم وجود قواعد ثابتة للفتح في “إفريقية -المغرب”.

ولقد كان الفتح الإسلامي للمنطقة -وحتى تأسيس مدينة القيروان “سنة 50-55هـ”- مجرد محاولات استكشافية، أو حملات يمكن أن ندرجها تحت ما نعبر عنه بـ “جس النبض” دون أن تهدف إلى الاستقرار في المنطقة. وربما لم يكن المسلمون قد كونوا فكرة واضحة عن أبعاد هذه البلاد وسكانها. وكانوا يعودون -بعد كل عملية حربية- إلى “الفسطاط” القاعدة الحربية في مصر -دون ترك قوات كافية للحفاظ على ما أمكن الاستيلاء عليه من أراض أو مدن، مما كان يعطي الفرصة للروم والبربر -وبمجرد أن تنتهي المعارك، ويعود المسلمون من حيث أتوا- أن يستعيدوا ما سبق لهم أن فقدوه، ولم تتحول سياسات الفتوحات الإسلامية في المغرب إلا بعد التفكير في اتخاذ قاعدة ثابتة للمسلمين في المنطقة وبناء مدينة “القيروان”4(4) راجع: دراسات أندلسية، للدكتور محمد عبد الحميد عيسى ص”49″..

وليس من شك في أن بناء المدن الإسلامية في الأمصار المفتوحة -مثل “البصرة” و”الكوفة” في العراق، و”الفسطاط” في مصر، … إلخ- قد لعب دوره الحاسم، ليس في تثبيت أقدام المسلمين في هذه المناطق، وإنما -أيضا- في نشر الإسلام والعروبة، وإخراج أهل هذه المناطق من بقايا جاهليتها إلى عصر جديد في رحاب الأمة الإسلامية.

4- تباين وجهات النظر بين قادة الفتح الإسلامي للمغرب

ولقد كان لاختلاف وجهات النظر بين قادة الفتح الإسلامي للمغرب -نتيجة اتساع البلاد وكثرة مشاكلها، أثر في إطالة مدة الفتح. وحيث أنه لم تكن هناك فكرة واضحة ومعرفة سابقة بأبعاد الميدان المغربي وسكانه “على عكس الحال في المناطق القريبة من الجزيرة العربية، مثل العراق والشام” فإنه لم يكن هناك خطة ثابتة ومحددة تسير عليها الفتوحات في هذا الميدان، ولعب الاجتهاد دوره الرئيسي في توجيه العمليات الحربية. فقد رأى بعض القادة أن القتال وحده هو الحل الأمثل. ورأى بعضهم ضرورة إقامة معسكرات وقواعد ثابتة للمسلمين. ولجأ آخرون إلى سياسة إقامة علاقات مع البربر. ومن ثم كان تباين وجهات النظر أحد عوامل تغيير السياسة الحربية في المنطقة، وما يترتب على ذلك من تغيير في الوسائل وخطوات لتنفيذ5(5) دراسات أندلسية ص”48″..

5- رغبة بعض ولاة مصر في أن تكون لهم اليد الطولى والسيطرة على هذه البلاد، والتصرف في مالها وغنائمها.

وكان لذلك أثره في تعطيل الفتح، ومنع الفاتحين من إنفاذ برامجهم الجهادية، وإدراك الغايات التي سعوا إليها بعد أن بذلوا لجهد العظيم لإدراكها. ولا أدل على ذلك من موقف مسلمة بن مخلد الأنصاري الوالي على مصر في زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان” من عقبة بن نافع أحد كبار الجانب الآخر في المعركة التالية، وذلك حتى “عام 86هـ/ 707م” تقريبا، وهو نهاية ولاية القائد المجاهد حسان بن النعمان، والذي نجح في إخضاع “إفريقية” “المغرب الأدنى”. ثم جاء من بعده موسى بن نصير، وقام بمهمة استكمال الفتح، وإخضاع الشمال الإفريقي كله للمسلمين.

الهوامش

(1) راجع: فتح العرب للمغرب، للدكتور حسين مؤنس ص”268، 269″، فجر الأندلس “للمؤلف نفسه” ص”35″، تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس، للدكتور السيد عبد العزيز سالم ص”25″.

(2) البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، لابن عذارى المراكشي ج1، ص”36″.

(3) راجع دراسات أندلسية، للدكتور محمد عبد الحميد عيسى ص”45، 46″.

(4) راجع: دراسات أندلسية، للدكتور محمد عبد الحميد عيسى ص”49″.

(5) دراسات أندلسية ص”48″.

المصدر

كتاب: “موجز عن الفتوحات الإسلامية”: د طه عبد المقصود عبد الحميد أبو عُبيَّة، صـ39-47.

اقرأ أيضا

موجز عن الفتوحات الإسلامية في الشرق

الفتوحات في الجانب البيزنطي

فتح بلاد السند “حملات محمد بن القاسم”

حصار القسطنطينية في عصر بني أمية

التعليقات غير متاحة