زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

في حين تقول الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إن الصين تمارس سياسة قمعية وتعسفية بحق المسلمين في إقليم شينغ يانغ، من أعمال قتل واعتقال وإخفاء قسري في مخالفة صريحة لحقوق الإنسان وحرية المعتقد الديني، فإن الإمارات تدعم الحملات الأمنية التي تنفذها الصين ضد مسلمي الإيغور.

تعريف بقبائل الإيغور المسلمة

الإيغور قبائل مسلمة على عقيدة أهل السنة والجماعة منذ ما يزيد على عشرة قرون؛ أقاموا لهم دولة كبيرة في موطنهم بإقليم تركستان الشرقية -أو تشينغ يانج؛ أحد أقاليم الصين حاليًّا- والذي يمثل نحو سدس مساحة الصين الحالية، والتي امتدت من بحر قزوين غربًا حتى منشوريا (شمال شرقي الصين وكوريا) شرقًا.

وظلت دولتهم صامدة على مدى نحو عشرة قرون رغم الغزوات الصينية البوذية المتتابعة، إلى أن تمكن الصينيون من السيطرة عليها تمامًا قبل نحو سبعين عامًا تحت بلاء الصين الشيوعية.. وقد قُتل أكثر من مليون مسلم في المواجهات التي تمت في عام 1949م عندما استولى النظام الشيوعي الصيني بقيادة عدو الله: ماو تسي تونج، حيث ألغى استقلال الإقليم، وضمه لجمهورية الصين، كما تم التضييق عليهم في عباداتهم ومظاهرهم الإسلامية، وهدم مساجدهم، وإزالة مدارسهم.

عملية الإخلال العرقي والديني بالإقليم؛ والعبث بالتركيبة الديموغرافية

ثم قام الصينيون بعد ذلك بعملية الإخلال العرقي والديني بالإقليم؛ فجرى تفريغ الإقليم من سكانه المسلمين، وتوزيعهم على عدة أقاليم صينية؛ حتى يمثلوا أقليةً في مواطنهم الجديدة، ودفعوا إلى تركستان الشرقية بأفواج من عرق الهان الصيني البوذي؛ رغبة منهم في أن يصبح هذا العرق أغلبية على حساب المسلمين الإيغور -السكان الأصليين-..

واستغلالًا لفرصة الحرب الأمريكية العالمية على الإسلام -باسم الحرب على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م- كثف النظام الصيني من حملة مطارداته للمسلمين الإيغور الساعين للاستقلال، وتمكن من اعتقال بعضهم من بعض البلدان مثل باكستان وكزاخستان وقيرغيزستان وغيرها..

تشييد معسكرات الاحتجاز

وقد استمر الطغيان الصيني ضد مسلمي الإيغور إلى يومنا هذا، وقد احتجزوا الملايين منهم في معسكرات يستغلون فيها المسلمين في أعمال شاقة ويمنعوهم من الصلاة وصيام رمضان وتلاوة القرآن وكافة الشعائر الإسلامية، ويلاحقونهم في عامة البلاد الإسلامية والتي تَـمَكَّن بعضهم من الفرار بدينهم إليها.

ويكفي أن نعلم أن فظاعة الإجرام الصيني قد بلغ أن ضجت منه أمم الكفر والاستكبار كأمريكا وأوروبا، فقد أصدروا بيانات كثيرة ضد الصين استنكارًا لاضطهاد واحتجاز المسلمين الإيغور ومنعهم من شعائر دينهم.

نعم لدول الكفر حسابات أخرى، لكنه مؤشر يدل على فظاعة هذه الأمور وإمكانية استغلالها من جهتهم، والواقع شاهد بفظاعتها.

حقيقة “المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة”

هذا، وقد قام وفد ما يسمى بـــ”المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة” -الذي تم تأسيسه عام 2018م، ويتخذ من عاصمة الإمارات مقرًّا له- بزيارة للصين وتركستان الشرقية المحتلة من قبل الصين البوذية عباد الأصنام، وظن الناس للوهلة الأولى أن تلك الزيارة كانت لنصرة مسلمي الإيغور -أو على الأقل للتخفيف من معاناتهم- والذين يتعرضون لأشد أنواع الاضطهاد وإجبارهم على الردة عن الإسلام من قِبَل الحكومة الصينية الغاشمة..

وهذا الظن ناتج عن ما يفهم من مسماه “المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة”، ولكن بمجرد التدقيق وزيارة موقع هذا المجلس في الشبكة نجد تحت ما عنونوا له بــــ:

الفكرة 

المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة بيت خبرة لترشيد المنظمات والجمعيات العاملة في المجتمعات المسلمة، وتجديد فكرها وتحسين أدائها من أجل تحقيق غاية واحدة، وهي إدماج المجتمعات المسلمة في دولها بصورة تحقق لأعضائها كمال المواطنة وتمام الانتماء للدين الإسلامي. وأولى مقدمات تحقيق هذه الغاية تحرير المسلمين في المجتمعات المسلمة من التبعية للتيارات والحركات الفكرية والفقهية والأحزاب السياسية العابرة لحدود الدولة الوطنية، التي تحول دون اندماجهم في مجتمعاتهم الجديدة، وفي الدول التي يحملون جنسيتها، وتُبقي عليهم غرباء في دولهم، متعلقين بأحلام وأوهام ومشاكل وأزمات دول ومجتمعات لا علاقة لهم بها. انتهى كلامهم عن أنفسهم.

مجلس أسس على محاربة الدين وفصل المسلمين عن جذورهم

ومخالفة هذا الكلام لمحكمات الكتاب والسنة ظاهرة على فكرة هذا المجلس؛ فهو مجلس يريد ويعمل على فصل المسلمين عن جذورهم وأمتهم، وتقديم الوحدة الوطنية على الوحدة الإسلامية والأخوة الإيمانية التي جعلها الله هي أساس الارتباط، كما قال تعالى: ﴿‌إِنَّمَا ‌الْمُؤْمِنُونَ ‌إِخْوَةٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا ‌بَعْضُهُمْ ‌أَوْلِيَاءُ ‌بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾.

قال السيوطي: ﴿وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض﴾ في النصرة والإرث، فلا إرث بينكم وبينهم ﴿إلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ أي: تولي المسلمين وقمع الكفار ﴿تَكُنْ فِتْنَة فِي الْأَرْض وَفَسَاد كَبِير﴾ بقوة الكفر وضعف الإسلام1(1) [تفسير الجلالين]..

وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. وقال عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.

قال ابن القيم -بعد ذكر هذه الآيات-: فأمر تعالى الرسل بما أمر به أممهم؛ أن يأكلوا من الطيبات وأن يعملوا صالحًا وأن يعبدوه وحده وأن يطيعوا أمره وحده وأن لا يتفرقوا في الدين، فمضت الرسل وأتباعهم على ذلك ممتثلين لأمر الله قابلين لرحمته حتى نشأت خلوف قطعوا أمرهم زبرًا كل حزب بما لديهم فرحون، فمن تدبر هذه الآيات ونزلها على الواقع تبين له حقيقة الحال، وعلم من أي الحزبين هو، والله المستعان2(2) [إعلام الموقعين (2/ 229)]..

ولاء المسلمين ونصرتهم من محكمات الشريعة

وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»3(3) [رواه مسلم (2586)]..

ولم يقل: مثل المواطنين…

وإن كان للمواطنين والجيران حق -حتى لو كانوا كفارًا- بشرط ألا يكونوا محاربين للإسلام وأهله، وهذا له مجال لبسطه في غير هذا الموضع.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «… وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله…»4(4) [رواه مسلم (2564)]..

وعن عبد اللَّهِ بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة»5(5) [رواه البخاري (2442) ومسلم (2580)]..

قال الحافظ ابن حجر: وقوله: «ولا يُسْلمه» أي: لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه بل ينصره ويدفع عنه6(6) [فتح الباري (5/ 97)]..

وهذا من محكمات الشريعة؛ أن المسلم أخو المسلم مهما تباعدت الأوطان، واختلفت الألوان واللغات، فكيف يدعو هذا المجلس إلى قطع التعلق بأصولهم، كما قالوا: … متعلقين بأحلام وأوهام ومشاكل وأزمات دول ومجتمعات لا علاقة لهم بها.

والكثير من دول الكفر التي هاجر إليها المسلمون في العقود الأخيرة تحترم ارتباط المهاجرين بمواطنهم الأصلية، بل وتعد ذلك مؤشرًا على وفاء المهاجر لموطنه الجديد.

ولذلك حق لنا أن نصف تصرف هذا المجلس بالغدر بمسلمي الإيغور، وفي نفس الموقع المذكور قالوا تحت عنوان:

وفد المجلس يزور متحف “مكافحة الإرهاب والتطرف” في الصين

زار وفد من المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة برئاسة معالي الدكتور علي راشد النعيمي رئيس المجلس متحف مكافحة الإرهاب والتطرف في إقليم تشينغ يانج بالصين والذي يبرز جهود بكين وحكومة تشينغ يانج المحلية في مكافحة الإرهاب والتطرف حيث نجحت السلطات الصينية وحكومة الإقليم في اتخاذ إجراءات تحصن الآمنين من شرور الإرهاب.

ويضم المتحف ثلاثة أجنحة، الأول يضم الأحوال الرئيسية لمنطقة تشينغ يانج بدءًا من النشأة وحتى مرحلة التنمية والازدهار.

أما الجناح الثاني فيضم جهود بكين وحكومة تشينغ يانج المحلية في مكافحة الإرهاب والتطرف.

وفي الجناح الثالث تتجسد الوحدة القومية والتلاحم بين مكونات إقليم تشينغ يانج، الذي يشهد حاليًّا مرحلة من الازدهار والتطور في إطار مفهوم التنمية الجديدة التي انتهجتها الحكومة الصينية. انتهى.

المحلس يشيد بجهود كفرة الصين في محاربة الإسلام

ولا يفوتنا ما جاء في الموقع -أيضًا-:

وأشاد “النعيمي” بجهود السلطات الصينية في القضاء على ظاهرة الإرهاب في مقاطعة تشينغ يانج، كما أشاد باهتمام وتصميم القيادة الصينية على خدمة كافة مكونات الشعب بالمقاطعة.

وأضاف رئيس المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة أن العلاقة بين الحضارة الإسلامية والصين تاريخية وتتصف بالود والتعاون والتحالف، مشيرًا إلى أن العقلاء في كافة أنحاء العالم يحتاجون إلى صين آمنة ومستقرة ومزدهرة خاصة أن أمن واستقرار الصين ليست مصلحة وطنية فقط بل مصلحة للعالم ككل. انتهى.

كل هذا -وغيره- يدل على الغدر والخيانة والخذلان لمسلمي الصين؛ فمتحف مكافحة الإرهاب والتطرف الذي زاره المجلس يشرح نجاح الصين في قمع مسلمي الصين ومسعاها لمحو دينهم وهويتهم الإسلامية..

اتحاد علماء تركستان الشرقية يرد على تلك الزيارة

وقد استنكر عموم علماء المسلمين وهيئاتهم تلك الزيارة، وعقد اتحاد علماء تركستان الشرقية بمشاركة عدد من الهيئات الإسلامية مؤتمرًا صحفيًّا -قبل أيام في تركيا- للرد على تلك الزيارة التي استخدمتها الصين في الدعاية المضللة والترويج للجرائم الصينية بحق مسلمي تركستان الشرقية باعتبارها مكافحة للإرهاب المزعوم، وهي دعاية مكذوبة تبناها وفد “المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة” زاعمين أن الصين والدول العربية شركاء في مكافحة التطرف والإرهاب.

وخلال المؤتمر قال وكيل اتحاد علماء تركستان الشيخ محمود محمد:

إن هذه الزيارة التي قام بها قبل أيام وفد المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة أثرت على الشعب التركستاني المسلم تأثيرًا سلبيًّا كبيرًا، إذ استغلها الإعلام الصيني بالترويج أن الدول الإسلامية وعلماءها تشارك الصين وتدعمها في حربها على الإرهاب المزعوم في تركستان الشرقية… هؤلاء الشيوخ الذين قاموا بالزيارة لم يختلفوا عن السياسيين وإنما تجاوزوهم في التزلف للصين ومدح جرائمها بحجة أنها تكافح الإرهاب… إن علماء الأمة الحقيقيين يعبرون عن نبض الأمة وشعوبها ويقفون صفًّا واحدًا للدفاع عن قضايا الأمة…

وقد أدان اتحاد علماء تركستان الشرقية عمل هذا الوفد، ومما قال -في بيان له-:

إن على هذه الوفود تفقد أحوال المسلمين في المنطقة، وزيارة المعسكرات والسجون، والقيام بجولات ميدانية حرة، وإجراء مقابلات مع أهل البلد المسلمين دون مراقبة الشرطة الصينية، وإجراء مقابلات مع الجالية الإيغورية في المهجر… إن إدلاء تصريحات تبرر الجرائم الصينية بحق مسلمي تركستان الشرقية دون فهم ما يجري على أرض الواقع عمل لا يليق بالوفد المسلم.

إن تاريخ كفرة الصين لا يوحي بأية بارقة أمل في عدل يقيموه، ولذلك فنحن نفوض أمرنا لله عزَّ وجلَّ وحده لنجاة المسلمين في الصين، وغيرهم من عموم المسلمين المظلومين المضطهدين..

وندعو إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لنصرة إخوانهم وإغاثتهم بكل ما يملكون من طاقة مادية أو معنوية؛ عن أنس وجابر رضي الله عنهما عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة»7(7) [رواه البيهقي والضياء وغيرهما، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (6574)]..

وعن جابر بن عبد الله وأبي طلحة بن سهل الأنصاريين رضي الله عنهما يقولان: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما من امرئ يخذل امرأ مسلمًا عند موطن تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله عزَّ وجلَّ في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر امرأ مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته»8(8) [رواه أحمد (16368) وغيره، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (5690)]..

نصر الله إخواننا المسلمين الإيغور وعامة المستضعفين من المسلمين.

الهوامش

(1) [تفسير الجلالين].

(2) [إعلام الموقعين (2/ 229)].

(3) [رواه مسلم (2586)].

(4) [رواه مسلم (2564)].

(5) [رواه البخاري (2442) ومسلم (2580)].

(6) [فتح الباري (5/ 97)].

(7) [رواه البيهقي والضياء وغيرهما، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (6574)].

(8) [رواه أحمد (16368) وغيره، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (5690)].

اقرأ أيضا

الجرح النازف في “تركستان” المسلمة

الإرهاب الصيني .. أوَليس إرهابا؟!

 

التعليقات غير متاحة