لماذا نرتب ملفنا الشخصي في رمضان وعشر ذي الحجة؟
موسم رمضان؛ لأنه أعظم المواسم التربوية في العام، ولما تميز به من شعائر ظاهرة عامة – من صيام النهار وقيام الليل وما يسبقهما من سحور ويعقبهما من إفطار – مما يجعله أكثر تأثيراً من غيره.
فلسفة الاصطفاء الإلهي
الحق أن الله تعالى كما اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس نبيين، اصطفى كذلك من الأزمنة والأمكنة والأحوال أوقاتاً فاضلة جعلها مواسم خير وفيض، وله الحكمة البالغة في ذلك. ومن حكمته سبحانه أن النفوس البشرية مجبولة على الملل والتراخي والنشاط بحسب ما يعرض لها. فلو كانت أيام العام كلها متساوية في الفضل، لأدى ذلك إلى الإلف والدعة والكسل. أما مع وجود هذه المواسم المتجددة – كرمضان وعشر ذي الحجة – فإن الإنسان يجد في كل بضعة أشهر محطة تبعث فيه النشاط والأمل، فيستجمع قوته ويحتشد لها بما لا يحتشد لغيرها.
وهذا الانسجام بين طبيعة النفس البشرية وبين ما أخبرت به النصوص من تعظيم أوقات وأماكن معينة، يؤكد أن الشريعة جاءت متوافقة مع قوانين الفطرة التي ركبها الله في النفوس. ومن هنا تأتي عنايتنا الخاصة بالثغر التربوي في هذه المواسم.
رمضان نموذجاً للدراسة
ولما كانت دراسة كل موسم فاضل تطول، فسأكتفي بمثال واحد هو موسم رمضان؛ لأنه أعظم المواسم التربوية في العام، ولما تميز به من شعائر ظاهرة عامة – من صيام النهار وقيام الليل وما يسبقهما من سحور ويعقبهما من إفطار – مما يجعله أكثر تأثيراً من غيره. وإن كنت تعلم أن عشر ذي الحجة أفضل منه باستثناء ليلة القدر، إلا أن رمضان يتميز بهذا النسق اليومي المتكرر الذي يعيد تشكيل حياة المسلم بالكامل.
الخصائص الخمس لشهر رمضان
بعد التأمل، يمكن تسجيل خمس خصائص رئيسية يتميز بها شهر رمضان، تجعل منه ثغراً تربوياً فريداً:
الخاصية الأولى: التغيرات الكونية التي تيسر الطاعة
إذا دخل رمضان طرأت أربعة تغيرات كونية كبرى:
أولاً: تصفيد الشياطين، فتغيب الوساوس الشيطانية ويضعف التزيين والإغراء، فيبقى الصائم في حالة صفاء تمكنه من الإقبال على الخير.
ثانياً: فتح أبواب الجنة، وهذا يؤذن بفتح أبواب الحسنات وتيسيرها. تجد الرجل الذي كان يتثاقل عن السنن والنوافل، إذا به في رمضان يصوم النهار ويقوم الليل ويختم القرآن ويتصدق ويذكر الله كثيراً.
ثالثاً: غلق أبواب النار، وهذا ييسر ترك السيئات. تجد الرجل الذي كان يعاني من المعاصي، إذا به في رمضان تمر الأيام تلو الأيام دون أن يرتكب ذنباً.
رابعاً: توقف القانون المعتاد للآخرة، ففي العادة الآخرة مطلوبة لا طالبة، تحتاج منك أن تسعى إليها بمشقة. أما في رمضان، فالآخرة هي التي تفتح أبوابها لك ويناديك مناد: “يا باغي الخير أقبل”. هذه التغيرات الأربعة جاءت في حديث واحد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ”1(1) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني)..
إنها هدية مجانية من الله، يذيقك فيها طعم العبادة ولذة القرب منه. الباب مفتوح والحواجز مرتفعة، فلا تتردد ولا تستعظم ذنوبك، فإنها تطيش في بحر عفوه. فإن فعلت ودخلت فقد نزل التوفيق، وإن تباطأت فلا تأمن الخذلان، فقد قال النبي ﷺ: “رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ” 2(2)(رواه الترمذي، وصححه الألباني)..
الخاصية الثانية: موافقة بنية رمضان لتغيير العوائد
التحول من عادة إلى أخرى يستلزم تكريرها من 21 إلى 40 مرة بحد أدنى، مع قوة العزم وعدم الانقطاع. ورمضان ثلاثون يوماً، وإذا أضفنا الخاصية الأولى من التغيرات الكونية المعينة، فإنه يكون أعظم فرصة لصناعة التحولات.
فمثلاً: إن اعتدت في رمضان أن تقرأ وردك من القرآن، وتستيقظ للسحور، وتذهب للمسجد باكراً، وتأتي بالأذكار، وتقلل من النظر في الجوال، واستمررت على هذا ثلاثين يوماً، فإنك بعد رمضان ستجد سهولة في مواصلة هذا البرنامج. صحيح أن المعينات قد ولت بعد رمضان، لكن الإلف الذي حصلته يعد من المنجزات النفسية الضخمة التي تمكنك من تثبيت هذه العادات.
وإن كنت مبتلى بمعصية كالدخان أو الأغاني أو المسلسلات الهابطة، فرمضان فرصتك الذهبية للإقلاع عنها. وأنبه إلى عدم الإكثار من العوائد التي تريد تغييرها؛ فالتحول يحتاج فطماً شديداً للنفس. يكفي أن تعتني بتغيير عادتين أو ثلاث من العوائد المركزية. فمثلاً: عادة الاستيقاظ قبل الفجر بساعة أمر مركزي في صلاح الإنسان، فهي تتيح التهجد والدعاء وتلاوة القرآن وإدراك الفجر. وقل مثل ذلك في فطام النفس عن إدمان وسائل التواصل.
والمقصود أن العادة الواحدة قد يترتب عليها كثير من الأعمال والأفضال. وقد لا يكون الأمر عادة، بل مشروعاً يبدأ به في رمضان كحفظ القرآن أو دراسة التجويد، ثم يواصل بعد رمضان. واعلم أن ثباتك على أمر ما لمدة شهر كامل ييسر المهمة، والعزم هو كلمة السر.
الخاصية الثالثة: تركيب بنية رمضان على البرامج الفردية
ما أن يطل علينا رمضان حتى تجد نداءً داخلياً عند الناس بالالتفات للنفس والعناية بالأوراد الذاتية. ثم إن الصيام يحجز عن التوسع في الزيارات والمناشط الاجتماعية. الناس يفضلون الزيارات بعد الإفطار، لكن وقت الإفطار ضيق للصلاة والتراويح، والنفوس لا تريد السهر الطويل لتستيقظ للتهجد والسحور. حتى زيارات ما بعد العصر يتحسس منها الناس لئلا يشقوا على المزور بصيامه. وغالب الزيارات الاجتماعية تكون خاطفة سريعة.
وهذا كله يؤكد ما كان يردده شيخنا الدكتور يونس الأسطل وفقه الله عن شيخه محمد عبد القادر أبو فارس: “رمضان لا يتسع لغيره”. هذه الأجواء بتركيبتها الفريدة تمنحك صفاء حال وراحة بال، وهي فرصة كريمة لا ينبغي أن تشغل بما لا نفع فيه؛ فالنفس لا تتربى في ضجيج.
الخاصية الرابعة: إمكان تعويض النقص واستدراك ما فات
هذه نتيجة للخاصيتين الأولى والثالثة. إنك في رمضان تجد وقتاً جيداً لأورادك، ونفساً مقبلة على ربها، وأبواب الخير مفتوحة، والناس يشاركونك الأجواء، فكل شيء يدفع للعمل. إن المشاعر التي تنزل بالقلوب حين تجتمع الناس للتراويح، والدعاء قبل المغرب، والتلاوة قبل الفجر، هي من أعظم الرزق النفسي الذي ينتج لك نفساً مقبلة على الأوراد بلا كلل.
في هذه الأجواء يتيسر لك استدراك ما فاتك. وقضية الاستدراك قضية مركزية في التصور التربوي. كم من إنسان تكتمل مداركه متأخرة، فإذا نظر إلى الوراء ورأى السنين التي فاتته أحرقته الحسرة، ورأى من سبقه مع اتحاد الظرف فكاد يصاب بالهم والغم!
خذ مثالاً عظيماً على الاستدراك: عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه. أسلم يوم فتح مكة، أي بعد 21 سنة من البعثة، وكان قبلها من رؤوس الكفر والمحاربين للإسلام، حتى إن النبي ﷺ أهدر دمه يوم الفتح. لكن زوجته سعت في تأمينه، وكان قد ركب البحر فاراً إلى اليمن، فأصابتهم عاصفة، فقال له أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً هاهنا. فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص، لا ينجيني في البر غيره. اللهم إن لك عليّ عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً حتى أضع يدي في يده. فلما جاء بايع وقال: يا رسول الله، إني أكثر قريش مالاً، ولكني أسألك أن تستغفر لي. ثم قال: والله لا أدع مقاماً قمته لأصد عن سبيل الله إلا قمت مثله في سبيل الله، ولا أنفقة أنفقتها لأصد عن سبيل الله إلا أنفقت مثلها في سبيل الله. فلما كان يوم اليرموك قاتل حتى وجد فيه بضع وسبعون ما بين طعنة وضربة ورمية واستشهد رضي الله عنه 3(3) (رواه النسائي وصححه الألباني، وتاريخ دمشق لابن عساكر)..
هذه هي قمة الاستدراك: كل موقف ضد الإسلام يقابله موقفان في سبيله، وكل درهم في محاربة الدين يقابله ضعفاه في نصرة الدين. هذا المنهج يمكنك اعتماده في رمضان. إن كنت قصرت في وردك القرآني – والحد الأدنى ختم القرآن كل أربعين يوماً كما في الحديث “اقرأ القرآن في أربعين”4(4) (رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني) – فاستدرك ما فاتك بختمات متعددة في رمضان. وإن كنت تكاسلت عن قيام الليل، ففي رمضان فرصتان عظيمتان للاستدراك: صلاة التراويح مع الإمام حتى ينصرف، فقد قال ﷺ: “مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ”5(5) (رواه أهل السنن وصححه الألباني)، وإتمام القيام بمائة آية، فقد قال ﷺ: “مَنْ قَرَأَ بِمِائَةِ آيَةٍ فِي لَيْلَةٍ كُتِبَ لَهُ قُنُوتُ لَيْلَةٍ”6(6) (رواه أحمد وصححه الألباني وحسنه شعيب الأرنؤوط)..
الخاصية الخامسة: تأخي مقصد الصيام الأكبر مع تزكية النفس
إن رأس المقاصد في رمضان هو ما نص الله عليه في كتابه: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (البقرة: 183). وختمت آيات الصيام بقوله: “كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ” (البقرة: 187). فتحقيق التقوى هو المقصد الأكبر، وهي وظيفة تزكية النفس. والتقوى: أن تجعل بينك وبين غضب الله وقاية، باجتناب ما نهى عنه وأداء ما أمر به.
رمضان جوهرة ثمينة لا توضع في بيت نجس. من لم يسع فيه لتطهير قلبه من دنس الشهوات وإصلاح عقله من خبث الشبهات، فإنه يفوته الركب. الناس في اليقظة مع رمضان على مشارب: منهم من يستيقظ لكنه ينام سريعاً، ومنهم من يستيقظ ويحتاج لمنبهات (كالأخ الصالح واعتكاف العشر الأواخر)، ومنهم من يستيقظ وينطلق لا يلوي على شيء. وقد وصف ابن الجوزي هؤلاء فقال: “ومن الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا، فهمهم صعود وترقي كلما عبروا مقاماً إلى مقام رأوا نقص ما كانوا فيه فاستغفروا”7(7) (صيد الخاطر: 119)..
رمضان ميزان العام
هذه الخصائص الخمس تجعل من رمضان ميزاناً للعام كله. ما تتلقاه فيه من مادة الإيمان في القلب هو بمثابة شحنة الكهرباء التي تختزن في البطارية وتقتات عليها الأجهزة بقية العام. على قدر ما تحصله من إيمان يبقى قلبك متماسكاً بعده شهراً أو شهرين أو أكثر. وقس على ذلك الصلاة فهي ميزان اليوم، والجمعة ميزان الأسبوع، والحج ميزان العمر. قال ابن القيم رحمه الله: “من صح له يوم جمعته وسلم… سلمت له سائر جمعته، ومن صح له رمضان وسلم… سلمت له سائر سنته، ومن صحت له حجته وسلمت له… صح له سائر عمره، فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحج ميزان العمر”8(8) (زاد المعاد: 1/398)..
خاتمة وتوجيه
كل ما تقدم محله إذا كنت في أجواء رمضان أو قاربه. أما إذا لم تكن كذلك، فعليك أن تعزم أمرك وتجمع قلبك وتمضي على بركة الله. باب الله مفتوح في رمضان وغيره، وحسن الأعمال ليس منوطاً بالمواسم الفاضلة وحدها، بل بقوة العزائم وإقبال الأفئدة. ابدأ من ساعتك، ولا تؤجل حيوية إقبالك لأول الأسبوع أو الشهر. وفي قوله تعالى: “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” (الزمر: 53) سلوى لكل مسرف على نفسه، ورحمة واسعة لا تنقطع.
الهوامش
(1) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).
(2)(رواه الترمذي، وصححه الألباني).
(3) (رواه النسائي وصححه الألباني، وتاريخ دمشق لابن عساكر).
(4) (رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني).
(5) (رواه أهل السنن وصححه الألباني).
(6) (رواه أحمد وصححه الألباني وحسنه شعيب الأرنؤوط).
(7) (صيد الخاطر: 119).
(8) (زاد المعاد: 1/398).
المصدر
الشيخ محمد بن محمد الأسطل، كتاب: “أنيس المُتعبِّد”، ص15-33 بتصرف.

