في مشهد يضرب عمق المأساة العربية، تنشر نيويورك تايمز صورة صادمة، وبطل القصة فيها هو الأردن. فبينما كان العالم منشغلاً بتفاصيل أخرى، كان الأردن يستعد بكل قوته لحماية السماء العبرية وضرب الأراضي الإيرانية. وليتها حتى قوته!
قاعدة باسم البطل.. لخدمة العدو
60 طائرة هجومية أميركية، معظمها من طراز F-35، رصدتها الأقمار الصناعية وهي تحط في قاعدة موفق السلطي. هذا الرقم يُعادل 3 أضعاف الطائرات المسموح بها في الظروف العادية. ولك أن تتخيّل، منذ الأحد الماضي فقط، تدفقت 68 طائرة شحن عسكرية أميركية محمّلة بالأسلحة والذخائر إلى القاعدة الأردنية.
أتعرف ما هو المُضحك حقًا؟ أن القاعدة تحمل اسم بطل أردني وهو موفق السلطي، الذي واجه عام 1966 سربًا من طائرات الكيان مع رفاقه. أسقطت طائرته وقفز بالمظلة، لكن العدو باغته بقذيفة، فلاقى ربه بطلًا مقدامًا. قرّرت الأردن تخليد اسمه بقاعدة عسكرية تخدم الكيان نفسه.. أي سخرية سوداء تلك!
الماء المرّ.. من يدير شريان الحياة؟
وهل أخبرك عن قصة أردنية أخرى قاتمة؟ الأردن بلد فقير مائيًا، هو ثاني أفقر بلاد الأرض في مصادر مياه الشرب. هناك مناطق ما تزال تعتمد على سيارات الشرب التي تزودهم بالمياه مرة أسبوعيًا ليملأوا بها الصهاريج فوق الأسطح.. نقمة الجغرافيا للأسف.
من أين يحصل الأردن على مياهه؟ من العدو الذي كان يمدّه وفقًا لاتفاق وادي عربة ب 50 مليون متر مكعب. كانت تلك فرصة للعدو لاستغلال المياه في الضغط السياسي. لكن الأردن قرّر تنفيذ مشروع عملاق باسم “الناقل الوطني” لتوفير مياه الشرب طوال العام.. خطوة عملاقة لا شك.
أخيراً سيتحرر الأردن من سطوة العدو؟ مهلا.. سوف نكتشف أن المشروع الأردني الوطني تسيطر عليه شركة سويز الفرنسية التي تمتلك 40% من أسهمها شركة Global Infrastructure Partners، المملوكة بكاملها لصالح صندوق الاستثمارات الشهير Black Rock، والذي بدوره يدير أصولًا كبيرة لشركة لوكهيد مارتن العسكرية الأميركية، وهي الشريك الحربي الأكبر لكيان الاحتلال.
لا بأس.. قد يبدو الأردن معذورًا. من أين يحصل على المياه إن لم يفعل ذلك، وهو في النهاية بلد فقير يعيش على المنح الدولية، ومن حقّه تأمين المياه لأبنائه؟ عذر قبيح لا شك، لكن نحاول تفهم الأمر قدر المستطاع: أن الأردن يدفع أموالًا – وهو مضطر – لشركات أشرفت على محو أطفالنا في القطاع، ويعهد للعدو الأزلي بالسيطرة على حياة الأردنيين.
لكن ما لا يُمكن تفهمه هو أن يكون الأردن أكبر قاعدة عسكرية أميركية لضرب إيران.. لماذا فعلًا؟ هذا فصل كارثي من الخيانة.. ولا مفر من شرحه.
ملك الحسابات الكارثية.. دروس من الماضي
الأردن ملك الحسابات الكارثية. ذات مرة قام الخليجيون بإذلال الملك حسين. كان الأردن يمر عام 1989 بأزمة مالية خانقة، دفعت الشعب للثورة في محافظة معان. كانت انتفاضة عارمة تلك التي شهدتها المدينة في 15 إبريل. حاصر المتظاهرون المباني الحكومية في الطفيلة وطردوا الشرطة والجيش واستولوا على معان فيما يشبه عصيان مدني.
ذهب الملك حسين في القمة العربية اللاحقة، في مايو 1990، وكانت تلك هي ذروة التوتر العراقي-الكويتي. خاطب زعماء الخليج الذين خذلوه قائلًا بيت الشعر الشهير: “أضاعوني وأي فتى أضاعوا.. ليوم كريهة وسداد ثغر”. وقد كان.
في أغسطس من نفس العام، قرّر الملك حسين الانحياز للعراق في قراره بغزو الكويت، رغم كل الخلافات التاريخية بين عمان وبغداد. وكانت خلافات عميقة بالمناسبة. أذكر لك واحدًا منها: كان العراق يمتلك 17 ألف جندي في الأردن قبيل أحداث أيلول الأسود. لما علمت بغداد بأن الملك حسين يتخابر مع العبريين والأميركيين من أجل تنسيق عمل عسكري ضد فصائل منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات، هدّد العراقيون بقيادة أحمد حسن البكر باستخدام الجنود العراقيين لإسقاط الملك حسين. وفي وقت متزامن، دفعت سورية بقواتها نحو مدينة إربد واحتلتها تقريبًا. أطبق العراقيون والسوريون كماشة على الملك حسين. لكن في النهاية، أرسلت واشنطن تهديدًا حاسمًا لبغداد ودمشق حال تدخلهما في المعركة القادمة، فجمّدا قواتهما، وهو ما مكّن الملك حسين من تنفيذ المهمة بسحق ياسر عرفات وطرده من الأردن.
الأردن تجاوز الماضي المرير، وباع قراره السياسي للعراق أملًا في الحصول على أموال النفط لإنقاذ العرش من الانهيار. وكان صدام حسين يعد الكل بالأموال، يقول لمبارك مثلًا بأن لأفقر فقير في صعيد مصر حق في النفط الكويتي، وفعل ذلك مع اليمن وغيرها. استجاب الأردن لإغراءات العراق المالية، ودفع الثمن مرًا وعلقمًا بعد عملية التحالف الدولي لإخراج العراق من الكويت.
العقاب الخليجي.. وثمن الانحياز الخاطئ
طردت دول الخليج 300 ألف أردني من أراضيها، وقامت بتجميد 700 مليون $ من المعونات الطارئة للملك. تخيّل؟ من فرط الركود الاقتصادي، تم إغلاق ميناء العقبة بالكامل لعدم وجود حركة تصدير للأسواق الأساسية في السعودية والكويت. كان عقابًا أليمًا دفعت عمّان أثمانه غالية.
إثر ذلك، لم تجد الحكومة الأردنية بقيادة عبد الكريم الكباريتي بدًا من توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي، الذي فرض إجراءات تقشفية صارمة رفعت أسعار الطعام والوقود، فاندلعت انتفاضة شعبية قاسية من جديد في الكرك ومعان، عُرفت باسم ثورة الخبز، ونجا منها الملك حسين بمعجزة.
من وقتها تغيّر الأردن بشكل جذري. كان قد وقّع للتو اتفاق وادي عربة مع الكيان، والذي كان محاولة من الملك لنقل التفاعل السري الشائن مع الاحتلال لساحة العلن. هو الزعيم العربي الذي لطالما اتُهم بخيانة أشقائه والسفر إلى نهاريا ونتانيا للاجتماع بجولدا مائير وإفشاء أسرار الاستعدادات العسكرية المصرية. بتوقيع وادي عربة، نجح حسين في تقنين خياناته السابقة في شكل اتفاق سلام، لكنه لم يكن كافيًا لاستعادة الغطاء الخليجي لنظامه. لم يغفر الخليجيون أو يسامحوا الأردن إلا في يوم جنازته عام 1999.
الخليج أولًا.. أميركا دائمًا
من وقتها تعلم الأردن الدرس: الخليج أولًا. كل القرار الاستراتيجي الأردني مرهون بالكامل للخليج. أي خطوة تتجه إليها الرياض سوف تحظى بتأييد عمّان. ربما تنشب خلافات عابرة، لكن الخط الأردني العام هو ما يقرره حكام قصر اليمامة. لكن ليس الخنوع أمام الخليج وحده، بل الأمريكيين وعلنًا.
تعرف الأردن جيدًا كيفية حماية العروش إذا ما استجدت أزمات. لم يعد بمقدورها الرهان على الخليج فقط، وكان لا بد من توقيع اتفاق دفاعي مشترك مع الولايات المتحدة، ينشر بموجبه البنتاجون عشرات الطائرات ومئات الجنود في قاعدة موفق السلطي. وحصل الأردن على ترقية في سلم الخدمات الأميركية: من شريك متعاون في السر مع العدو، لطرف في اتفاقية التطبيع، وأصبحت بعد تدشين القاعدة.. حائط الصّد الأول للدفاع عن الكيان ضد أي هجمات إيرانية. أصبح للعدو درع وسيف.. أصبح يمتلك الأردن.
الحشد الأكبر.. والهدف إيران
اليوم، تحشد الولايات المتحدة قوتها الضاربة، في أكبر حشد عسكري في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003. نتحدث هنا عن قرابة 230 طائرة هجومية على أقل تقدير، وقرابة 17 مدمرة، وحاملتي طائرات، إحداهما وهي جيرالد فورد تُعد أكبر قطعة بحرية صنعها الإنسان في تاريخه. هناك مئات من رحلات الشحن الجوي لنقل العتاد، وخمس قواعد عسكرية على الأقل تضم ما يقارب 30 ألف جندي أميركي في الكويت وقطر والإمارات والبحرين والأردن. وكل هذا الحشد هدفه الأول والأخير.. إيران.
وإن كنّا قد اعتدنا الخيانة من الخليج، فاليوم نعتادها من الأردن. البلد الذي فعّل بطاريات صواريخه وقت حرب الإثني عشر يومًا لحماية سماء العدو. البلد الذي اعترض صواريخ الحوثي وأوقف بقبابه الصاروخية الأميركية ثأرًا كنا ننتظره لأرواح أطفالنا. البلد الذي يُقرر اليوم إلى أي صف ينحاز: صف قوى الاستكبار في استهداف إيران.
لن يسكت الضمير
سيخبرك الكاذبون أن سقوط إيران ضروري لاستتاب الأمن في المنطقة، سيهمسون في أذنك بأن نظام الثورة الإسلامية يقود المنطقة لحرب مجنونة، سيعيدون على مسامعك ألف كذبة وفرية. لكنهم لن يخبروك أنهم بسحق إيران إنما يرغبون في سيادة العدو على بلادنا. العدو الذي يمتلك 200 رأس نووية فلم تزعجهم، والذي قضم ألوف الكيلومترات من أراضينا فلم تضايقهم، والذي يُهددهم علنًا بضم دولهم فلم تُستنفر حميّتهم. فقط تضايقهم إيران.
والثمن بخس جدًا يا أردن.. سيادة ملك.. وشربة ماء.
اليوم نعلم الخونة.. واليوم لا نسامح!
المصدر
صفحة الأستاذ عبده فايد، على منصة ميتا بتصرف.
اقرأ أيضا
نقاط حاكمة في فهم أحداث المنطقة

