قراءة في سيرة الشهيد وبناء جيل المعركة والوعي
في خضم التحولات الكبرى التي تعصف بالأمة الإسلامية، تبرز من رحم المعاناة نماذج استثنائية تعيد صياغة مفاهيم التضحية والبطولة. تسلط هذه المقالة الضوء على الحوار العميق الذي استضافه “جسر بودكاست” مع الدكتور عبد الرحمن زكي حماد، للحديث عن شقيقه الشهيد محمد زكي حماد (أبو زكي)، صاحب الكتاب الاستثنائي “تحت راية الطوفان.. خندق خباب”. كُتب هذا العمل الفريد على عمق خمسين متراً تحت الأرض، وسط أعتى المعارك في غزة، ليجسد إرثاً روحياً وعسكرياً وفكرياً لا يُنسى. تستعرض هذه المقالة تحليلاً شاملاً لحياة الشهيد، وتغطي أدق التفاصيل المتعلقة بنشأته، ورحلته مع القرآن، ومسيرته العلمية والجهادية، وصولاً إلى كرامات الأنفاق، وتقديم نقد لاذع لواقع الأمة، مع رسم خريطة طريق واضحة لبناء “جيل الطوفان”.
النشأة القرآنية المبكرة وبناء الروح
وُلد الشهيد محمد زكي حماد عام 1994، وارتقى شهيداً في عام 2025 عن عمر يناهز 31 عاماً. ورغم قصر هذا العمر بحساب السنين، إلا أنه كان حافلاً بإنجازات تُضاهي ما حققه قادة الأمة الأوائل كأسامة بن زيد ومحمد الفاتح. نشأ محمد في أسرة غَزّية مباركة تتكون من ستة شبان وأربع شقيقات، وهو ما يمثل تحدياً لثقافة تقليل الإنجاب الغربية الدخيلة التي تسعى لتغيير ديموغرافية المسلمين. ظهرت علامات الذكاء والنبوغ على محمد منذ كان في الثالثة أو الرابعة من عمره، حيث بدأ مسيرة حفظ القرآن الكريم مبكراً، وهي العادة المتأصلة في العائلات الملتزمة في غزة، ليُتم حفظه كاملاً وهو في العاشرة من عمره بفضل الله ثم بفضل والديه. لم تكن علاقته بالقرآن مجرد حفظ، بل كانت ارتباطاً عميقاً تجلى في الفهم والتدبر والسؤال عن معاني الآيات.
منّ الله عليه بصوت نديّ وقدرة عجيبة على تقليد كبار المقرئين، حتى عُرف بإنشاده لقصيدة “أحبتي خذوا سلامي” بصوته الذي بات بصمة خاصة به. سلك محمد طريق إتقان التجويد والقراءات، متدرجاً في الدورات حتى حصل على الإجازات والسند المتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ على كبار مشايخ غزة مثل الشيخ حامد أبو وردة، والشيخ بلال عماد، والشيخ هاني العلي. كان يتكبد عناء السفر فجراً ليقرأ على شيوخه، حتى بعد ليالي الرباط الطويلة والشاقة التي تمتد لاثنتي عشرة ساعة؛ فكان يغلبه النعاس وتسقط رأسه من التعب، إلا أن لسانه لم يكن يتوقف عن التلاوة الصحيحة، حتى صوره شيخه ذات مرة مندهشاً من قراءته للقرآن وكأنه نائم.
أسس محمد لمشروع “قرآن كامل بلا أخطاء”، حيث كان من أوائل من سرد القرآن الكريم كاملاً في جلسة واحدة من الفاتحة إلى الناس في منطقته بغزة، مستلهماً حديث “اقرأ وارتق”. ولم يكتفِ بذلك، بل أخذ على عاتقه تخريج غيره، فأشرف على عشرة قراء سردوا القرآن كاملاً، ليصبح من مؤسسي مشروع “صفوة الحفاظ” العظيم.
العمل المؤسسي والدعوي: من غزة إلى العالم
التقطت مؤسسة “دار القرآن الكريم والسنة” هذه الطاقة الجبارة، فعمل محمد في أقسامها حتى أُوكلت إليه إدارة الأكاديمية الإلكترونية. انطلق محمد بوعي رسالي قائلًا: “لا نريد حصر هذا الخير في غزة، بل للعالم أجمع”، فقدمت الأكاديمية دورات منتظمة في القرآن، التجويد، التفسير، والسيرة لطلاب في أكثر من سبعين دولة، بلغات متعددة لغير الناطقين بالعربية. كما نظموا دورات استثنائية للمكفوفين (بطريقة برايل) وللصم والبكم (بلغة الإشارة)، إيماناً بأن نور القرآن حق لكل إنسان.
علاوة على ذلك، كُلّف محمد بالإشراف على تسجيل عشر ختمات قرآنية بأصوات قراء غزة. كان يجلس قبالة القارئ ليصحح أدق تفاصيل التجويد كطول الغنة، ويبقى في الاستوديوهات حتى منتصف الليل متجاوزاً ساعات عمله الرسمية. كما نقل هذا النور للمجاهدين، فكان من مؤسسي “كتيبة الحفاظ” التي تضم آلاف المقاتلين الحفظة، يعقد لهم جلسات التسميع والتدبر وسط رباطهم.
العبادة والتبتل: حياة لا تعرف الراحة
تساءل الكثيرون: كيف اتسع وقت محمد لكل هذا؟ يجيب الدكتور عبد الرحمن بأن السر يكمن في “الصدق مع الله والإخلاص”، فقد هانت عليهم أنفسهم وراحة أجسادهم في سبيل مرضاة الله، حتى أن محمداً كان يكتفي بساعتين من النوم يومياً. كان إماماً وخطيباً يتبع وزارة الأوقاف، لكنه لم يكن إماماً عادياً؛ فقد كان يختم القرآن تسلسلياً في الصلوات الجهرية (المغرب، العشاء، الفجر)، وحين يصل إلى سورة الناس يجمع المصلين لدعاء ختم القرآن. كان الناس يتوافدون من أطراف المدينة للصلاة خلفه لسماع تلاوته التفسيرية الباكية التي تجعلهم يشعرون وكأنهم يسمعون القرآن لأول مرة.
في شهر رمضان، كان مسجد العجمي في بيت حانون (مسجد الختمة) يغص بالمصلين، حيث يقرأ محمد جزءاً كاملاً كل ليلة في التراويح ليختم القرآن بنهاية الشهر، ثم يجمع الشباب لقيام الليل والتهجد الإضافي. وكان يعتكف العشر الأواخر بالمسجد منذ صغره بلا انقطاع. ومن أروع قصصه أنه سافر إلى إندونيسيا في مهمة دعوية لإمامة الناس وتعريفهم بقضية فلسطين، وطلب تكثيف جدوله ليعود يوم 20 رمضان؛ وبمجرد وصوله لغزة مساء ذلك اليوم، سلم على والديه وزوجته وأطفاله متكبداً عناء السفر، وقال لهم: “هذا ليس وقتكم، إنه وقت الاعتكاف”، فمضى للمسجد ولم يعد إلا يوم العيد.
أما قيام الليل، فكان بالنسبة له فريضة لا تُترك مهما بلغت قسوة الظروف. يحكي في كتابه أنه حتى لو غلبه النعاس بعد ليلة اشتباك وكمين مرهقة، كان يقضي قيام الليل في اليوم التالي. وقد انتشر له مقطع مصور وهو يسير ليلاً متكئاً على عصا، تحت أزيز طائرات الاستطلاع، متحدثاً عن قيام الليل وكيف تربى جيل الصحابة في محاريب الظلام.
مسيرة العلم الشرعي: عالم موسوعي في ريعان الشباب
جمع محمد بين قوة الحفظ وعمق الفهم والتحليل. بدأ طلب العلم الشرعي صغيراً، فكان يقرأ التفاسير، وشروح الأربعين النووية، ورياض الصالحين في المرحلة الإعدادية. برع في الفقه الشافعي حتى صنف كتاباً من 350 صفحة بعنوان “غيث اليراع في شرح متن أبي شجاع”، وهو لا يزال مخطوطاً بانتظار الطباعة. كان يشرح قضايا الفقه المعقدة كالحيض والمواريث لزملائه في الثانوية العامة.
لم يترك محمد شيخاً في غزة إلا وأخذ عنه؛ فقرأ الصحيحين والكتب الستة على الشيخ وجدي أبو سلمة، وأخذ السلوك والتزكية عن الشيخ زكريا شحادة، والسيرة ومصطلح الحديث عن الشيخ بسام الصفدي، والفقه الشافعي (المنهاج وأبي شجاع) عن الشيخ رامز الدالي، والتفسير عن الشيخ يونس الأسطل. شهد له شيوخه بالتفوق، حتى قال أحدهم بعد استشهاده: “والله ما حزنت على أحد كما حزنت على محمد.. كنت أرجو أن يكون عالم الدنيا”. كان يبهر شقيقه الأكبر -الذي يعتبر بمثابة شيخه- باستحضاره الدقيق للأقوال الفقهية للمذاهب المختلفة.
حصل على الماجستير في التفسير برسالته “القيم الإعلامية في الخطاب القرآني”، والتي رد فيها على الغزو الفكري الغربي مؤكداً أن القرآن يحمل قيماً إعلامية قادرة على صد هذه الهجمات. كتب أيضاً كتيباً مبتكراً بعنوان “النيات والاحتساب في المهن والصناعات”، يوجه فيه كل صاحب مهنة (كالحلاق والمهندس والسائق) لكيفية تحويل عمله إلى عبادة لدعم الإسلام. كما كتب سلسلة من 30 حلقة بعنوان “كيان مأزوم” أثناء الحرب، يحلل فيها بعقلية الخبير الأمني والاستخباري كيف سيسقط الكيان الصهيوني من الداخل بفعل الأزمات الديموغرافية، الأمنية، التكنولوجية، والخلافات الدينية. فضلاً عن سلسلة “بين ظلال رمضان” التي تغطي فقه الصيام وتاريخ الفتوحات.
اهتم بالسيرة النبوية بشكل استثنائي، فاعتكف على دراستها من عشرة مراجع كبرى (كسيرة ابن هشام، الروض الأنف، الرحيق المختوم، فقه السيرة للغزالي، وسيرة الصلابي)، وكان يشرحها للناس كل أربعاء، وقد أكمل قراءتها وتلخيصها كاملة وهو داخل الأنفاق أثناء الحرب. كل هذا الإرث يذكرنا بالإمام النووي الذي مات شاباً وترك علماً غزيراً.
الحياة الاجتماعية والأسرية: القائد الحازم والأخ الحنون
كان محمد نموذجاً للمسلم الشامل: “أشداء على الكفار رحماء بينهم”. ففي الميدان، كان أسداً هصوراً وقائداً عسكرياً حازماً تهابه الأعداء. أما في بيته ومع أصدقائه، فكان صاحب روح مرحة ونكتة حاضرة، حتى أن أصدقاء شقيقه اعتبروه “خير خلف لخير سلف” أثناء سفر أخيه. كان أحب الأبناء لوالديه، ومقرباً جداً من إخوانه، حيث كان يجمع أطفال العائلة ليلعب معهم لساعتين متواصلتين، يقدم لهم المسابقات والهدايا، ثم ينقلهم لمرحلة الجد ليعلمهم الوضوء والغسل وأحكام الطهارة، أو يشرح لهم سورة من القرآن في أرضهم الزراعية التي جرفها الاحتلال. لم ينسَ صلة الرحم، فأنشأ “مجموعة صلة الرحم” على الواتساب ليوزع المهام على إخوته بزيارة الأخوات والعمات، ليكون صالحاً ومصلحاً لغيره.
المسجد في غزة: دولة مصغرة وصناعة للرجال
كان محمد “أمير مسجد العجمي” في بيت حانون، ومصطلح “أمير المسجد” في غزة يعكس نظاماً فريداً لا نظير له في العالم، وهو السبب الرئيسي لاستهداف إسرائيل لمساجد غزة باعتبارها “مصانع للرجال”. المسجد في غزة ليس مكاناً للصلاة فقط، بل هو “دولة مصغرة” تدير شؤون آلاف العائلات.
تحت قيادة الأمير، تُقسم اللجان لتشمل: “اللجنة الدعوية” (أسابيع دعوية، مسابقات، تعليق ملصقات)، “اللجنة الاجتماعية” (متابعة المواليد، المرضى، الأفراح، والأحزان)، “اللجنة الصحية” (ندوات طبية، حملات ختان مجانية، تبرع بالدم، مواجهة كورونا)، “اللجنة الرياضية” (دوريات سباحة، كرة قدم، تنس)، و”لجنة القرآن”. كان محمد بصفته الأمير مسؤولاً عن متابعة الأسر الفقيرة وتصنيف احتياجاتها (أ، ب، ج) لتوزيع المساعدات والكوبونات. كما نظم المسجد لجان تقوية دراسية للطلاب وقت الامتحانات. وفي المواسم كرمضان، كان محمد أول من يمسك المكنسة لينظف شوارع المنطقة في حملات تطوعية، مجسداً تواضع القادة والعلماء الذين ينزلون للميدان كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق.
رحلة الإعداد والجهاد: من الجندي إلى القائد
التحق محمد بمنظومة الجهاد وهو في السادسة أو السابعة عشرة من عمره. العمل الجهادي في غزة ليس نشاطاً مؤقتاً وقت الحروب، بل هو أسلوب حياة يومي ومستمر يشمل دورات تأهيلية، رباط ليلي، حفر أنفاق، وتطوير تخصصات عسكرية (هندسة، قنص، مدفعية).
تميز هؤلاء الشباب بلياقة بدنية مرعبة ومخادعة؛ فأجسامهم نحيلة ولا تعرف “الصالات الرياضية” (الجيم) وثقافة كمال الأجسام والمكملات، لكن الشاب منهم قادر على الركض لعشرة كيلومترات وأداء مائة تمرين ضغط بسهولة، وهزيمة أصحاب العضلات الضخمة في قوة التحمل. فالقوة لديهم هي قوة الأعصاب والإرادة، حيث يتدربون في أيام السلم على “التعايش” في أراضٍ قاحلة لثلاثة أيام متتالية، لا يملكون فيها سوى زجاجة ماء صغيرة وثلاث تمرات يومياً، ليتعودوا على شظف العيش استعداداً ليوم الابتلاء.
تدرج محمد في الرتب من جندي إلى قائد مجموعة، ثم قائد فصيل للتدخل السريع، ثم نائب قائد سرية وقائد قطاع جُغرافي كامل. كان أباً لجنوده وملاذاً لحل مشاكلهم؛ ومما يروى أنه تلقى اتصالاً من شخص مدين بمبلغ كبير (3000 دولار) يطلب مساعدته، فرغم ضيق ذات يد محمد، طمأن الرجل ووعده خيراً، وسعى في اليوم التالي ليجمع له المبلغ من أهل الخير ليفك كربته. وقد كتب محمد في مذكراته: “من أجمل المشاعر أن يبيت إنسان في ضيق ثم يطرق بابي لأكون أنا حلاً لمشكلته”. في معركة طوفان الأقصى، كان فصيله أول الفصائل المشتبكة وأول من تقدم للخطوط الأمامية، وأوقعوا في العدو خسائر فادحة.
تحت راية الطوفان: كتابة التاريخ من رحم الأنفاق
في وسط هذه الأهوال، حيث الظلام الدامس ونقص الأكسجين على عمق 50 متراً تحت الأرض، كان محمد يستغل دقائق الراحة القصيرة ليخرج أوراقه وقلمه ويكتب كتابه “تحت راية الطوفان” مستعيناً بضوء خوذته البسيط. لم يكن يملك أجهزة ذكية، فالهواتف ممنوعة تماماً لخطورتها الأمنية (بصمة الصوت كافية لجلب قصف يدمر المكان بأكمله). كان يكتب بتركيز عقلي مهول لدرجة تدهش العلماء المختصين.
كان محمد يكتب ولا يتوقع أن تُنشر هذه الكلمات، بل كان يعتقد أنها قد تُدفن معه، لكنه كتب تطبيقاً لحديث “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها”. خلال هدن الحرب المتقطعة، كان يسرب أوراقه لشاب يطبعها ويرسلها سراً لشقيقه الدكتور عبد الرحمن في الخارج. اشترط محمد ألا يُكتب اسمه على الكتاب، بل طلب نشره باسم مستعار “حذيفة الغازي”، حرصاً على الإخلاص التام لله وخوفاً من الرياء.
تربى هذا الجيل على إنكار الذات، فلا يكشفون عن وجوههم حتى بعد استشهادهم في مقاطع الفيديو، ولا يبحثون عن المجد الشخصي، بل يكتفون بأن الله يعرفهم، تماماً كما بكى عمر بن الخطاب حين قيل له عن شهداء نهاوند “وآخرون لا تعرفهم يا أمير المؤمنين”. أرسل محمد الصفحات الثلاثين الأخيرة من كتابه قبل استشهاده بأربعة أيام فقط، وكأنها وصيته الأخيرة للأمة.
كرامات وبطولات من جوف الأرض
حوى الكتاب قصصاً تقشعر لها الأبدان وتشبه كرامات الصحابة. الأنفاق بالنسبة لهم هي “قبور أحياء”؛ مساحتها ضيقة (1.5 عرض × 1.8 ارتفاع)، حُفرت بالأيدي وبأدوات بدائية كـ “القدوم”، ما تسبب بأمراض غضروفية للشباب وبتر لأصابعهم وتهتك في رئاتهم. ورغم ذلك، لم تضعف عزائمهم.
في إحدى المرات، انقطع عنهم الماء والطعام لمدة عشرة أيام، وكانوا 15 مقاتلاً معزولين ظن إخوانهم أنهم استشهدوا وصلّوا عليهم صلاة الغائب. عاشوا هذه الأيام على غطاء زجاجة ماء صغيرة يتداولونها؛ كان محمد يصب قطرات الماء في الغطاء ليتأكد من تقنينه. ورغم الجوع والعطش، أكملوا 3 ختمات للقرآن الكريم، وقال محمد: “كنت أقرأ القرآن كأنني آكل طعاماً وأتزود بالزاد”، حتى فجّر الله لهم نبع ماء من أرض النفق شربوا منه ومدوا منه خراطيم لغيرهم.
وفي موقف آخر، نفد طعامهم فرصدوا مستودع إمداد لوجستي للعدو مليئاً بالأطعمة والمكسرات واللحوم. بادروا بفتح عين نفق قديمة ومردومة بعملية تمويه معقدة، واقتحموا المستودع وأفرغوه بالكامل ونقلوه للأنفاق قبل أن يفجروا الفتحة ليخفوا أثرهم. كان الطعام يكفي الكتيبة لشهر كامل، وكتب محمد ساخراً: “انظر إلى غباء الكافر، يصنع الطعام ويغلفه وينقله ليكتبه الله لنا لنتقوى به على قتلهم”.
ومن البطولات الفذة، عملية استشهادية لاستهداف نائب قائد لواء الناحال الإسرائيلي. بعد أن قصفت الطائرات أسلاك العبوات الناسفة، قرر أحد الأبطال تنفيذ “مهمة انغماسية”، فودع إخوانه وحمل العبوة بيده وركض بها بين دبابات العدو وزرعها وفجرها. ظن إخوانه أنه استشهد، لكنه عاد من وسط الدخان والدمار باكياً يعتذر: “سامحوني سامحوني.. لقد عدت حياً!”، في مشهد إيماني يعجز القلم عن وصفه.
ولم تقتصر حياتهم على القتال، بل تجلى إيمانهم في العبادة؛ حيث يروي محمد أنه تفقد أخاً جريحاً مقطوع اليد ومكسور القدم في النفق، وفي طريق عودته وجد قائد الكتيبة الحازم يبكي في صلاة قيام الليل في دهاليز النفق داعياً الله: “يا رب من أجل المحاريب والمآذن والمساجد… يا رب كلفتني حملاً ثقيلاً فخففه عني”. كما ذكر أعجب مجالس السند في التاريخ، حين كان قائد الكتيبة ينزل ليجلس بين يدي محمد لثلاث ساعات يومياً بعد العشاء وسط الحرب والاجتياحات، ليقرأ عليه ختمتين كاملتين للقرآن الكريم بالسند المتصل في عمق الأنفاق.
رؤية فكرية ثاقبة: نقد الواقع وحب الرسول صلي الله عليه وسلم
يعتبر كتاب “تحت راية الطوفان” منهجاً متكاملاً (فقه، تفسير، فكر، تاريخ، وسيرة). انتقد محمد بشدة الأصوات المنهزمة من الدعاة الذين يطالبون بـ”تجديد الخطاب الديني” بينما يغيبون تماماً عن نصرة طوفان الأقصى، وبقوا يكررون دروس “كيف نستقبل رمضان بالزينة” بدلاً من استقباله بالثورة على الظلم.
أكد أن الطوفان كسر هيبة الظالم، وأن من أعظم جرائم العصر “تغييب العلماء في السجون”، ذاكراً شيوخاً كالشيخ سلمان العودة، وعبد العزيز الطريفي، وحازم أبو إسماعيل، وغيرهم (نحو 70 عالماً)، معتبراً أن أولى مهام الكتائب المظفرة يجب أن تكون تحريرهم. كما وجه رسالة حادة لإمام الحرم الذي يقرأ آيات الجهاد والقتال في رمضان بصوت نديّ ثم يعود لقصره دون موقف حقيقي لنصرة المظلومين، مؤكداً أن الدين دين سيادة وتغيير للأنظمة العالمية وليس مجرد إصلاح فردي.
تجلى حبه العميق للنبي صلي الله عليه وسلم في مسيرته العلمية؛ فقد درس مع فصيله 5 مراجع كبرى في السيرة على مدار 5 سنوات (الأرجوزة الميئية، الشفا للقاضي عياض، الشمائل المحمدية، وما لا نعرفه عن رسول الله لحازم أبو إسماعيل). وقبيل الحرب بأيام، بكوا جميعاً وهم يقرأون كتاباً عن وفاة النبي للشيخ نزار ريان. بكى محمد في العمرة أمام قبر النبي مستشعراً عظمة الأمانة، وفي سنة الحرب حين حُرم أهل غزة من الحج، أرسل مع الحجاج رسالة مبكية يبلغ فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم بأن غزة قدّمت أشلاءها ودماءها ومنازلها دفاعاً عن مسراه الذي دنسه اليهود، وأن غزة تحبه كما يحبها جبل أحد، وأن رايتها لن تسقط.
صناعة “جيل الطوفان”: منهجية التربية والإعداد
لم يظهر هذا الجيل فجأة، بل هو نتاج تربية منهجية متكاملة تبدأ من “رياض الأطفال الإسلامية” التي تديرها مربيات رساليات، وتستمر عبر ارتباط عضوي بالمسجد لا ينفك عنه الشاب أبداً. يمر الشاب بـ”الكتلة الإسلامية” في المدارس، والمخيمات الصيفية التي تتبنى قيماً كصناعة المسؤولية.
ثم تأتي “الجامعة الإسلامية” (وهي غير مختلطة، مما يحافظ على تركيز الطلاب وتفوقهم)، والتي تلزم جميع طلابها -مهما كانت تخصصاتهم من طب وهندسة وغيرها- بحفظ خمسة أجزاء من القرآن (الأحقاف، الذاريات، قد سمع، تبارك، عم) مع التفسير، ودراسة السيرة والعقيدة. رافق ذلك “الإعداد العسكري الإلزامي”؛ حيث يتدرب الجميع على فك وتركيب السلاح والرماية وإلقاء القنابل، تطبيقاً لأمر النبي بالرماية والسباحة.
كان القدوة حاضراً بقوة؛ فالشيخ في غزة يلبس اللباس العسكري ويتقدم الصفوف ويجوع ويرابط، ولا يكتفي بـ”العباءة والبخور”. عاشوا الزهد اختياراً لا اضطراراً، فكان محمد يقسم راتبه البسيط إلى ثلاثة أثلاث: ثلث لبيته، وثلث لكتائب القسام، وثلث للعمل الدعوي في المسجد. هذه البيئة المعبأة بـ “الدماء والشهادة” أبقت القلوب حية مستعدة للقاء الله.
الشهادة وإحياء الأمة: ختام المسيرة
كان محمد يبحث عن الشهادة في كل مظانها، حتى استهدفه العدو في 12 يوليو 2025 ليرتقي شهيداً متأثراً بإصابة بالغة في رأسه. تلقت والدته النبأ بالحمد وقالت وهي تودعه: “فزت يا أبو زكي، مبارك الشهادة يما.. كأني ربيتك وكبرتك لهذا اليوم”. ورغم القصف والظلام، خرج المئات من تلاميذه ومحبيه في جنازته يهتفون أهزوجة مبكية: “اهنأ اهنأ يا شيخنا.. الله وعدكم جنة”، مجددين العهد على طريق الجهاد.
هذه الدماء أحيت الأمة، فمظاهرات إدلب ودمشق عادت لتهتف “خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود”. أما الكتاب الذي خطه تحت الأرض، فقدتهافتت عليه دور النشر ليُطبع ويُترجم إلى ست لغات عالمية (الفرنسية، الإنجليزية، التركية، الروسية، البنغالية، والماليزية). وكما قال سيد قطب واستشهد به محمد: “ستبقى كلماتنا عرائس من شمع ميتة، حتى إذا متنا من أجلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة”. أبكى الكتاب كبار العلماء كالشيخ نواف التكروري الذي عجز عن التوقف عن قراءته، والدكتور محمد الجوراني الذي قرأه ثلاث مرات متتالية باكياً.
من أمة في “نفق التيه” إلى جيل الطوفان
يختم الدكتور عبد الرحمن حديثه بتشخيص دقيق لواقع الأمة، مؤكداً أن الأمة تمر اليوم في “نفق التيه”، لكن طوفان الأقصى كان الضربة الكبرى التي زلزلت الطغيان. ورغم قتامة المشهد والخذلان، إلا أن الأمة تترقب ولادة جيل “شرس” لن يقبل بأنصاف الحلول ولا بـ”الدعاة المنهزمين”. لقد رسم الشهيد محمد زكي حماد بدمائه وكلماته منهجاً متكاملاً، يثبت أن العودة لقيادة العالم لا تتحقق إلا بتجاوز الخلافات الداخلية (سلفي، صوفي، إخواني، عربي، كردي)، والتوحد خلف راية الإسلام الصافية، والإعداد الحقيقي للمواجهة.
دعوة للتفاعل
بعد أن رأينا كيف صنع المنهج القرآني المتكامل والعمل المؤسسي الدؤوب والميداني “جيل الطوفان” في غزة، هل نحن مستعدون اليوم لتغيير مناهجنا التربوية وحياتنا اليومية لنصنع في مجتمعاتنا نماذج قادرة على استكمال مسيرة هذا الجيل في تحرير الأمة ومقدساتها؟


