أيهما خير للإنسانية القيم أم المادة

العالَم ليس كما ترسمه أدبيات العلمانيين الكاذبة الفاجرة.. العلمانية هي التي جعلت المرأة مجرد سلعة، وتفننت في إخراجها من حماية زوجها وأسرتها وعشيرتها وقبيلتها ومجتمعها المتماسك لتكون في عراء الحاجة وحدها..

أولاً: انكسار القوامة.. المنبع الأول للضحايا

موضوع أبستن هذا يفجر موضوعات كثيرة جدا ومتشعبة جدا جدا جدا.. وفي محاولة لكي ألملم ما يمكن أن يُقال باختصار شديد..

1- لقد كانت الضحايا من النساء اللاتي انكسر عنهن حماية الرجال.. من بنات الأسر المفككة، أو ممن تشبعن بحرية المرأة في السفر والانتقال بغير محرم، أو ممن تملكتهن رغبة تحقيق الذات والاستقلال ولو كان بالعمل خارج البلد، أو من محبات الشهرة والمال.. إلخ!

هنا إذن كان المنبع.. تلك المجتمعات التي انكسرت فيها حماية الرجال للنساء، وانكسرت فيها قوامة الرجل على المرأة، وانخلعت فيها المرأة من رجال يقومون بأمرها ويتكلفون نفقتها ويرون أنفسهم مسؤولين عنها.. هنا وُجِدت الكثير من النساء اللاتي يمكن أن يؤخذن إلى حيث يُفْعَل بهن ما شاء شياطين الإنس والجن..

وهو ما ينبغي أن يُنَبِّه الجميع، ويُنبِّه الرجال قبل النساء، إلى خطورة كل فكرة تدعو لخلع المرأة من قوامة الرجل وحمايته.. وخطورة كل فكرة تقلص من سيادة الرجل في بيته أو تخفف عنه مسؤوليته في رعاية نسائه: أمه وأخته وزوجه وابنته!

وبطبيعة الحال، فلن تستقيم رعاية الرجال للنساء ولا حمايتهم لهن إلا إن كانت لهم القوامة عليهن.. وهو أمرٌ لا يستقيم على حاله إلا في مجتمع يزداد تدينا وتماسكا..

ثانياً: شهوة الرجل ووهم حماية القانون

2- الرجل مهما بدا غنيا ووسيما ومهذبا وصاحب ثراء واسع ومتحليا بالرقي الغربي، يظل رجلا.. رجلا ذا شهوة.. بل إن ازدياد ثرائه وارتفاعه في مراتب الجاه والنفوذ والسلطة يزيده جبروتا وفرعونية وطغيانا..

والمرأة، مهما بدت في مجتمع يوفر لها حرية وتميزا قانونيا ويمكن لها أن تفعل ما تشاء من التعري والتهتك دون أن يحق لأحد انتهاك جسدها.. تظل امرأة.. امرأة تبحث عن إشباع حاجتها إلى رجل، يشبع غريزتها الفطرية في الحب والسكن، وفي الشهوة أيضا.. وما أحسن أن يكون هذا الرجل فوق ذلك كله صاحب ثراء واسع ونفوذ كبير وسلطة عاتية..

ولهذا، فهي تلقي بنفسها إلى من يستطيع خداعها، أو حتى: من تتوهم هي أنها تستطيع خداعه لتظفر منه بما تريد.. فسواءٌ كان هو أذكى منها فخدعها، أو كانت هي تتوهم أنها تخادعه، فالحاصل في نهاية الأمر أنها في واقع الحال تحتمي بالرجل.. لا بالقانون!

(وهل مسار القانون نفسه إلا مسار من الرجال الذين يعرضون المساعدة وهم أنفسهم يفكرون في الظفر بالمرأة إن وجدوا إلى ذلك سبيلا!)

فإذا استطاع الرجل، لا سيما إن كان صاحب ثروة وسطوة، أن يكون فوق القانون.. فما أبأس المرأة وحالها ومصيرها.. إنها حينئذ تتحول إلى آلة على هيئة بشر، يُطلب منها أن تفعل بنفسها ما لا يُمكن أن يُطلب من الحيوانات، لكي تحقق المتعة اللعينة لرجال هذا العالم الخارج عن القانون!!.. ولن يسأل عنها أحد! ولن يستطيع أحد أن ينقذها مما انحطت إليه.

البنات اللاتي تسحبهن جاذبية الشهرة والمال لا يعرفن حقيقة الجانب المظلم من حياة المشهورات ذات المال.. لقد مرّت هؤلاء النسوة على محن شنيعة، بذلت فيها الشرف والكرامة وكل أنواع الإنسانية لكي تدخل باب الشهرة، ولكي تستمر فيه..

العالَم ليس كما ترسمه أدبيات العلمانيين الكاذبة الفاجرة.. العلمانية هي التي جعلت المرأة مجرد سلعة، وتفننت في إخراجها من حماية زوجها وأسرتها وعشيرتها وقبيلتها ومجتمعها المتماسك لتكون في عراء الحاجة وحدها.. وقد صدق الذي قال: المعنى الحقيقي لحرية المرأة هو حرية الوصول إلى المرأة.

ثالثاً: السؤال الكبير: المادة أم الروح؟ الجاهلية أم الهداية؟

3- الحضارة الغربية شيطانية، لم يعد في ذلك شك، ظاهرها المعلن وباطنها الذي يتكشف.. وما خفي أعظم!

وإنما الذي يتكشف يزيد المؤمن إيمانا، ولعله يهدي من يحب أن يهتدي.. ولكن المعلن كاف وواف.. وما نبأ غزة عنا ببعيد!!

وهو ما سيطرح دائما السؤال القديم المقيم، والسؤال الفارق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، والسؤال الفارق بين أهل الدنيا وأهل الآخرة..

إنه سؤال المادة والروح.. سؤال البنيان والإنسان.. سؤال القيم والآلات..

أيها خير للحضارة والإنسانية: رفاهية ناطحات السحاب والهواتف الذكية والانترنت، ثم تستعمل هذه كلها في استعباد الإنسان وتحطيمه وتعبيده لغيره من البشر.. فيفتك القوي بالضعيف ويستمتع به ويسحقه ويأكله ويشرب دمه -حرفيا ومجازا معا-..

أم أنه خير للإنسانية لو بقيت في بيوت الشعر والطين، وجلب الماء من الآبار بالدلاء، والسير وراء الغنم والجِمال.. ثم إنهم قوم لا يستعبد بعضهم بعضا ولا يخطر ببال القوي أن يستمتع بكرامة الضعيف وعرضه؟!

لو لم يكن إلا هذان الخياران، فأيهما خير للإنسانية؟!!

هذا هو السؤال الكبير.. وكل ما تحته دهاليز وتفاصيل!!

وذلك هو عمل الأنبياء، فلم يُبعث الأنبياء دائما في مجتمعات فقيرة ومتخلفة، بل بُعثوا في ذرى حضارة مادية، عند قوم ينحتون الجبال بيوتا فارهين، ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون، ويقيمون في جنات وعيون وزروع ومقام كريم، ولهم صروح شاهقة وأهرام ومسلات وتماثيل شاخصة.. وعندهم نُظُم وقوانين وتراتيب إدارية، ووزارات وهيئات ومحاكم وقضاة..

وجابه الأنبياء هذا كله بأنها جاهلية، وبأن القوم يفتقدون المعنى الأساسي الأول والأكبر: معنى عبادة الله..

عبادة الله التي تعيد ترتيب الأمور، القيمة الكبرى التي تنظم علاقة الإنسان بغيره، وبالكون من حوله، وتأخذ ببصره ومشاعره وضميره فتخلعه من الدنيا وترنو به إلى الآخرة..

لقد كانت كل المظاهر المادية المترفة في ميزان الحق والحقيقة = جاهلية يجب محاربتها ومكافحتها!.. ولهذا جاء الأنبياء، وبهذا قام الميزان في الأرض والسماء، وعلى هذا يكون الحساب والثواب والجزاء..

اسمع وتأمل، وتشرب هذه الآية..

{ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذي الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصبّ عليهم ربك سوط عذاب}.

المصدر

صفحة محمد إلهامي، على منصة X.

اقرأ أيضا

الجاهلية المعاصرة وصراع المرجعية: الله أم الإنسان؟

بداية سقوط الحضارة الغربية

انتقال العالم من قيادة الجاهلية إلى قيادة الإسلام

التعليقات معطلة