في ظل غياب مشروع إسلامي جامع للمسلمين منذ إسقاط دولة الخلافة؛ فإن ضرب فريق من الأمة ببعض أصبح استراتيجية غربية، تتكرر بصورة صارت نمطية ..
البديهية العقدية والتأصيل القرآني للعداوة
عداوة الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين للإسلام والمسلمين، هي من البدهيات العقدية، والمسلمات التاريخية التي لا ينكرها إلا الغافلون الذين لا يعقلون. وقد قال الله تعالى :
{ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ} [الأنفال:55-56].
وقال : {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّل عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة:١٠٥].
استراتيجية “فرِّق تسُد”: العصا التي تُكسر بعد الضرب
وفي ظل غياب مشروع إسلامي جامع للمسلمين منذ إسقاط دولة الخلافة؛ فإن ضرب فريق من الأمة ببعض أصبح استراتيجية غربية، تتكرر بصورة صارت نمطية ..
وكما ذكرت سابقًا؛ فإن الذاكرة ملأى بأحداث استعمال الأعداء لبعض المسلمين أو المنسوبين إليهم؛ كعصًا يضربون بها بعضهم الآخر، ثم يكسرونها، أو يأمرون بكسرها..
و قد بدأ ذلك حتى قبل أن تسقط الخلافة العثمانية..
محمد علي باشا: التجربة الأولى وتدمير الأسطول في نافارين
هل نتحدث هنا عما حدث منذ مئتي عام لـ (محمد علي باشا) في حروبه التوسعية التي أراد بها الإضرار بالدولة العثمانية بعد أن كان أحد قادتها؛ حيث حاول الاستقلال بمصر والسودان، ثم طمع في الحجاز ونجد، وتطلع للتوسع في الشام، بل تجرأ على عاصمة الخلافة نفسها بمباركة من الدول الاستعمارية آنذاك؛ حيث كان الأعداء يؤٌزُّونه ويؤازرونه، حتى إذا ما أكمل المهمة المرسومة في شق صف المسلمين تنكروا له ثم انقلبوا عليه، وذلك لما رأوا أنه كاد يقيم كيانًا فتيًّا بديلاً للكيان الموجود بعد أن أصابه الترهل والجمود؛ فاجتمعوا ضده في معركة «نافارين» البحرية عام 1827م، ودمروا أسطوله البحري الذي تطلع أن يقيم به إمبراطورية كبرى، وأجبروه بعد ذلك على القبول بولاية صغرى في مصر يرثها هو وأبناؤه !
الشريف حسين و”الثورة العربية الكبرى”: الوعد الخادع وسقوط الخلافة
وهل نستدعي بعد ذلك ذكريات «الشريف حسين»؛ وكيف كرر التجربة البائسة بضرب دولة الخلافة من الظهر بدعوى «الثورة العربية الكبرى» لإنشاء كيان وهمي قادم، على أنقاض كيان حقيقي قائم..
لقد أغروه بوراثة مُلك آل عثمان، ووعدوه بالدعم والمؤازرة!
ثم ماذا كان؟
لقد جحدوه بعد هزيمة تركيا التي شارك في صنعها، وخلعوه من وهم الخلافة قبل أن يحظى بها، حتى مات حسيرًا كسيرًا بعدما سقطت خلافة التُرك، ولم تقم خلافة دولة العرب !
عبد الناصر: الوحدة الوهمية والهزيمة المُعدّة سلفاً
وهل نتذكر ما حدث بعد ذلك بعقود مع (جمال عبدالناصر) الذي تُرك يفرِّق العرب باسم الوحدة العربية، ويُوزع الفقر باسم الاشتراكية، ويحارب الدين على أنه «رجعية».. ويتظاهر ببطولات زائفة لم يظهر لها أثر إلا في توهين أمر المسلمين في مصر وغيرها، حتى إذا ما انتهى من معاركه الاستعراضية ضد الأخيار، خلَّى أولياؤه بينه وبين اليهود الأشرار، فهُزِمَ جيشه بقسوة على أيديهم في حرب فضيحة النكسة عام 1967م، التي مات بعدها دون أن يحرر هو ومن معه من الضباط «الأحرار» ما ضاع من فلسطين، بل أضاعوا أضعافًا أخرى منها ومما حولها !
صدام حسين: من أداة قص الأجنحة إلى الكسر النهائي
ولا ينبغي أن ننسى من مسلسل الأحداث المماثلة ما تكرر مع مَن ضاهى عبد الناصر في رمزية القومية العربية؛ وهو (صدام حسين) فقد سُلط بعمدٍ، وهُيِّئ بقصدٍ لقصقصة أجنحة الكيان الشيعي الثائر في إيران؛ لأن ذاك الكيان كانت له حدود لا ينبغي تعديها، حتى يظل أداة استنزاف للأمة دون أن يتمكن من منافسة الغرب في أكثر بقاع العالم أهمية وحساسية في التجارة الدولية، ولهذا كان ذاك الغرب يقوم بدعم كلا الطرفين المتحاربين في إيران والعراق بالسلاح في حرب الخليج الأولى التي امتدت لثماني سنين، حتى إذا ما كَسَر صدام كبرياء الفرس، وتهيَّأ للزعامة على عموم العرب، أُغروه بنقض عُرى «القومية العربية» التي تزعمها بعد عبد الناصر؛ وذلك عن طريق غزو دولة الكويت، العضو في “الجامعة العربية”؛ وذلك لأسباب رآها مصيرية، لتتسلسل الأحداث بعد ذلك في حرب خليج ثانية عام 1991م أُسقطت فيها هيبته، ثم ثالثة عام 2003م أزيلت فيها دولته، وكُسرت عصاه التي كسروا بها غرور إيران ..!
ثم هاهم اليوم يتهيأون لضرب طهران من خلال تحالف ” سني” أمريكي ضدها، بعد أستعملوها للتنكيل بأهل السنة واستباحة حرماتهم واحتلال أربع عواصم من بلدانهم .
المجاهدون الأفغان: من بطولة مُدعمة إلى فتنة مُفتعلة
وفي جولة مكر قريبة من ذلك .. دعونا نتأمل أيضًا: كيف ضرب الغرب عدوهم التقليدي من الروس بالمجاهدين المسلمين الأفغان، بدعم معلن من الغرب والأمريكان، وذلك إبَّان الغزو السوفييتي لبلادهم، ثم أُطلقت – بعد دخول كابل – فتن المخابرات الدولية وتوابعها العربية، للإيقاع بينهم في «معارك ما بعد النصر» حتى كاد المجاهدون القدامى يُفني بعضهم بعضًا في حرب أهلية عبثية!
ثم هُيئت حركة طالبان لتُجهز في بضع سنين على الجميع، كي يُجهَز على دولتها بعد ذلك في بضعة أسابيع !
العراق: من مقاومة الغزو إلى “الصحوات” و”الحشد الشعبي”
وفي العراق بعد الغزو الأمريكي؛ بدا للعيان أن الأمريكان ومن شايعهم من عملاء إيران مقبلون على هزيمة منكرة على أيدي مجموعات المجاهدين القادمين من وراء الحدود نصرةً لإخوانهم من أهل السنة، فلم يجد الغزاة والمتواطئون معهم مخرجًا من الورطة إلا بإخراج أدعياء من أهل السنة لمقاومة المقاومين و”جهاد” المجاهدين من أخوانهم، وذلك في جيش من العملاء أو المغفلين المنسوبين زورًا للسنة والدين، كان قوامه خمسون ألفًا، تعلوه رايات صليبية وشيعية تحت مسمى «الصحوات» !
فلما تمت المهمة على يد هذا الجيش الغبي؛ سمع العالم عن (جيش المهدي) بزعامة مقتدى الصدر، ثم الحشد الشعبي، بفتوى من كن مفتي الفتنة (السيستاني) ، لتصبح الساحة العراقية بعد زمن قليل شبه خالية إلا من وحوش إيران الذين تقاسموا الغنائم مع الأمريكان ! “.
الصومال: محاكم الإنقاذ وغزو الأحباش
وفي الصومال: كانت حركة (المحاكم الإسلامية) قد جمعت أوراق شتات الصوماليين بعد أن كاد القراصنة ينشؤون دولة على أشلائها، وكسر رجال حركة المحاكم بزعامة (الشيخ شريف أحمد) ظهر هولاء اللصوص وقُطاع الطرق، وأعادوا الأمور إلى نصابها بعد أن سيطروا على العاصمة مقديشيو عام (2006)، وما أن تهيأوا مجاهدوا الصومال للعودة ببلادهم بأحوال بلادهم إلى مصافّ الدول المعترف بها بعد فراغ السلطة لنحو خمسة عشر عامًا؛ حتى سلِّط الغرب أحباش النصارى على منقذي الصوماليين بدعوى مكافحة إرهاب المسلمين؛ فاجتاحت إثيوبيا البلاد، ثم جرى احتواء قائد تلك الحركة بما يشبه الأسر والاستعباد، ليُعين رئيسًا مرؤوسًا لغيره، وليضربوه بعد أن ضَربوا به، لتجيء حركة الشباب الإسلامي بعد ذلك لتطيح به وبما تبقى من الحركات الإسلامية هناك ..!
الثورات العربية: ضرب الأنظمة بالشعوب والشعوب بالأنظمة
وقد مثلت الثورات العربية وما بعدها.. _ في بعض وجوهها _ نماذج فجة من ضرب الأنظمة بالشعوب، ثم ضرب الشعوب بالأنظمة، وكان لأمريكا أوباما دور خبيث في ذلك..
اليوم: ترامب والعصا الجديدة.. مواجهة الصين وسحق إيران
أما اليوم.. فيريد طاغية الغرب ( دونالد ترامب) فرض واقع عالمي جديد، تديره أمريكا وحدها دون أي من شركائها وذلك باستغلال واستعمال العالم الإسلامي ( السني) كعصًا جديدة في نوعها، لمواجهة الصين وحلفائها، ضمن صراعات جديدة دولية .. تحت رايات دينية وأسطورية..
و الهدف الأقرب هذه المرة _ فيما يترجح _ هو سحق رؤوس الدولة الإيرانية، بعد قطع ذيولها الإقليمية، ولو أدى ذلك لحرب عالمية، تدفع قدرا كبيرا من أثمانها الشعوب العربية والإسلامية (السنية) ..!
اليقين بالله والثبات في مواجهة المكر
ومن البدهيات العقدية أن يكون لدى المؤمنين يقين بأن حلف أعداء المسلمين لايقول للشئ كن فيكون..
ولكن تحرك هؤلاء في فضاءاتنا يصادف في الغالب قصورا بل تفريطا في واجباتنا، وفراغا يملأه الماكرون في غفلاتنا..
فاللهم ثباتا ورشادا، تسلم به المسلمين.. وتنزل به سخطك وعقابك وعذابك بأعداء الدين..
اللهم آمين
المصدر
صفحة د.عبدالعزيز كامل، على منصة ميتا.
اقرأ أيضا
«عصا العم سام» التي يَضربُ بها.. متى يُضرب بمثلها؟ (١)

