الانتصار العسكري خطوة مهمة، لكن الانتصار الاستراتيجي يكون بحفظ المكاسب وعدم الوقوع في نفس الأخطاء التاريخية.

تأملات في المكر الاستراتيجي وتجارب الأمة

في غمرة فرح المسلمين المستحق بانتصارات السوريين مؤخرا على عصابات (قَسَد) الانفصالية، المكونة من بقايا الماركسيين المتحالفين في الشمال السوري مع طوائف من زنادقة الأكراد المسيئين لأمجاد هذه الطائفة من المسلمين.. ربما لم يلتفت كثيرون إلى أن تخلي أمريكا عنهم بعد أن كانت تركبهم؛ إنما هو استمرار في تكرار لعبة الأمريكيين في ضرب بعض أعدائها من المنسوبين للأمة بفريق آخر منها، مع إعانة كلا الوكيلين، حتى يأكل بعضهم بعضا، ويهلك بعضهم بعضا، ولو بعد حين..

بعد الثورة السورية في السابع من ديسمبر عام2024، وبعد بروز قيادة سنية علنية لتلك الثورة، ذات خلفيات جهادية وأنشطة ثورية معروفة لأكثر من خمسة عشر عامًا؛ ظهر تحول غربي ثم عربي غريب من تلك الثورة، حيث انقلبت المواقف المعادية للإسلاميين السُّنيين عامة، والجهاديين منهم خاصة؛ من مواقع التهديد والتنديد والترهيب؛ إلى مواقف تتطور شيئًا فشيئًا من الترقب والتحسب إلى التقريب والترحيب!

المكر المتكرر في السياسة الدولية

فما الذي جرى؟
هل توقفت القوى الغربية وتوابعها العربية عن حربها للإسلام والمسلمين، ولمَّا تجف دماء عشرات الآلاف من الفلسطينيين في حرب الغدر العالمي الكبير بغزة الصغيرة؟!

ربما تكون الإجابة التفصيلية عن هذا التحول المريب غير كاملة الوضوح حتى وقت قريب، ولكن بمراجعة المواقف والسياسات العالمية وانعكاساتها الإقليمية؛ يمكن القول بأن الحرب المفتوحة على المسلمين السنة منذ عشرات السنين؛ ربما ستأخذ شكلا آخر يشبه المكر الذي جرى ضد المسلمين في حقبة احتلال الروس لأفغانستان، حيث استعمل طغاة الغرب – كعادتهم – شباب أمة المسلمين كعصاة يكسرون بها قوة أعدائهم ثم يكسرونها! وهي استراتيجية تكررت مفرداتها التكتيكية كثيرًا.. وخسر المسلمون منها خُسرًا كبيرًا..

التحول الغربي المريب

وكنت قد كتبتُ مقالاً منذ ما يقرب من عشرين سنة بعنوان :(حتى متى نظل عصًا في يد “العم” سام) ! وذلك في مجلة البيان، عدد (234) رصدت فيه تلك الظاهرة الخطيرة الجديرة بالتأمل والدراسة، فقد تكررت كثيرًا خلال عقود الوهن العام الذي اكتنف أحوال أمتنا بعد سقوط أو إسقاط كيانها الإسلام العالمي ممثلاً في دولة الخلافة العثمانية.

والذاكرة ملأى بتجارب مضت في عهود انقضت، وحادثات مماثلة في الماضي القريب، وأحدث منها ماثلة أمام المتابع الرقيب، يمثل “بطل” كل قصة فيها أداة ضرب ونكاية، لا تتعدى في النهاية حال (العصا) التي يُضرب بها ثم تُكسر..

الخلاصة: فرح مع حذر

ولا يعني التحذير من مكر الأمريكيين التقليل من شأن ما جرى في سوريا ضد الانفصاليين الملاحدة العنصريين، فهو مما يثلج الصدور ويشفي القلوب.. ولكنها النصيحة الواجبة للمسلمين من عواقب تكرار مكر الماكرين ..

فما كان لهذا المكر أن يتكرر، لولا أن طوائف من الأمة تُفرط في الحذر من الخطر الذي أشار إليه القرآن المجيد، في قول العزيز الحميد:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران / 118].

المصدر

صفحة د. عبد العزيز كامل، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

رحلة استعادة سوريا لشرق الفرات

الثورة السورية..تباشير ومحاذير..(١)

الثورة السورية..تباشير ومحاذير..(٢)

الثورة السورية..تباشير ومحاذير.(٣)

التعليقات غير متاحة