لم يفت الأوان ما دمت تتنفس.
فهل يمكن تعويض ما ضاع من العمر والطاعات؟

حين يلتفت القلب إلى ما فاته

أحيانًا لا يُشعر الإنسان بثقل ما فاته إلا حين يلتفت فجأة إلى الخلف… فيرى مسافاتٍ كان يمكن أن تُقطع، وأبوابًا كان يمكن أن تُفتح. وبين ما مضى وما بقي لحظة صامتة تُعيد طرح السؤال القديم: هل انتهى كل شيء، أم ما زالت هناك فرصة خفية لتدارك ما لا يُعوَّض؟

الاستدراك: حين يصبح الفوات بداية اللحاق

يأتي الاستدراك في اللغة على معنيين:

الأول: بمعنى إصلاح الأمر، وتدارك ما حصل فيه من خطأٍ أو نقص.

والثاني: بمعنى تدارك ما فات، فالدَّرك والإدراك بمعنى اللحاق.

المستدرِك هو من يُشَمِّرُ عن ساعدِ الجد، ويشتغل بالتعويض لما فاته حتى يبلغ درجةَ الماشي من زمنٍ طويلٍ في وقتٍ قصير.

والمعنى الذي نقصده هو الثاني أصالةً، أما المعنى الأول فهو بمثابة الشرط له، فالذي يريد أن يستدركَ على نفسِهِ، ويعوض ما فاته لا بد وأن يُوقِفَ الخطأ، ويصحح المسار.

إذن؛ فالاستدراك هو عمليةُ تعويضٍ لما فات بالاجتهادِ فيما هو آت.

خسائر تُجبر… وخسارة لا جابر لها

ما يفوت الإنسان إما أن يكون في شأن الدنيا أو في شأن الدين.

والشريعةُ جَاءت بحفظِ أمرِ الدنيا كما جاءت بحفظِ أمر الدين، فإنَّ فواتَ الدِّينِ أخطرُ من فوات الدنيا.

مضرة الدين وإن قلت أعظم من مضار الدنيا وإن عظمت.

يقول الله تعالى: ﴿مَاۤ أَصَابَ مِن مُّصِیبَةࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِیۤ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِی كِتَـٰبࣲ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَاۤۚ إِنَّ ذَ ٰ⁠لِكَ عَلَى ٱللَّهِ یَسِیرࣱ ۝٢٢ لِّكَیۡلَا تَأۡسَوۡا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُوا۟ بِمَاۤ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالࣲ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 22-23].

لكن هذه اللغة تختلف تمامًا عند فوات شيء من الدين. فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَانَ كَأَنَّمَا انتُزِعَ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ»؛ أي: كأنه انتُزِعَ منه أهله وماله، وبقي وحده منفردًا في الدنيا!

فالدنيا ممر، والآخرة مقر ومستقر، ولو رأيت في الناس من يؤثر خزفًا يفنى على ذهبٍ يبقى لاتَّهمته في عقله، فكيف بي بمَنْ يُفضل الدنيا والآخرة من تفاوت!

وبهذا غابت هموم الدنيا في غمرات هموم الدين والآخرة.

لكل شيء إذا ضيعته عوض، وما من الله إن ضيعته عوض.

مآثر من استدرك الصحابة

لم يكن الصحابةُ رضي الله عنهم معصومين من الفوات، لكنهم كانوا أسرع الناس إلى الاستدراك؛ فإذا فاتهم خيرٌ سارعوا إلى تعويضه، وإن زلّت قدمٌ بادروا إلى التوبة والرجوع. تأخر بعضهم عن مواقف، فسبقوا بعدها بأعمالٍ عظيمة، وبكى آخرون على لحظة غفلة فصارت دموعهم طريقًا إلى رفعةٍ وسبق. كانوا يرون أن الفرصة ما دامت الروح في الجسد فباب اللحاق مفتوح، وأن ما يفوت من الخير يمكن تداركه بعزمٍ صادقٍ وإخلاصٍ حاضر. فصارت سيرتهم درسًا عمليًا في أن الاستدراك ليس مجرد ندم، بل نهضةٌ جديدة، وعهدٌ متجدد، ومسيرٌ حثيث للحاق بركب الطاعة قبل أن يُطوى الزمن.

عمرُ رضي الله عنه… الاستدراك الذي صنع الفاروق

فما ذكر عنه رضي الله عنه أنَّه لمَّا أسلم في بيت أخته، وطلب أن يُدلُّوه على مكان النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر أنَّه بدار الأرقم مع أصحابه، قصده وأعلن إسلامه، وهُناك تفاجأ بوُجُود أخيه زيد بن الخطَّاب رضي الله عنه قد سبقه إلى الإسلام، فقال له: “أسَبَقْتَني إلى الإسلام؟!” قال: “ما كنت لأستأذنك؛ لقد كنت جبَّارًا!” فقال عمر رضي الله عنه: “ولن تجدني في الإسلام خوَّارًا!” ثم قال: “أشهد الله ورسوله وأشهدكم أنَّي ما وقفتُ موقفًا آذيت فيه مُسلمًا إلَّا وقفت مثله مُنافحًا عن الدِّين وأهله؛ لأستدرك ما سبقتموني إليه!”.

فإنه حدَّثَ عن نفسه لما سأله ابن عباس رضي الله عنهما: “لأي شيء سُمِّيَت الفاروق؟” قال: “قُلتُ حين أسلمتُ: يا رسول الله، ألسنا على الحَقّ إن متنا وإن حيينا؟ قال: “بَلَى، والذي نفسي بيده إنَّكم على الحَقّ وإن متم وإن حييتم” قال: قلت: “ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن”. فأخرجنا في صَفَّين، حمزة في أحدها، وأنا في الآخر، حتى دخلنا المسجد. قال: “فنظرت إليَّ قريشٌ وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسمَّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاروق يومئذ”.

إن مقولة عمر رضي الله عنه: «فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّة فِي دِينِنَا» التي تُعدُّ اليوم من مفاخر الأقوال، لمَّا خرجت في ثوبٍ يُشبه الاعتراض، جعل عُمر ينـدم على ما صدر منه ندمًا شديدًا، وقال ما يُؤكِّد سيطرة عقلِيَّة الاستدراك على ذهنه: “فعملتُ لذلك أعمالًا، ما زلت أتصدَّق وأصوم وأُصلِّي وأُعْتِقُ مِن الذي صنعتُ يومئذ؛ مخافة كلامي الذي تكلَّمتُ به، حتى رجوت أن يكون خيرًا!”.

عِكرمةُ رضي الله عنه… حين يتحوَّل العداءُ إلى استدراكٍ يُكفِّرُ الماضي

وعكرمة رضي الله عنه أسلم مُتأخِّرًا يوم فتح مكَّة، وكان عكرمة يُعَدُّ مِن رؤوس الكُفر والغلاة فيه. ولمَّا مات أبو جهل، وُلِّيَّ مكانه سيادة بني مخزوم، وكان من أشَدَّ النَّاس عداوةً للمُسلمين، حتى إنَّه لمَّا كان يوم فتح مكَّة، أمَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم النَّاس إلَّا أربعة نفر وامرأتين وقال: “اقتلوهم وإن وجدتموهم مُتعلِّقين بأستار الكعبة”، وعدَّدهم وبدأ بتسمية عكرمة بن أبي جهل؛ وذلك لأنهم كانوا يُمثِّلون أركان النِّظام القديم الذي تولَّى مُحاربة الدِّين وقهر المُسلمين.

لكن زوجته سعت عند النبي صلى الله عليه وسلم ليُؤمِّنه، فأمَّنه، فأتى به من اليمن، وكان قد فرَّ إليها. فلمَّا جاء، قام له النبي صلى الله عليه وسلم مُحييًا، وقال: “مرحبًا بالرَّاكب المُهاجر”. فقال: “ماذا أقول يا نبي الله؟” قال: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله”. قال: “ثُمَّ ماذا؟” قال: “تقول: اللَّهم إنِّي أشهدك أنَّي مُهاجرٌ مُجاهِدٌ”، ففعل.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما أنت سائلي شيئًا أعطيه أحدًا مِن النَّاس إلَّا أعطيتك”. فقال: “أمَا إنِّي لا أسألك مالًا؛ إنَّما أسألك أن تستغفر لي”. ثُمَّ قال: “يا رسول الله، والله لا أترك مقامًا قمت فيه لأصد به عن سبيل الله إلا قمت مثله في سبيل الله، ولا أترك نفقة أنفقت بها عن سبيل الله إلا أنفقت مثلها في سبيل الله!”.

فلمَّا كان يوم اليرموك، نَزَلَ فترجَّل، فقاتل قِتالًا شديدًا، فقُتِلَ، فوُجِدَ به بضع وسبعون مِن بين طعنة وضربة ورمية. وقد ورد أنَّه لمَّا ترجَّل رضي الله عنه، قال له خالد بن الوليد رضي الله عنه: “لا تفعل؛ فإنَّ قتلَك على المُسلمين شديد”. فقال: “خَلِّ عنِّي يا خالد؛ فإنَّه قد كان لك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقة، وإنِّي وأبي كُنَّا مِن أشدّ النَّاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم”، فمَشَى حتى قُتِل!

تِلْكَ والله هي قِصَّة الاستدراك! على قِصَّته وقِصَّة عُمر قامت فِكْرة هذا الكتاب!

أنسُ بنُ النضر رضي الله عنه… استدراكُ الغيابِ بصدقِ الوفاء

نترك المجال لابن أخيه أنس بن مالك رضي الله عنه، كما عند البُخاري في صحيحه: غاب عمِّي أنس بن النَّضر عن قتال بدر، فقال: “يا رسول الله، غِبْتُ عن أوَّل قِتَالٍ قاتلتَ المُشركين، لَئنِ الله أشهدني قِتَال المُشركين لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أصنع!”.

فلمَّا كان يوم أحد، وانكشف المُسلمون، قال: “اللهم إنِّي أعتذر إليك مِمَّا صنع هؤلاء”، يعني أصحابه، “وأبرأ إليك مِمَّا صنع هؤلاء” يعني المُشركين. ثُمَّ تقدَّم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: “يا سعد بن مُعاذ، الجنَّة ورَبِّ النَّضر، إنِّي أجد رِيحَهَا مِن دُون أُحُد!”. قال سعد: “فَمَا استطعتُ يا رسول الله ما صَنَع”.

قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسَّيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتِلَ وقد مَثَّلَ به المُشركون، فلم يعرفه أحد إلَّا أخته ببنانه!

قال أنس: كُنَّا نرى أو نظُنُّ أنَّ هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ رِجَالࣱ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَیۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن یَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبۡدِیلࣰا﴾ [الأحزاب: 23]

إنَّه يريد أن ينجز في معركةٍ واحدةٍ ما فاته في الأخرى، فيصبح وكأنَّه مُشاركٌ في المعركتين، فيفوز بأجرين. حتى إنَّهم ليُمَثِّلُون بجُثَّته حنقًا وغيظًا من شِدَّة ما أَعْمَلَ فيهم قتلًا وجرحًا!

خالدٌ رضي الله عنه… حين يُدركُ المتأخِّرُ فيسبقُ السابقين

لقد أسلم خالدٌ رضي الله عنه بعد البعثة بعشرين عامًا تقريبًا، وذلك في شهر صفر من سنة 8هـ قبل فتح مكَّة بِعِدَّة أشهر، مِمَّا يعني أنَّه تأخَّر في إسلامه.

فإنَّه لمَّا قرَّر الإسلام في قِصَّةٍ لطيفة قصد المدينة النَّبوِيَّة، وفي الطَّريق التقى بعمرو بن العاص، وكان قد ذهب يُعلن إسلامه هو الآخر. قال عمرو: فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح وهو مُقبِلٌ من مكة، فقلت: “أين يا أبا سليمان؟” قال: “والله لقد استقام المَنْسِم، وإنَّ الرَّجل لنبيّ، أذهب والله أسلم، فحتَّى مَتَى؟” قلت: “والله ما جئتُ إلَّا لأسلم!”

وبدأت مَسِيرة الاستدراك، فقد أنقذ جيش المُسلمين يوم مؤتة في أفضل انسحاب عسكري في التَّارِيخ، وشهد فتح مكَّة وحُنينًا، وقاد معارك اليمامة ضِدّ أهل الرِّدَّة، وقضى على مُسَيْلَمَة الكذَّاب، وغزا العراق وفتحه، وحاصر دمشق وفتحها هو وأبو عُبَيْدَة بن الجرَّاح، وخاض جُملةً مِن المعارك الفاصلة حتى فتح الله على يديه.

وما عاش في الإسلام إلَّا ثلاثَ عشرةَ عامًا، وقد قَتَل جماعةً من الأبطال، ثُمَّ مات آخرًا على فراشه، فلا قَرَّت أعين الجُبناء. ولم يبق في جسده قيد شِبْرٍ إلَّا وعليه طابع الشُّهداء.

وقُل قريبًا مِن هذا في حَقِّ عمرو بن العاص رضي الله عنه، فقد تولّى أمرَ مِصر، وكانت ولاية مِصر تَعْدِل الخِلَافَة، وحسنت سيرتُهُ في النَّاس، حتى دخل أكثر أهل مِصر في دين الله أفواجًا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يزالُ اللهُ يَغرِسُ في هذا الدِّينِ غَرسًا يَستَعمِلُهم في طاعَتِه”. حسّنه الألباني.

وأنْذِرْهُم يَوْمَ الحَسْرَة

لو تنقَّلتَ بخيالك في مشاهد القيامة، واستشعرت بعقلك ثُمَّ بقلبك أنَّ فُرصةَ الاستزادةِ مِن حسنةٍ واحدةٍ فقط أو التَّخفُّف مِن سيِّئةٍ واحدةٍ فقط قد انتهت.

إنَّ هذا الشُّعُور الصَّعب قد طلب الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُنذر النَّاس بخُصُوصه، فقال تعالى: ﴿وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [مريم: 39]

ولهذا سُمِّي بيوم الحسرة؛ لأنَّهَا الغالبةُ البارزةُ على الوُجُوه، فأهل النَّار يتحسَّرون على نبذ الإسلام أو التَّباطؤ في التَّوبة مِن العصيان، وأهل الجَنَّة يتحسَّرون على فوات فُرصة الارتقاء في رضوان الله وفي درجات الجنَّة مع توفُّر الفُرصة لهم، فغالب النَّاس يتحسَّرون وإن اختلفت درجات هذا التَّحسُّر.

استدرك قبل يوم الحسرة

ومن البشائر الكُبرى أنَّك ما زلت في الدُّنيا، وأنَّ الأمر لم ينقضِ بعد، ويُمكنك أن تستدرك.

أخرج البُخاري ومُسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُؤتَى بالمَوتِ كهيئةِ كبشٍ أمْلَح، فيُنادِي مُنادٍ: يا أهلَ الجنَّة، فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلّهم قد رآه. ثم يُنادِي: يا أهلَ النَّار، فيشرئبّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلّهم قد رآه. فيُذبَح، ثُمَّ يقول: يا أهلَ الجنَّة، خُلُودٌ فلا موت، ويا أهلَ النَّار، خُلُودٌ فلا موت». ثُمَّ قرأ: ﴿وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [مريم: 39]

لهذا أصدح فيك أنْ استدرك نفسك وأمرك، قبل ﴿أَن تَقُولَ نَفۡسࣱ یَـٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِی جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِینَ﴾ [الزمر: 56]

يا حسرتا على سهرٍ طال في معصية، ونهارٍ انقضى في غفلة.

يا حسرتا على صلاةٍ أضعتها، وأورادٍ نسيتها.

يا حسرتا على حُرماتٍ انتهكتها، وأعراضٍ خدشتها.

يا حسرتا على قُدُرات ومهارات منحك الله إيَّاها كنتَ تقدر أن تنصر الإسلام بها بإمامةٍ في جانب الجهاد أو السِّياسة أو الاقتصاد أو الإعلام، لكنَّك انشغلت بنفسك عن دعوة رَبِّك، فويلٌ لِذَوِي المواهب والقُدُرات مِن فُرُوض الكفايات!

يا حسرتا على نعمٍ تنهمر عليك لم تشكر ربك عليها.

يا حسرتا على باطلٍ اتَّبعته وحقٍّ عاديته.

يا حسرتا على عقلٍ لم تتفكَّر به في مخلوقات الله، وعلى قلبٍ لم تتأثَّر به مِن آيات الله.

إنها حَسرَةٌ وأيُّ حَسرَةٍ يومَ أن يمنحَكَ ربُّكَ فُرصةَ المواسمِ الفاضلة؛ كرمضانَ والعشرِ الأوائلِ من ذي الحِجَّة، أو الأماكنِ الفاضلة؛ كمكَّةَ والمدينةِ وبيتِ المقدسِ وأرضِ الرِّباط، ثُمَّ لا تبلغَ المنزلَ الأعلى والمنصبَ الأسمى في جنةِ الله جلَّ جلاله.

عارٌ والله ثُمَّ عارٌ على رجلٍ أعطاه اللهُ مُوجباتِ فضله ورحمته وخرجَ مِن الدُّنيا صفرَ اليدينِ مِن رحمةِ الله وفضله … وهو ما زال يتجرَّع آثارَ ثقلِ الطِّينِ ووحلِ المعصية، تؤزّه صورةٌ، وتُسيطر عليه شهوة، وهل ينفعُ عند ذاك ندمٌ أو دُمُوعٌ!

إنَّ الجُرعةَ الإيمانيةَ الرَّبانِيَّة -يا أيُّها المُبارك- مُهمَّةٌ لِمَن رامَ الاستدراكَ على نفسِه، لئلَّا تكونَ مِمَّن قصدهم ابنُ الجوزي بقوله:

“تأمَّلتُ في الخَلْقِ وإذا هُم في حالةٍ عجيبة، يكاد يُقطَعُ معها بفساد العقل، وذلك أنَّ الإنسانَ يسمعُ المواعظَ وتُذكرُ له الآخرة، فيَعْلَمُ صدقَ القائل، فيبكي وينزعج على تفريطه، ويعزمُ على الاستدراك، ثُمَّ يتراخى عملُهُ بمُقتضى ما عزمَ عليه، فإذا قيل له: أتشُكُّ فيمَا وُعِدْتَ به؟ قال: لا والله، فيقال له: فاعمل، فينوي ذلك، ثُمَّ يتوقَّفُ عن العَمَل”.

مَن قَصَّرَ في العَمَل، ابتلاهُ اللهُ بالحَسَرَاتِ والهُمُومِ في الدُّنيا قبلَ الآخرة.

ما دامت المُهلة… فبابُ الاستدراك مفتوح

وهكذا يتبيَّن أنَّ الاستدراك ليس ترفًا إيمانيًّا، بل هو حياةٌ جديدة تُوهَب للعبد ما دام في مُهلةٍ من عمره. فكلُّ يومٍ يُشرِق عليك هو فرصةٌ لأن تُصلح ما كان، وتبني ما سيكون، وتلحق بركبٍ سبقك. وليس العجب ممَّن فاته شيء، ولكن العجب ممَّن علم أنَّه ما زال في زمن الإمكان ثم لم يُبادِر. فشمِّر ما دمت في دار العمل، واستدرك ما استطعت، فإنَّ لحظةً صادقة قد تُدرك بها ما فات سنين، وربَّ عملٍ قليلٍ يرفعه صدقُ العزم فيبلِّغك منازلَ السَّابقين.

المصدر

مدونة التاعب، خُلاصة كتاب: فِقْه الاستدراك، الشيخ محمد بن محمد الأسطل.

اقرأ أيضا

رسالة إليك.. أنت المقصود بها

عوِّد نفسك معالي الأمور وترك سفاسفها…

التعليقات معطلة