مأزق المُترقِّب

المرحلة الذهبية للتحصيل العلمي هي مرحلة الذروة في قوة الملكات … وأي غبن أن تبدأ المعركة بعد أن تخور قواك.

الإنسان المترقب: الشلل بين الحماسة والتنفيذ

هو إلى الآن ليس جزءا من أي مشروع … ولم يبدأ الخطوة الثانية في أي حلم سبق أن فتح له ملفا في جهازه المحمول.

هذه أزمة الإنسان المترقب.

الإنسان المترقب حدث تحول مهم في حياته.

هو يتحرق كثيرا ويتمنى أن يصنع شي لنفسه وللآخرين، ولكنه واقف كالمشلول … لماذا؟ المترقب ذاته لا يدري.

ما إن يتجاوز لهيب الحماسة حتى يتبدد كل شيء ويعود لذات برنامجه اليومي في التفرج على المنتجين.

لدى المترقب مشكلة يمكن تسميتها مشكلة «ترحيل المهام».

وهكذا أحرق المترقب عمره عبر آلية «ترحيل المهام».

ثمن الفراغ: الغبن في أعظم النعم

المرحلة الذهبية للتحصيل العلمي هي مرحلة الذروة في قوة الملكات … وأي غبن أن تبدأ المعركة بعد أن تخور قواك.

أنت في كل لحظة تنفق من رصيدك الزمني … فإما أن تشتري به علما وعملا رابحا … أو يذهب في الترقب والتفرج في صفقة خاسرة.

الحديث الذي رواه البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)1(1) البخاري (٦٤١٢)..

الفاروق عمر بن الخطاب في الأثر المروي عنه: (إني أكره الرجل يمشي سبهللا، لا في أمر الدنيا، ولا في أمر الآخرة)2(2) ابن الأثير، النهاية، تحقيق رائد صبري، بيت الأفكار، صـ (٤١١)..

عن ابن مسعود رضي الله عنه حيث يقول: (إني لأمقت الرجل أن أراه فارغا، ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة)3(3) مُصنف ابن أبي شيبة (٣٤٥٦٢)..

وقد جمع ابن عبد القوي في بيت واحد حديث البخاري وأثر عمر المشهور، حيث قال رحمه الله: [ولا يذهبن العمر منك سبهللا … ولا تغبنن النعمتين، بل اجهد] 4(4) ابن عبد القوي، عقد الفرائد وكنز الفوائد، نشرة محمد الجميح، صـ (2/ ٣٩٨)..

مُشكلة «التَّقطُّع والتَّرحُّل» في أنصاف المشروعات

ومن ذلك قول بدر الدين ابن جماعة (ت٧٣٣هـ): (وكذلك يحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب من غير موجب، فإنه علامة الضجر وعدم الإفلاح) 5(5) ابن جماعة، تذكرة السَّامِع والمُتكلِّم، تحقيق السيد الندوي، دار رمادي، صـ (١٧٣)..

العلامة ابن عثيمين يقول في كتابه الذي جمعه من خطبه وسماه الضياء اللامع: (وإن من الحكمة أن من ابتدأ بعمل وارتاح له فليستمر عليه، فمن بورك له في شيء فليلزمه، وبعض الناس يبدأ الأعمال ولا يتممها، فيمضي عليه الوقت سبهللا من غير فائدة … فيضيع عمله وينقضي عمره بلا فائدة، وكذلك في الأعمال الأخرى كل يوم له عمل، وكل يوم له رأي، فيضيع الوقت عليه من غير فائدة).

قال أبو العباس ابن تيمية: (فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته، قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع، فإنه تعظم محبته له ومنفعته به، ولذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام، ونظير هذا كثير) 6(6) ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، تحقيق د. ناصر العقل، مكتبة الرشد، صـ (١/ ٤٨٣)..

الرياضة الذهنية: ضرورة المران العميق للحفاظ على اللياقة العقلية

وهكذا القدرات الذهنية فهي ليست شيء مختلفا كليا عن القدرات البدنية، بل كثير من القوانين التي تجري على القدرات البدنية تجري ذاتها على القدرات الذهنية، ومنها قانون (اللياقة).

القدرات الذهنية تضمر وتضعف إذا لم يمارس العقل المران الذهني العميق، ولذلك كان لفظ الرياضة في التراث الإسلامي يشمل ثلاثة مستويات: البدن والذهن والنفس، كما يقول ابن تيمية: (لفظ الرياضة يستعمل في ثلاثة أنواع: «رياضة الأبدان» بالحركة والمشي، و«رياضة النفوس» بالأخلاق الحسنة، و«رياضة الأذهان» بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الأمور الغامضة)7(7) الرد على المنطقيين ص٢٥٥. .

وقال ابن تيمية: (كان كثير من علماء السنة يرغب في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر والمقابلة وعويص الفرائض والوصايا والدور: لشحذ الذهن)8(8) ابن تيمية، الرد على المنطقيين، تحقيق عبد الصمد الكتبي، مؤسسة الريان، صـ (٢٩٩)..

بل يتطور الأمر إلى حالة أخطر، وهو كونه ينفر من المسائل العلمية الدقيقة وينفد وقود احتماله وطاقة التركيز لديه، ويصبح عقله يعمل بنظام الوجبات السريعة.

الهوامش

(1) البخاري (٦٤١٢).

(2) ابن الأثير، النهاية، تحقيق رائد صبري، بيت الأفكار، صـ (٤١١).

(3) مُصنف ابن أبي شيبة (٣٤٥٦٢).

(4) ابن عبد القوي، عقد الفرائد وكنز الفوائد، نشرة محمد الجميح، صـ (2/ ٣٩٨).

(5) ابن جماعة، تذكرة السَّامِع والمُتكلِّم، تحقيق السيد الندوي، دار رمادي، صـ (١٧٣).

(6) ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، تحقيق د. ناصر العقل، مكتبة الرشد، صـ (١/ ٤٨٣).

(7) الرد على المنطقيين ص٢٥٥.

(8) ابن تيمية، الرد على المنطقيين، تحقيق عبد الصمد الكتبي، مؤسسة الريان، صـ (٢٩٩).

المصدر

خُلاصة كتاب: مسلكيَّات، الشيخ إبراهيم السَّكران، مدونة التاعب.

اقرأ أيضا

لكنّ العيْب في العزم

بيان أهمية الوقت في عمر الإنسان

بين مشهدين .. الساعة الخامسة والسابعة صباحاً

التعليقات غير متاحة