قبل هذه العشرين كانت أمريكا منطلقة من صفعة ١١ سبتمبر فكأنها ستهد العالم على رؤوس من فيه، وساعتها خنعت كل الدول بمن فيها روسيا والصين وطارت الوفود تعرض على الأمريكان مساعداتهم في حربهم ضد “الإرهاب” لكي تنجو من بطشتهم!
المسلمون وحدهم من واجهوا أمريكا
من كان واعيا بالحال قبل عشرين سنة سيرى أننا كنا في لحظة قريبة من هذه اللحظة التي نعيشها.. فلئن كنا الآن نعيش عصر ترمب ونتنياهو، فقبل عشرين سنة كنا في عصر بوش الابن وشارون!
وعند أي مقارنة بالحال، سنرى في النهاية أن وضعنا الآن وإن كان أكثر قسوة فإنه أفضل في مسار الأمة!
قبل هذه العشرين كانت أمريكا منطلقة من صفعة ١١ سبتمبر فكأنها ستهد العالم على رؤوس من فيه، وساعتها خنعت كل الدول بمن فيها روسيا والصين وطارت الوفود تعرض على الأمريكان مساعداتهم في حربهم ضد “الإرهاب” لكي تنجو من بطشتهم!
من وجهة نظر مؤرخ، سيُكتب بعد عشرين سنة أن الفئة الوحيدة التي اجترأت على مهاجمة الوحش الأمريكي الأسطوري في ذروة قوته كانوا هم المسلمين، وأن الفئة الوحيدة التي لم تستسلم لهم ولم تأبه بتهديداتهم كانوا هم أيضا المسلمين!.. هذا أمرٌ لا يبدو بهذا الوضوح في خضم الأحداث، لكنه سيبدو واضحا جدا بعد انقضائها، حين يكتب المؤرخون عن أسباب انحلال وانهيار القوة الأمريكية.. كلهم سيمرون على لحظة ١١ سبتمبر واحتلال أفغانستان واحتلال العراق كبداية انهيار القوة العظمى التي لم يعرف التاريخ مثلها!
كان يبدو أننا نكتب فصول النهاية
نعود إلى ما كنا فيه..
بوش الابن كان في أمريكا وشارون كان في إسرائيل..
وشارون هذا كان يبدو كأقوى شخص في إسرائيل، وهو بتاريخه الحربي الطويل، وشراسته المعروفة، والزمان المواتي له، بدا أنه على وشك اجتثاث القضية الفلسطينية وتصفيتها تماما..
هذا المرعب شارون، كانت الفئة الوحيدة التي لم تأبه له، ولم تخضع ولم ترتعب منه هم المقاومة.. تلك الفئة الهزيلة النحيلة التي كانت تجتهد لتختبيء من جنود عرفات ودحلان والرجوب، وهي في مخابئها تلك تصنع قذائف بائسة هزيلة، بالكاد تصنع فجوة في جدار!!
ذلك الزمن الذي كان يبدو فيه أننا نكتب فصول النهاية.. كنا نعاني فيه من أزمة أخرى خانقة..تلك الأنظمة الحاكمة الراسخة المهيمنة التي تناغمت مع “حرب الإرهاب” حتى طاردت الفكرة في رؤوس أصحابها، وبطشت برجل الخير إذا حوّل دولارا فوق في يد مسكينة أو يتيم كان أبوه قد عرف في حياته واحدا ممن جرى اتهامهم بالإرهاب.. كان عصرا خانقا!
كانت الأنظمة الوظيفية وطنية!!
وفوق ذلك، فما كان أحد -خلا “الجهاديين”- يرى أن هذه الأنظمة غير شرعية، فمن لم يكن يراهم أولياء أمور، كان يراهم وطنيين نحن وإياهم في مركب واحد، ويطالبهم مطالبة أليفة بإصلاح هم يقودونه ويضمنونه لمجرد توسيع هامش الحرية في البلاد المنكوبة!!
تصور عزيزي القارئ الذي لم يعش تلك الأيام أن بوش الابن نفسه، وإدارته الجمهورية (لا الديمقراطية)، أيقنوا بضرورة الإصلاح في البلاد العربية ونشر الديمقراطية فيها.. لشدة ما في هذه البلاد من القهر، ولشدة ما لدى فئاتها الداخلية من العجز..
وتصور عزيزي القارئ الذي لم يعش تلك الأيام أن حسني مبارك نفسه كان يسمح للإخوان ولغيرهم بأن يقيموا المظاهرات المليونية في استاد القاهرة احتجاجا على غزو العراق.. وقد كانت المظاهرات الحاشدة تجتمع ثم تنفض.. لا هي تخدش النظام بخدش، ولا النظام يخشى منها شيئا.. شعوب مؤدبة مهذبة، خرجت للتظاهرة المسموح بها، ثم عادت إلى بيتها في هدوء، بعد أن نفَّست غضبها في الهواء!!
ما الذي ذهب بنا إلى أفغانستان والعراق!!
ماذا أريد أن أقول..
أريد أن أقول: إننا في هذه اللحظة التي تبدو بائسة وكارثية، أحسن حالا من حالنا قبل عشرين سنة!!
بينما كان بوش الابن يذهب إلى حرب أفغانستان والعراق (البلدان المحاصران الضعيفان)، فإنه كان حريصا على أن يتغطى بتحالف دولي.. أما الآن فإن ترمب يكسر تقاليد النظام العالمي كسرا لم يتخيله أحسن المتفائلين، ويمضي كالوحش الهائج مع كندا وأوروبا وحلف الناتو.. نسأل الله أن يزيد في هياجه!
وحين كان بوش يذهب إلى أفغانستان والعراق فإنه كان يعلم، وكان العالم كله يعلم معه، أن الأمر لن يعدو نزهة سعيدة ورحلة لطيفة، فأين قوة الأمريكان ومعهم التحالف الدولي من قوة بلدين محاصريْن، وجيران هذين البلدين متعاونون مع الأمريكان أيضا؟!!.. فالآن.. قد عرف الجميع أن الأمر لم يكن رحلة ولا نزهة.. بل ها هو ترمب نفسه -كما خطب قبل نحو سنة- يقول: ما الذي ذهب بنا إلى أفغانستان والعراق!!
المسلمون وحدهم هم من حطموا ظن العالم في أمريكا، وظن الأمريكان في أنفسهم.. ولئن نسيت فلست أنسى روبرت جيتس -وزير الدفاع بعد رامسفيلد الذي أشعل الحربين- وهو يكتب في مذكراته: على من يقترح إشعال حرب جديدة أن نرسل به لفحص قواه العقلية!
لقد تغير الحال كثيرا
وبينما كان شارون يتغطى بحرب الإرهاب التي أثارها بوش، فإن نتنياهو يقف عاريا من كل غطاء أخلاقي.. فشارون الذي لم تجرؤ محكمة دولية على استدعائه للاعتقال يعد محظوظا بالنسبة لهذا النتنياهو الذي جرمته محاكم هذا النظام الدولي نفسها.. صحيحٌ أن الأمر فائدته شكلية وقليلة!.. ولكني أتكلم هنا عن التحول.. والشعوب الآن في حال أحسن وأكثر وعيا.. الآن، من لم ير هذه الأنظمة أنظمة خائنة فاجرة لا شرعية لها وتستحق أن تزول، فهو يراها أنظمة عاجزة ضعيفة.. وما من عاقل صاحب رأي (دعنا من العملاء الآن) إلا وهو يؤيد إسقاطها، فإن لم يكن فإنما يحسبها حسبة المصلحة والمفسدة لا حسبة انتهاك شرعية هذه الأنظمة!!
الشعوب الآن، بعد الربيع العربي، وإلى ٣ أشهر ماضية، لم تزل تسطر تجاربها في إسقاط الأنظمة.. وقد خُتِمت بنظام الأسد العتيد العتيق الذي ظن هو وظن داعموه أنه لا يسقط!
الآن، لا تسمح الأنظمة لمظاهرة من عشرة، تخشى أن تتطور المظاهرة إلى حراك شعبي يطيح بها.. أين هذا من حالٍ كان النظام يسمح فيه بالمظاهرات المليونية لتنفيس الغضب؟؟.. أليس هذا فارقا هائلا؟!!
ثم المقاومة.. أين المقاومة التي كانت قبل عشرين سنة من هذه التي نحن فيها الآن.. أين قومٌ كانوا يقاتلون بسكين ومسدس وبلحمهم الحي (الاستشهاديين) من قوم صاروا أشبه بالجيش النظامي يستطيعون أن يحتفظوا بمئات الأسرى في بيئة أمنية مكشوفة وتحت تسلط أجهزة تجسس عالية التقنية، وتلك أمور يعجز عنها جيوش العرب أنفسهم؟!!
إن من المفارقات العجيبة التي تخبرك أن يد الله خلف الأحداث، وأن المنح مختبئة في جوف المحن.. أن ترى أن عصر شارون وبوش هو الذي أسس لهذا الذي نحن فيه.. فسياسة بوش وشارون هي التي أدت إلى تحرير غزة وتمكن الحركة الخضراء منها!
وسياسة بوش هي التي فضحت هذا الوحش الأمريكي وأثبتت أنه يمكن أن يتوحل ولا يحقق نصرا ولا بعد عشرين سنة، مهما توفرت له الظروف..
وهذا بوش الذي كان يرى ويظن ويحسب أنه إذا نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط فإنها ستأتي له بالليبراليين، قد أعطى درسا بليغا لمن بعده.. فها هو ترمب لا يتخيل أن يفكر في تغيير نظم محلية موالية له، مهما فعلت من توحش وطغيان!
والعالم نفسه تغير.. ليس موقع الصين ولا روسيا ولا القوى الصاعدة كما كان الحال قبل عشرين سنة.. لقد تغير الحال كثيرا، ولم تعد إرادة الأمريكان ماضية، كما لم تعد تهديداتهم مخيفة ولا مرعبة!!
لا يعني هذا الكلام كله أن المستقبل وردي زاهر.. فما من قوة عظمى استسلمت لسقوطها، ولا بد للأمريكان أن يحاولوا التشبث بمكاسبهم بكل توحش ممكن.. ولكن المسار قد أخذ طريقه.. والقسوة الآن هي دليل هذا الانحلال والضعف!
وقد أخبرنا ربنا بشعارنا الخالد {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ}[التوبة:٥٢].
المصدر
صفحة الأستاذ محمد إلهامي على منصة X.
اقرأ أيضا
مر المسلمون من هنا .. ومرت أمريكا من هنا