حديث الثورة  هل فشلت الثورة أم أننا فشلنا في فهمها 1

مقدمة

في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه التحديات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يطرح نفسه على الساحة العربية والإسلامية: هل فشلت الثورات التي شهدتها المنطقة منذ ما يُعرف بـ”الربيع العربي”، أم أننا نحن من فشلنا في فهم حقيقتها ومقاصدها العميقة؟ هذا السؤال الجوهري يشكل محور حلقة استثنائية من بودكاست “التجديد”، حيث نعيد النظر لنبدأ من جديد، مع ضيف متميز هو الدكتور عطية عدلان، المفكر والباحث الإسلامي المعروف بعمق تحليلاته وجرأة طروحاته.

تناولت هذه الحلقة مفهوم الثورة من منظور إسلامي شامل، تلك الظاهرة التي بدأت منذ الشرارة الأولى للربيع العربي ولا تزال تداعياتها تتفاعل في واقعنا المعاصر. فما هو مفهوم الثورة الحقيقي؟ وما علاقتها الجوهرية بالإسلام كدين ومنهج حياة؟ وما هي الأسباب الكامنة وراء ما يبدو أنه إخفاق للثورات العربية؟ وهل يمكن للمشروع الإسلامي أن يكون بديلاً حقيقياً قادراً على قيادة الأمة نحو النهضة والتحرر؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها الدكتور عطية عدلان في حوار معمق يستحق التأمل والدراسة.

الحركات الإسلامية والثورات: موقف محل تساؤل

يبدأ الحوار بطرح سؤال محوري حول موقف بعض الحركات الإسلامية من الثورات العربية

غياب الحركات الإسلامية عن ميادين الثورة: إشكالية مركزية

يبدأ الحوار بطرح سؤال محوري حول موقف بعض الحركات الإسلامية من الثورات العربية، حيث يشير المحاور إلى أن كثيراً من الناس الذين نزلوا إلى ميادين الثورة كانوا يتساءلون بدهشة عن غياب بعض رفاقهم من الإسلاميين. فالكثير من الشباب الذين كانوا يبحثون عن أصدقائهم الإسلاميين في الميادين لم يجدوهم معهم، وعندما كانوا يسألونهم: “أين أنتم؟ أين ذهبتم؟”، كانت الإجابة: “لنا منهج مختلف ولنا طريقة مختلفة في التعامل مع هذه الأحداث”. هذا الموقف أثار دهشة واستغراب الكثيرين، خاصة أولئك الذين كانوا يتوقعون أن تكون الحركات الإسلامية في طليعة المطالبين بالتغيير ومقاومة الظلم.

يطرح المحاور سؤالاً مهماً: هل الإسلام في هذه الجزئية المركزية التي تتحدث عن الثورة يحمل هذه الروح؟ إذا استقرأنا كتاب الله سبحانه وتعالى ونظرنا في المصطلحات الشرعية، فلن نجد كلمة “ثورة” ربما، لكن هل الروح نفسها موجودة في الإسلام؟ هل فكرة الثورة في كافة مجالاتها وميادينها – الثورة على الظلم، الثورة الاجتماعية، الثورة على عبادة الأصنام كما كان الحال في بداية الدعوة – هل هذه الفكرة مركزية حقيقية في الإسلام، أم أن هذه الحركات التي لم نشاهدها في الثورات كان عندها حق فعلاً في حالة الانكماش التي دخلت فيها؟

موقف الدكتور عدلان: تساؤل واقعي وموضوعي

يجيب الدكتور عطية عدلان بوضوح تام أنه يشارك المحاور في هذه النظرة، ويرى أن ما يراه واقعي بالفعل. فالتساؤل الذي ثار لدى الشباب في ثورة 25 يناير على الأقل، التي شهدوها بأنفسهم، كان موضوعياً وواقعياً. “أين الإسلاميون؟ أين الشباب الذين كانوا يدعوننا إلى الله تبارك وتعالى، كانوا يدعوننا إلى الإسلام، إلى الصلاة، إلى الالتزام؟ أين هم الآن من الميدان؟”

يوضح الدكتور عدلان أنه كان هناك كثير من الإسلاميين مشاركين في الميدان، لا سيما الشباب، لكن الإسلاميين ككتل، كجماعات، كنزول رسمي، لم يكن على الأقل من البداية إلى ما بعد سقوط مبارك، أو إلى ما بعد “الفتح” – وهو يعتبر يوم 28 يناير هو اليوم الحقيقي الذي هو الفتح الحقيقي. حتى ما بعد 28 يناير، كان النزول إلى حد ما بدأ يتفتح مع الناس. في هذه الفترة كانوا يتساءلون بالفعل، وسؤالهم طبيعي وواقعي وموضوعي لسببين:

الأول: هو أنهم يشعرون، يعرفون بفطرتهم أن الإسلام لا يمكن أن يرضى بالظلم ولا أن يسكت عليه، والثاني: أن الثورة هذه بمبادئها العليا وقيمها الرفيعة وبمنطقها ومسوغاتها لا يمكن أن يرفضها الإسلام. فما لنا لا نرى الإسلاميين معنا في الميدان؟ هذا سؤال واقعي وموضوعي بالفعل.

الإسلام والثورة: علاقة جوهرية لا انفصام فيها

يطرح الدكتور عدلان سؤالاً محورياً: هل الإسلام ثورة؟

هل الإسلام ثورة؟ تعريف دقيق ومتكامل

يطرح الدكتور عدلان سؤالاً محورياً: هل الإسلام ثورة؟ ويجيب بدقة علمية: إذا أردنا أن نقول إن الإسلام ثورة بالمعنى الحرفي للثورة، لا، لم يكن كذلك. لم يكن الإسلام ثورة بالمعنى الحرفي للثورة، بتعريفها وبشكلها وهيكلها. فالإسلام دين ورسالة، هو خاتم الرسالات السماوية، وجاء بوحي ونبوة.

لكن بالنظر إلى ما أحدثه في الحياة من أثر – أثر انقلابي، من انقلاب كوني – نسف كل ما كان موجوداً من أعراف الجاهلية وتقاليدها وتصوراتها وعقائدها وشرائعها وشعائرها، ونسخ كل ما كان يقوم على هذه العقائد الباطلة من أوضاع، وحول حياة البشرية كلها إلى مسار آخر جديد، فهو ثورة بكل المقاييس.

الإسلام: ثورة على الظلم والطغيان

يؤكد الدكتور عدلان أن الإسلام هو ثورة على ظلم أطبق وأحكم قبضته على العباد، ثورة على استبداد تجبر وأوفى على الغاية في الجبروت والطغيان، ثورة على كل ما هو مخالف للحق وللخير وللجمال والكمال. وهذه الثورة نجحت بكل المقاييس وأحدثت تغييراً في العالم كله.

ولم يكن تغييرها ذا بعد كالأبعاد التي أحدثتها الثورات المعاصرة مثلاً – بعد جغرافي أو بعد جيوسياسي أو استراتيجي – لا، بل كان فتحاً للبلاد وقلوب العباد في آن واحد. ما عرفت البشرية قط تغييراً أحدثه حدث في التاريخ مثل التغيير الذي أحدثه الإسلام. ومن ثم نقول إن الإسلام في حقيقته وجوهره ثورة على الباطل كله.

واجب الإسلاميين: الوجود في طليعة الثورة

بناءً على هذا الفهم، يؤكد الدكتور عدلان أنه كان ينبغي وكان يجب على الإسلاميين جميعاً أن يكونوا أول من يوجد في الميدان، إن لم يكونوا هم الفاعلين والمحدثين لهذه الثورة. فعلى الأقل، إذا كانت الثورة قد انطلقت شرارتها بشباب من المسلمين – وقد انطلقت شرارتها بشباب المسلمين ولم يكونوا من الإسلاميين – وجرى ماؤها في نهر واسع، كان ينبغي أن ينخرطوا من أول لحظة معها دون تلعثم ولا تردد.

لكن ما الذي أحدث هذا التلعثم والتردد؟ يجيب الدكتور عدلان: هي الأفكار أو التشوهات الفكرية التي طرأت على العقل الإسلامي داخل التيار الإسلامي كله. لكن الفكرة الأساسية لم تكن مشوهة، فكرة الإسلام نفسه تحتوي على هذه الفكرة الثورية.

فكرة الثورة في الإسلام: تحليل عميق

يقوم الدكتور عدلان بتحليل عميق لفكرة الثورة في الإسلام

اللحظة الفارقة: نزول “اقرأ باسم ربك”

يستشهد الدكتور عدلان باللحظة التاريخية الفارقة التي نزل فيها قوله تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِی خَلَقَ ۝١ خَلَقَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ۝٢ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ۝٣ ٱلَّذِی عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ۝٤ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مَا لَمۡ یَعۡلَمۡ﴾ [العلق ١-٥]. في اللحظة تلك، لم يكن الناس يدركون الأثر الذي سيحدث بهذه الآيات، بهذه الكلمات. لكن عندما حدث هذا الأثر كله ونظرنا إليه من بعيد، علمنا أن هذه اللحظة التي نزل فيها “اقرأ باسم ربك الذي خلق” كانت لحظة طُويت صفحة في حياة البشرية مليئة بالظلم والفساد والشرك والكفر، ومليئة بالطغيان والجبروت، ومليئة بالجهل والخرافة أيضاً، وافتُتح عهد جديد في حياة البشرية.

الثورة الإسلامية: تغيير شامل لا جزئي

يؤكد الدكتور عدلان أن الثورة الإسلامية كثورة توافرت فيها كل عناصر الثورة الكاملة، وأول هذه العناصر هو جذرية التغيير. فالتغيير الذي أحدثه الإسلام ليس ترميماً، ليس إصلاحاً شكلياً، ليس اتفاقاً مع جهات من أجل إحداث تغيير جزئي، بل هو تغيير جذري شامل يطال جميع جوانب الحياة.

يشرح الدكتور عدلان أن الثورة الإسلامية لم تكن مجرد تغيير سياسي أو اجتماعي محدود، بل كانت تغييراً شاملاً يطال العقيدة والشريعة والأخلاق والمعاملات والنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي. لقد نسف الإسلام كل ما كان موجوداً من أعراف الجاهلية وتقاليدها وتصوراتها وعقائدها وشرائعها وشعائرها، وأقام على أنقاضها بناءً حضارياً جديداً قائماً على التوحيد والعدل والحرية والكرامة الإنسانية.

الثورة كعملية مستمرة لا حدث عابر

يؤكد الدكتور عدلان على حقيقة مهمة جداً، وهي أن الثورة ليست لحظة عابرة أو حدثاً محدداً في الزمن، بل هي سير في طريق طويل محفوف بالمشقة والتحديات. إنها عملية مستمرة تتطلب صبراً ومثابرة وتضحيات جسيمة. ويحذر من الوقوع في فخ “التعجل” الذي يؤدي إلى الإحباط واليأس عندما لا تتحقق النتائج المرجوة بسرعة.

الثورة كاستئناف حضاري شامل

الثورة الحقيقية، من منظور إسلامي، هي عملية “استئناف حضاري” تهدف إلى إعادة بناء الأمة على أسس صحيحة. الثورة الحقيقية تبدأ بتغيير الأفكار والقناعات، ثم تنتقل إلى تغيير الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي. إنها عملية متكاملة تشمل جميع جوانب الحياة، وتتطلب رؤية واضحة وخطة محكمة وقيادة حكيمة.

الاستئناف الحضاري يعني أن الأمة تعود إلى دورها الريادي في قيادة البشرية، بعد أن فقدت هذا الدور لقرون طويلة. إنه يعني استعادة الهوية الإسلامية الأصيلة، والتحرر من التبعية الفكرية والثقافية للغرب، وبناء حضارة إسلامية معاصرة قادرة على مواجهة تحديات العصر.

أسباب تعثر الثورات العربية: تشخيص دقيق وعميق

يرى الدكتور عطية عدلان أن هناك أسباب لتعثر الثورات العربية منها:

غياب المشروع الواضح والرؤية الاستراتيجية

يرى الدكتور عطية عدلان أن السبب الرئيسي لتعثر الثورات العربية هو غياب المشروع الواضح والرؤية الاستراتيجية. فالثورات انطلقت بشعارات عامة مثل “الحرية” و”العدالة الاجتماعية” و”الكرامة الإنسانية”، لكنها لم تكن تمتلك مشروعاً محدد المعالم يوضح كيفية تحقيق هذه الشعارات على أرض الواقع. هذا الغياب أدى إلى ضياع البوصلة والتخبط في المسار، وسهل على القوى المضادة للثورة استغلال الوضع وإجهاض الثورات.

ضعف القيادة وغياب الحكمة السياسية

يؤكد الدكتور عدلان على أهمية القيادة الحكيمة في نجاح أي ثورة. فالقيادة هي التي تحدد المسار، وتتخذ القرارات الصائبة، وتوحد الصفوف، وتواجه التحديات. لكن الثورات العربية افتقرت إلى قيادة حكيمة قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية الحرجة. فالكثير من القيادات التي ظهرت خلال الثورات كانت تفتقر إلى الخبرة السياسية والحكمة في التعامل مع الأزمات، مما أدى إلى ارتكاب أخطاء فادحة كلفت الثورات غالياً.

التفرق والاختلاف بين القوى الثورية

يشير الدكتور عدلان إلى أن التفرق والاختلاف بين القوى الثورية كان أحد الأسباب الرئيسية لفشل الثورات العربية. فبدلاً من توحيد الصفوف ومواجهة العدو المشترك، انشغلت القوى الثورية بالصراعات الداخلية والخلافات الجانبية. هذا التفرق أضعف الثورات وسهل على القوى المضادة لها استغلال الوضع وإجهاضها.

المشروع الإسلامي: البديل الحقيقي للنهضة

تأكيد الدكتور عطية عدلان أن المشروع الإسلامي كل ما يحتاجه هو النهوض به والاستجابة لندائه

المشروع الإسلامي في حيز الإمكان لا المستحيل

يؤكد الدكتور عطية عدلان أن المشروع الإسلامي ليس حلماً بعيد المنال، بل هو في حيز الإمكان، وأن جميع مقوماته متوفرة. فالفكرة موجودة في جوهر الإسلام نفسه، والقيادة موجودة، والطليعة موجودة، والشعوب موجودة، وحتى إمكانية وجود حليف مأمون متاحة. كل ما يحتاجه المشروع الإسلامي هو النهوض به والاستجابة لندائه.

ركائز المشروع الإسلامي الخمس

يحدد الدكتور عدلان خمس ركائز أساسية للمشروع الإسلامي:

الركيزة الأولى: الفكرة. الفكرة موجودة في جوهر الإسلام نفسه. فالقرآن الكريم يتحدث عن الظلم والطغيان في مواضع عديدة، وما من قصة لنبي إلا ويتحدث فيها عن مواجهة الطغيان. كم مرة تحدث القرآن الكريم عن الطغاة والظلمة؟ كم مرة تحدث عن الطغيان؟ ما من قصة لنبي إلا ويتحدث في القرآن الكريم عن الطغيان، وما من نبي إلا وواجه الطغيان. الإسلام نفسه فكرة ثورية. الفكرة موجودة.

الركيزة الثانية: القيادة. القيادة موجودة أيضاً، ولكنها لا تقوم بدورها المطلوب. فهناك علماء ومفكرون ودعاة قادرون على قيادة الأمة نحو النهضة، لكنهم بحاجة إلى أن يتحملوا مسؤوليتهم ويقوموا بدورهم القيادي. القيادة موجودة ولكن لا تقوم بدورها. الفكرة موجودة ولكن ليست مفعلة.

الركيزة الثالثة: الطليعة. الطليعة موجودة. فهناك شباب واعٍ ومثقف يحمل هم الأمة ويسعى إلى نهضتها. أنت لن تخترع العجلة من جديد، لن تربي شباباً جديداً. الطليعة موجودة، الشباب موجودون، ولكن لا يجدون من يقودهم ولا يجدون رؤية واضحة بالنسبة لهم. نحتاج إلى من يجمع هؤلاء الشباب ويعيد ترتيبهم وتنظيمهم ودفعهم للعمل في مساحات معينة يؤطرها المشروع الإسلامي لهم. الطليعة موجودة.

الركيزة الرابعة: الشعوب. الشعوب نفسها موجودة وفيها خير كبير جداً. فبرغم ما جرى لهذه الشعوب وبرغم هذه الحالة التي فيها هذه الشعوب، إلا أن هذه الشعوب فيها خير كبير جداً. والذي يثبت هذا أنه عند الثورات والتغيير تجد أن هذه الشعوب فيها خير كبير. الذي اختار الإسلاميين في مصر وأتى بهم إلى الرئاسة وإلى البرلمان هم الشعوب. لماذا اختاروهم؟ لأنهم ظنوا فيهم الخير والتمسوا فيهم الصلاح. فالشعوب موجودة، الشعوب رافعة، الشعوب ركيزة للمشروع الإسلامي.

الركيزة الخامسة: احتمالية وجود ظهير مأمون أو حليف مأمون. هذه الركيزة أيضاً توجد وتتاح. كل هذه ركائز للحركة، ركائز المشروع الإسلامي. وإذاً فالمشروع الإسلامي في حيز الإمكان. القيام بالمشروع الإسلامي في حيز الإمكان وليس في حيز المستحيل أو الصعب تطبيقه.

ما يحتاجه المشروع الإسلامي للنهوض

لكن المهم هو أن ننهض إليه وأن نستجيب لندائه بأكثر من شيء:

أولاً: استدبار حالة التفرق وهجرانها. نحن لا زلنا الآن، إلى الآن، إلى هذه اللحظة، لا زلنا نختلق المشكلات ونعيش في مشكلات الماضي. الآن إذا نزلت إلى المجتمع السوري الآن على سبيل المثال، تنشأ معركة ما بين السلفيين والأشاعرة، حالياً! تخيل، تخيل العقل الإسلامي رايح فين! وهي معركة قديمة أصلاً، ولا وجود لها في الواقع المعاصر أصلاً.

الذي يهدد الأمة الإسلامية الآن ليست هذه المشكلات. الذي يهدد الإسلام الآن هو شيء أكبر من هذا بكثير، شيء يجمع المسلمين من أقصى الدنيا إلى أقصاها.

ثانياً: التركيز على القضايا الأساسية. عندما تنظر في حال كثير من الناس الذين ينتسبون إلى العلم وإلى الصحوة، تجدهم يتنافسون في أمور تعتبر أموراً ليست على مستوى تفكير العلماء. حتى في ميدان التأليف والعلم وهذه الأمور، يتنافسون في أي طباعة، أي شيء ينشر على الناس، يتنافسون في نيل العضوية في اتحاد كذا ورابطة كذا، يتنافسون في حضور مؤتمر في المكان الفلاني، يتنافسون في استيفاء السي في، في كل هذه الأمور، بعيداً عن القضايا الأساسية. كل هذه الأمور لا بد من هجرها.

ثالثاً: خطوة واحدة في الاتجاه الصحيح. المشروع الإسلامي في حيز الإمكان، ولكننا نحن الذين لا نخطو هذه الخطوة. نحن نحتاج إلى أن نخطو الخطوة فقط. جرب في حياتك، إذا توكلت على الله عز وجل وخطوت خطوة فقط في الاتجاه الصحيح، ستجد أن الله عز وجل يفتح لك.

دروس من التاريخ الإسلامي: كيف غير الله الكون للأمة؟

يستشهد الدكتور عطية عدلان بمثال تاريخي عميق يوضح كيف أن الله عز وجل يغير الكون للأمة

الحروب بين الروم والفرس: تمهيد إلهي للفتوحات

يستشهد الدكتور عطية عدلان بمثال تاريخي عميق يوضح كيف أن الله عز وجل يغير الكون للأمة عندما تخطو خطوة في الاتجاه الصحيح. فالأمة الإسلامية لما توكلت على الله وأخلصت في عهدها الأول ووضعت قدمها على الطريق الصحيح وأخذت خطوة في الطريق الصحيح، ربنا غير لها الكون.

تعرف كيف تغير الكون؟ عندما توجهت الأمة الوجهة الصحيحة في تنفيذ مشروعها وتطلعت إلى البحث عن منصة جديدة للانطلاقة قبل الهجرة بأعوام، ماذا حصل؟ حصلت حربان كبيرتان وقعتا ما بين الدولتين العظميين آنذاك – الروم والفرس – حربان كبيرتان في بضع سنين. ﴿الۤمۤ ۝١ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ۝٢ فِیۤ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَیَغۡلِبُونَ ۝٣ فِی بِضۡعِ سِنِینَۗ﴾ [الروم ١-٤]. حربان، الاثنان، فأمة منهما انهزمت والأمة الثانية انهكت.

تفسير جديد لآية “ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله”

انتبه لما حصل، قال لك ﴿وَیَوۡمَىِٕذࣲ یَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ۝٤ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ [الروم ٤-٥]. ليس كما قال أكثر المفسرين: يفرح بنصر الله يعني نصر الله لأهل الكتاب على المجوس، يعني كفر أهل الكتاب أقل من المجوس. لا، أهل الكتاب كفار زي المجوس ما هم كفار. ولا يفرح ولا يسمى نصر الله لهم نصر الله، إنما يكلهم الله عز وجل إلى الأسباب المادية.

إنما “ويومئذ” يعني يوم أن ينتصر الروم على الفرس، يومئذ يفرح المؤمنون في المدينة بنصر الله لهم، إذ أنهم نجحوا بفضل الله عز وجل في الخروج من عنق الزجاجة وإقامة دولتهم وتكوين جيشهم وقهر عدوهم الأول والأكبر في بدر، والدخول بعد ذلك إلى المساحة الأخرى والمنطقة الأخرى التي شبوا فيها عن الطوق.

عندما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الأحزاب وقال كلمته الشهيرة التي تعتبر علامة ومفرق طريق، وهي: “الآن نغزوهم ولا يغزوننا”، يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

خاتمة

في هذا الحوار العميق والشامل، قدم لنا الدكتور عطية عدلان رؤية متكاملة لمفهوم الثورة من منظور إسلامي، وشخص بجرأة وموضوعية أسباب تعثر الثورات العربية، وأكد على إمكانية تحقيق المشروع الإسلامي إذا توفرت الإرادة والعزيمة. لقد أوضح الدكتور عدلان أن الإسلام في جوهره دين ثوري يدعو إلى مقاومة الظلم والطغيان، وأن الثورة الحقيقية هي عملية استئناف حضاري شاملة، وليست مجرد تغيير سياسي.

كما أكد على أن جميع ركائز المشروع الإسلامي متوفرة: الفكرة موجودة في جوهر الإسلام، والقيادة موجودة، والطليعة موجودة، والشعوب موجودة، وإمكانية وجود حليف مأمون متاحة. كل ما يحتاجه المشروع هو النهوض به والاستجابة لندائه، واستدبار حالة التفرق، وخطوة واحدة في الاتجاه الصحيح.

إن حديث الدكتور عطية عدلان هو دعوة مفتوحة للتفكير والتأمل، وللعمل الجاد من أجل مستقبل أفضل لأمتنا. إنه يبعث الأمل في نفوس المؤمنين، ويحفزهم على العمل، ويؤكد لهم أن النصر قريب إذا توكلوا على الله وأخذوا بالأسباب. لقد تركنا الدكتور عدلان مع مجموعة من الأفكار والتساؤلات التي تحتاج إلى مزيد من البحث والنقاش، والتي نأمل أن تكون بداية لنهضة حقيقية.

في الختام، يعبر المحاور عن شكره للدكتور عطية عدلان على هذا اللقاء المميز، مؤكداً أن الحديث عن المشروع الإسلامي سيحتاج منهم حلقات وحلقات، وأن الدكتور عدلان جاهز لهذا، وأن كل شوقه لهذا الحديث، حقيقة، وإن كان موضوعاً صعباً وغوائله كثيرة، لكنه يريد أن يفتح فيه الحديث على الأقل، لأنه مهم.

دعوة للتفاعل

بعد هذا العرض الشامل والمفصل لأفكار الدكتور عطية عدلان حول الثورة والمشروع الإسلامي، يبقى السؤال الأهم مطروحاً أمام كل واحد منا: ما هو دورنا الشخصي في تحقيق هذا المشروع الحضاري الكبير؟ وكيف يمكننا أن نساهم بفعالية، كأفراد وجماعات، في بناء مستقبل أفضل لأمتنا؟ وهل نحن مستعدون لتحمل المسؤولية والتضحية من أجل هذا الهدف العظيم؟ وهل سنخطو تلك الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح التي تحدث عنها الدكتور عدلان، والتي سيفتح الله بعدها الطريق أمامنا؟

التعليقات معطلة