كيف تُصحِّح المَسِير، وتستدرك ما فات في العُمر الطَّويل في زَمَن قصير؟
يتناول المقال الفِقْهَ العميقَ للاستدراك، وقد تضمَّن فقه اختيار مجال الاستدراك [فقه الاستدراك: سبعة مجالات لبناء نهضة الأمة] ، وحُسن التَّخطيط الإداري له.
الذي يمشي بغير خُطَّةٍ وافيةٍ يتعبُ ويفكِّرُ كثيرًا، ولا يُنجز أو يُنتج إلَّا قليلاً، قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمۡشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الملك: 22].
الفرع الأول: أهمِّيَّة تنظيم الشَّخصية وكتابة الخُطَّة الذَّاتِيَّة
أستفتح الكلام بقول الشيخ محمد الغزالي إذ قال فأحسن القول: ما أجملَ أن يُعِيد الإنسان تنظيم نفسه بين الحين والحين، وأن يُرسل نظراتٍ ناقدة في جوانبها؛ ليتعرَّف عيوبها وآفاتها، وأن يرسم السِّياسات القصيرة المَدَى والطَّويلة المَدَى ليتخلَّص مِن هذه الهَنَات التي تُزري به! … ويستقِرّ في سَلَّة المُهمات ما لا معنى لاحتفاظ به … إنَّ الكَيَان العقلِيّ والعاطفِيّ للإنسان قلَّما يبقى مُتماسك اللّبنات مع حِدَّةِ الاحتكاك بصُنُوف الشَّهوات وضُرُوب المُغرَيَات.
الإنسانَ بمثابة مؤسَّسة لها أعمالٌ ونشاطات، ونجاحُها منوطٌ بحُسنِ إدارتها، ودِقَّة التَّخطيط لها.
ومن منافع انتظام الإنسان وفق خُطَّة شخصية الأوجه الثَّلاثة الآتية:
أولًا: كثرة الإنجاز: الذي يمشي بلا تخطيطٍ ولا هدفٍ فإنَّهُ إن أَنْجَزَ 30% كان في غاية البهجة، واستمراره محَلُّ شَكّ.
ثانيًا: السلامة من الاضطراب: وأذكر أنِّي جالستُ شابًّا ناشئًا ناهز العشرين، ولمَّا تداولنا الأوراد العِلْمِيَّة قال لي: يومي واضحُ المَعَالِم: خمس ساعات للتَّخصُّص الذي أَدْرُسُهُ، وساعة لحِفْظ القُرآن ومُراجعته، وساعة للتَّفسير، وساعتان للقراءة في الكُتُب الثَّقافِيَّة والشَّرعية والفِكْرِيَّة، وحاصل المقروء عندي يوميًّا سبعون صفحة، وقد انتهى مِن قُرابة مائة كتاب بهذه الطَّريقة.
ثالثًا: حَلّ المُشكلات الخاصَّة: وقد أحسن الدكتور عبد الكريم بكَّار إذ صرَّح قائلًا: “كُلُّ مُسلمٍ لا يستطيع حَلّ مُشكلاته الخاصَّة يتحوَّل هو إلى مُشكلة اجتماعية”.
أنصح بكتاب: الخُطَّة البرَّاقة لذي النَّفس التَّوَّاقة، للدكتور صالح الخالدي؛ فإنَّه نافعٌ مُفِيدٌ، وهو منشورٌ عبر الشَّبكة.
ثم ليُعلم أنَّ مَن لا يُخطِّط لنجاحه فإنَّه يُخطِّط تلقائيًّا لفشله، ومَن لا يُخطِّط لنفسه فسيكون تلقائيًّا ضِمْن منظومة خِطَط الآخرين.
الفرع الثاني: تحديد الشَّكل النِّهائي للشَّخصية
ومنزلة هذه النُّقطة مِن الخُطَّةِ كمنزلة تكبيرة الإحرام من الصَّلاة.
لا بُدَّ من تحديد الشكل النّهائي للشَّخصية؛ هل سأكون فقيهًا يُفتي النَّاس؟، أم مؤلِّف كُتُبٍ ودراسات؟، أم قائدًا عسكريًّا يُذِلُّ أعداءَ الله؟، أم رجل سياسة يُؤَثِّرُ في مَسَار الأحداث؟، أم خبيرًا أمنيًّا يقف لعدونا بالمرصاد؟، أم رجل إعلام يُحسن البَلاغ؟، أم مُصلِحًا اجتماعيًّا يحلّ مشاكل المُجتمع مُشكلةً بعد أخرى؟، أم رجل اقتصاد يُعيد للأُمَّة قَدْرَهَا وقرارها؟، أم مُفكِّرًا يصنع المفاهيم التي تحتاجها الأُمَّة؟، أم رجل تربية ودعوة وإصلاح؟، أم رجل بُحُوث عِلْمِيَّة يتفرَّغ عبرها لحَلّ المُعضلات؟، أم عالمًا في الشَّريعة أو الفيزياء أو الطِّبّ أو التَّاريخ أو غير ذلك؟
إنجازَكَ لهذه النُّقطة يعني أنَّك ستبدأ تقتني الكُتُب اللَّازمة لمسارك، وتُصاحب أناسًا يحملون نفس التَّوجُّه، وتُطالع مواقع تبحث في نفس التَّخصُّص، وتُتقن المهارات والدَّورات التَّخصُّصِيَّة المطلوبة لذلك.
على أن يكون هذا الجانب مُتوافقًا مع رغبة الإنسان وقدرته وطُمُوحه، وليس بالضَّرورة أن يكون هو مجال تخصّصه أو وظيفته، لكن كُلَّما كان مُنسجمًا معه كان أولى وأقوى.
وذلك أنَّ الرَّغبةَ هي جِسْر الإبداع، فقد جعل اللهُ نفس كلّ شخص مُتآخيةً مع نوعٍ من المعارف، وليس بوقتٍ ضائعٍ ذلك الذي تُنفقه في اكتشاف نفسك.
وحذار من أن تكون الرَّغبةُ بناءً على إعجابٍ بفلانٍ أو ضغطٍ مِن آخر.
بل علامة الفِقْه عند هؤلاء أن يُوَجِّهُوا الإنسان للمَجَال الذي يسَّره اللهُ له، وحبَّبه إليه، وكلٌّ مُيسَّر لِمَا خُلِق له، بل إنِّي لأخشى أن تكون مُخالفة الآباء لرغبات الأبناء هي من العُقُوق الحاصل في حقِّهم (أي الأبناء).
الفرع الثالث: كيفية كتابة الخطة
بشكلٍ عَمَلِيّ مُيسَّر، لو أردنا أن نكتب خُطَّةً مُتوسِّطة المَدَى، لمُدَّة ثلاث سنوات، فماذا نفعل؟ لا بُدَّ أوَّلًا من بيان محاور الخُطَّة، ثُمَّ كيفية التَّنفيذ، ودونك البيان:
أوَّلًا: محاور الخُطَّة: وهي سِتَّة، ودونك بيانها:
- الجانب الإيماني: كالعبادات؛ مثل التَّهجُّد وحفظ القُرآن وأعمال القُلُوب.
- الجانب التَّربوي والخُلُقي: ويُرَكِّزُ على الجانب السُّلُوكي؛ مثل العِفَّة والتَّجرُّد والصِّدق والحِلم والحكمة والرِّفق والوفاء وما أشبه ذلك.
- الجانب العِلْمِي.
- الجانب الدَّعوي: وأعني به التَّنظير للفكرة التي تنتمي إليها، سواءً كانت شرعيةً أو لا، وذلك عبر الخطابة والتَّدريس، أو الكتابة والتَّصنيف، أو مِن خلال وسائل التَّواصُل الاجتماعي أو غير ذلك.
- الجانب الاجتماعي: وفيه العناية بالأهل، والعلاقة مع الأرحام والجيران والأصدقاء وزُملاء العَمَل وأضراب ذلك، ويدخل في هذا الجانب ما يتعلَّق ببناء البيت والزَّواج والوظيفة كذلك.
- الجانب الشخصي: ويُؤوِي إليه الجانب الصِّحّي والتَّرفيهي وتحصيل المهارات التي يحتاجها ويرغبها.
فيأتي إلى كُلّ جانب من هذه الجوانب السِّتَّة، ويقوم بكتابة خُطَّة خاصَّة به، فالمطلوب هُنا مُجرَّد سرد الأعمال ليس إلَّا.
ثُمَّ إنَّه سيكون عندنا أربع ورقات:
الأولى: الخُطَّة الاستراتيجية: وفيها سرد الأعمال في كُلّ محور للسَّنوات الثلاث.
الثانية: الخُطَّة السَّنوِيَّة.
الثالثة: الخُطَّة الشَّهرية.
الرابعة: الخُطَّة الأسبوعية: ويُلاحظ فيه البرنامج اليومي.
وقد التزمت بهذه الطَّريقة، ووجدتُ فيها بركةً، وأيّ بركة!
وما يُيَسِّر الأمر أن يقوم بتجهيز قوالب جاهزة للورقة الشَّهرية والأسبوعية عبر الحاسوب، ويُصبح يُعبِّئ الفراغات فحسب. أمَّا فيما يتعلَّق بتفصيل الخُطَّةِ مِن الدَّاخل فهذا شأنك.
الفرع الرابع: نِقاط خمس منثورة في تنظيم الشَّخصية
أولًا: الإرادةُ هي أصلُ التغير، ولا يستطيع أحدٌ أن يمنحك إيَّاها، ولكن يُمكن تشجيعك عليها.
فإن أكثر الناس استمتاعًا بالحياة، وتأثيرًا في الواقع أكثرهم ضبطًا للمشاعر، وتنظيمًا للقرارات التي تخصهم أنفسهم.
ثانيًا: بعض الإخوة يهاب كتابة الخطط الشخصية. خُطّتك ظلُّ حياتك.
ثالثًا: يعقب الإنجاز نوعٌ من الخُمُول. والمُسلم يُربِّي نفسه ما إن ينتهي من عَمَل حتى يشرع في غيره، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب﴾ [الشرح: 7-8].
رابعًا: إنَّ الاستدراكَ يتجزَّأ لضمان دِقَّة التَّنفيذ، وحُسْن الأداء، وعَدَم التَّشتُّت والاضطراب بالدُّخُول في الأُمُور الكبيرة جُملةً واحدة.
وذلك أنَّ حماسةَ بعض الشَّباب في استدراك التَّقصير، ورؤيته للنَّاجحين تجعله يُريد أن يتعجَّل المشهد الأخير الذي وصلوا إليه، والنَّتيجة أنَّه يُحبط ورُبَّما ييأس.
ثُمَّ إنَّ تقسيم العَمَل الواحد إلى عِدَّة أجزاء يُهوِّنه في عين صاحبه.
خامسًا: أمران إن تَرَتَّبَا في حياتك صلحت أحوالك دينًا ودُنيا، وأُعِنْتَ على نجاح خُطّتك: النَّوم والصَّلاة.
فإذا نمت وفق الطَّبيعة التي جبل اللهُ النَّاس عليها؛ بأن نمت مُبكِّرًا قدر الاستطاعة، ولم تنم صباحًا إلَّا مِن نحو ساعة بعد شُرُوق الشَّمس عند الحاجة، ثُمَّ استعنت بنوم القيلولة.. فإنَّ جدولَ يومِكَ سيكون مُنَظَّمًا مُرَتبًا، وسيرتفع الإنجاز في حياتك حاضرًا ظاهرًا.
وإذا التزمت بالصَّلاة في المسجد.. فإنَّ منظومةَ مواعيدك وأورادك ستكون سليمةً مُستقيمة.
وعلاج التَّشويش في هذين الأمرين يكون بمُجاهدة النَّفس على الالتزام بهما، وتحمل عناء التَّحوُّل إليهما، وذلك أنَّ أيّ أمرٍ يؤرِّق الإنسان، ويُريد أن يجعله عادةً راسخةً في حياته فلا بُدَّ أن يُكرّره عددًا يثبت بعده، أقله واحدٌ وعشرون مرَّة -وهو الغالب في النَّاس-، وأكثره أربعون مرَّة كما يُنقل عن عُلماء النَّفس، مع عَدَم القطع بينها. على أنَّه في هذه الفترة سيُعاني كثيرًا، لكنَّه بعد ذلك سيرتاح طويلاً بإذن الله تعالى.
المصدر
مدونة التاعب، خُلاصة كتاب: فِقْه الاستدراك، تأليف: الشيخ محمد بن محمد الأسطل.

