إن ساحة النزال في هذه المرحلة هي ساحة سياسية لا عسكرية بالمقام الأول، وإن مجلس السلام الذي يقوده ترامب هو مجلس الحرب ولكن بثوبٍ جديد وطرح جديد….
تحليل استراتيجي: غزة في مفترق طرق بعد عامين من الحرب
بعد سنتين طويلتين قاسيتين من الحرب أدرك الجيش الصهيوني أنه وقع ضحية الاستنزاف وأنَّ كسر شوكة غزة بالقتال بات أمرًا بعيد المنال، فاستخلص خلاصة خبرته وتجربته في القتال على مدار السنتين وانتهى به الأمر إلى أنه يريد أن يدمر مدينة غزة عاصمة القطاع دون قتال، ومن ثم فإنه اعتمد سياسة تفجير الأحياء السكنية بأطنان من المتفجرات عبر الروبوتات والتقدم دون أن يواجه المقاتلين وجهًا لوجه، فكان يأمر الحي تلو الحي بالإخلاء ويقوم بالتفجير والتقدم شيئًا فشيئًا، وبقي كذلك حتى فرَّغ مدينة غزة من أكثر أهلها وبات فيها نحوٌ من 200 ألف نسمة فقط.
صفقة ترامب: المخرج والحسابات
وهو ما دفع قادة المقاومة إلى القبول بصفقة ترامب التي يمكن من خلالها إنقاذ ما تبقى من مدينة غزة وتفويت فرصة التحول للمنطقة الوسطى ومن ثم الشروع المباشر في مشروع التهجير، بالإضافة إلى التمكن من الإفراج عن نحو ألفين من الأسرى في صفقة تبادل منهم نحو من 250 أسيرًا من أصحاب المؤبدات العالية، والأهم من ذلك كله وقف الحرب في صورتها الصاخبة ووقف شلال الدم الذي لم تتقدم أي قوةٍ في العالم لإيقافه.
وفي تقديري أن المقاومة لجأت إلى تقسيط الإفراج عن الجثث لتستهلك وقتًا طويلًا لتتجاوز بذلك إمكان الرجوع للحرب، وهو ما نجحت فيه، والآن وصلنا إلى مشارف المرحلة الثانية التي يدور فيها الكلام عن نزع السلاح وتسليم الحكم.
إستراتيجية المناورة في موضوع السلاح
أما نزع السلاح فالذي يُفهَم من كلام عددٍ من أصحاب الكلمة في البلد أنَّ السياسة المعتمدة هي المناورة واستهلاك الوقت، وإمكان القيام ببعض التصرفات التكتيكية الخادمة لهذه السياسة، مع استمرار العمل على ترتيب البِنية الجهادية بما في ذلك لملمة الذات واستعادة المُقدَّرات ولكن في خفاءٍ بعيدًا عن الأضواء.
الفصل بين الحكم والحكومة
وأما الحكم فالذي يُفهم أنَّ المرونة هي في منطقة ممارسة العمل الحكومي عبر تسليم الوزارات إلى حكومة تكنوقراط تقوم بالمهام والخدمات، وأما الحكم بمعنى النفوذ والسيطرة فلا تزال الكلمة فيه للمقاومة، ومن ثم فإنَّ ما يجري يمكن عده حالة من التفريق بين الحكم والحكومة، ومن ذلك ما تقوم به الحكومة الجديدة من مصالح الناس في ظل الضغط الهائل فضلًا عن التمهيد لمرحلة الإعمار.
تحذيرات واستحقاقات المرحلة الجديدة
ولست هنا في مقام بيان رأيي في كلِّ ما سبق؛ وإنما أوصِّف الحالة وفق المعطيات القائمة بحسب ما يرشح من توجه القوم، ولكني هنا أنبه على جملةٍ من الأمور عِدَّتها سبعةٌ كما يلي:
أولاً: ساحة النزال السياسية
إن ساحة النزال في هذه المرحلة هي ساحة سياسية لا عسكرية بالمقام الأول، وإن مجلس السلام الذي يقوده ترامب هو مجلس الحرب ولكن بثوبٍ جديد وطرح جديد، وإنَّ المكر الكُبَّار الذي عليه الأمريكان أضعاف المكر الذي عليه الصهاينة، وهو ما يجعل غزة في مأزقٍ سياسيٍّ حرج؛ إذ يحتاج أهلها إلى قناطير من الدهاء لتجاوز هذه الحالة.
وإذا لم تتم المنازلة على وجهها فستكون الفتنة في حق البلد عظيمة، والظن بأهل البلد أن يتمكنوا من منازلة النظام العالمي بأقصى قدرٍ من الدهاء والمناورة والمراوغة وما إلى ذلك من الأساليب والتكتيكات، ولا ينبغي أن تكون العضلة العسكرية والأمنية أقوى من العضلة السياسية والفكرية، كما لا ينبغي أن يقع أهل البلد في المعضلة المتكررة لدى الشعوب وفي الطليعة منهم الإسلاميون الذين يكونون هم من يُطحن في الميادين وتكون فيهم التضحيات ومشاهد الإبادة ثم يكون جني الثمرات من طرف خصومهم.
ثانياً: تحديات الحكم المشترك
أيًّا كان شكل المناورة في موضوع السلاح فالظن القوي أن أهل البلد يتمكنون من تجاوز هذه الأزمة، ولكن المناورة في الحكم هي الأشد ضراوة؛ لأنَّ الولايات المتحدة يمكن أن تُدخِلَ البلد في حالةٍ من الفلتان وربما بعض مشاهد الحرب الأهلية في مرحلةٍ ما، فالحكومة الجديدة لها أجندة جديدة، وحين تكون السيادة موزعة على جهتين مختلفتين فهذه بيئةٌ خصبةٌ لحصول التصادم، وهو ما يجب على أهل البلد وقادة المقاومة وأعضاء الحكومة الجديدة أن يعوه جيدًا.
ثالثاً: أهداف الشكل الجديد
إن مما يزيد من المسؤولية في حق قادة البلد أن الشكل الجديد هدفه الإجهاز على ما تبقى من مقدراتٍ وإمكانيات، فالظن القوي أن مجلس السلام لن يمنع مشاهد الاغتيالات والقصف، وربما لن يرفع يد العدو عن منطقة الخط الأصفر، ولن يفك الحصار عن عشرات السلع والحوائج التي لا زال دخولها ممنوعًا، فضلًا عن أنه لن يبدأ قريبًا في الإعمار على وجهه.
رابعاً: هوية الكوادر الحكومية
إن الكوادر الحكومية الجديدة عليها أن تعلم أنَّ هويتها هي هوية البلد وهوية الأمة لا هوية الصهاينة والأمريكان وأدواتهم الوظيفية في المنطقة، ولا مستقبل لأعداء البلد أيًّا كانت منازعهم وانتماءاتهم، والمكتسي بالكفرة والظلمة عريان.
خامساً: التواصل مع الشعب
لا ينبغي لقادة المقاومة أن يُبقوا الشعب في أودية الحيرة؛ بل لا بد أن يكون الشعب مطلعًا على ما يجري، وإذا تعذر أو تعسر الخطاب الواضح فيمكن القيام بذلك عبر الأصوات غير الرسمية، خاصة أن الكلام اليوم عن المصالح العليا لأهل البلد.
وهذا من شأنه أن يقي كثيرًا من الأزمات التي يعمل العدو على زرعها في البلد، فضلًا عن أن الوضوح يُمكِّن من تحشيد الشارع باتجاه مصالح الشعب بشكل عام.
سادساً: الطوفان وآثاره المتواصلة
إنَّ ما تسطر عبر كلمات هذا المقال الموجز يتناول حلقة من حلقات المدافعة التي تجري، سواء فيما يتعلق بخصوص الطوفان أو بعموم المدافعة، وهو يتعلق بخصوص الحالة القائمة الآن لحظة الكتابة، وإنه لمن المبكر تقييم الطوفان وآثاره؛ لأنه حدثٌ كبيرٌ ضمن واقع متحرك متفاعل، وشأن الأحداث الكبرى أنها تتأثر بالواقع وتؤثر فيه، والطوفان له آثارٌ كبيرةٌ منها توفير السياق الذي أثمر انتصار الثورة السورية، ومنها تراجع المشروع الإيراني في المنطقة رغم أن إيران من أكبر الداعمين، وغير ذلك مما تطرقت إليه في كتاباتٍ سابقة.
سابعاً: خصوصية ودور غزة
إن قدر هذا البلد الغزي المبارك الذي هو أحد أهم ثغور الإسلام في هذا الزمن أن يُدافع النظامَ العالميَّ أجمع دون أن يتلقى النصرة المطلوبة من الدول العربية والإسلامية.
وهذه المرحلة ستشهد ارتياحًا متوسطًا في جملةٍ من المساحات؛ ولكنها لن تأخذ بالبلد إلى العافية التامة، وهو ما يُوجب على جميع أهل البلد أن يتسلحوا جيدًا إزاء هذه المدافعة التي يدمج فيها العدو بين الأدوات العسكرية الصلبة والأدوات الناعمة فضلًا عن الخشنة.
ومن الديانة التيقظ للمكر الكُبَّار، وأن يعلم أهل البلد أن المستهدف ليست المقاومة وحدها؛ بل الشعب بأكمله الذي قرر أن يقول للنظام العالمي: لا، فنحن معشر الشعب لنا همومنا التي نختلف فيها، ولكننا جميعًا اليوم جبهة واحدة ضد العدو المحتل وأدواته وداعميه.
مسؤولية تاريخية
وإنَّ هذه المرحلة هي أهم مراحل الشعور بالمسؤولية وإمكان تفويت الفرصة؛ فلا ينبغي للعدو أن ينجح في فرض وقائع على الأرض ثم يحصل الاجتهاد في دفعها؛ بل الوقاية مقدمة على العلاج، ولو أمكن تشكيل مجلس حكماء من جميع المكونات بما فيها العشائر والعوائل وأصحاب الاختصاص والخبرة فهو خير، والله غالبٌ على أمره؛ ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
المصدر
الشيخ محمد بن محمد الأسطل.


