جوهر الإسلام هو التسليم

الاسم الذي يُعيد ترتيب كل شيء في حياة الإنسان هو اسم واحد.
فهل تعيشه حقًّا… أم تكتفي بالانتساب إليه؟

الإيمان بين الشعور العابر والتسليم الكامل

كثيرون يظنون أن الإيمان مسألة شعور، أو قناعة ذهنية، أو التزام انتقائي بما يوافق العقل والهوى. لكن هناك معنى أعمق، اسم لو استقر في القلب غيّر طريقة التلقي، ومنهج الفهم، وحدود القبول والاعتراض. هذا المعنى هو مفتاح الطمأنينة، ومفترق الطريق بين التسليم والانحراف.

الأسوة الحسنة في التسليم

الإسلام لرب العالمين. كيف يحيا مُسلماً لربه تبارك وتعالى؟ إبراهيم وولدُه عليهما السلام أسْلما لربِهما. الوالدُ عزمَ على ذبح ولده، والولدُ أعانَ والدَه: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾[الصافات:102]. وصبرا على حُكم الله تعالى ففداه الله بذبح عظيم..

الاسم الحقيقي: عَبْدٌ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ

نحنُ عبادُ الله نُسلِمُ له ونُسلِّمُ بلا شرطٍ ولا قَيْدٍ. أحقُّ اسمٍ لك فيما بينك وبين الله أنك (عبدٌ لرب العالمين). فأنت منه وعليه وبه وله وإليه راجع.. منه: فطرك، عليه: هدايتُك، وبه: استعانتُك، وله: أنت مِلكُه، وإليه المُنتهى. وهذه هو اسمُك الذي ينبغي أن تتعامل بناءً عليه عندما ما يبلُغك من نبأ الله وأمره؛ فتكون مؤمناً مُصدِّقاً لأنبائه، قابلاً سامعاً مُطيعاً لأمره. وهذا هو التسليم لله وإحسان العمل إليه والاطمئنان بذكره: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء:125].

الانحراف عن التسليم: صُوَرٌ وأوصاف

وكُل من تخلَّى عن هذا الاسم تجاه نبأ أو حُكمٍ يعلم أنه جاءه من الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم: فجعلَ إيمانه بالله أو بأنبائه وشرعِه مشروطاً أو مُقيَّداً، أو شكَّ فيه أو عارضه أو جادل فيه، أو توقَّف في قبول حكمه حتى يعلم الحكمة منه، ولماذا شرعه؟ أو جعل حُكم غير الله خيراً من حكمه وأحكمَ وأحسن ونحو ذلك،  فهذا إما كافرٌ أو مُنافقٌ أو مُرتابٌ مُتردٍّ، أو يعبدُ الله على حرف، أو في قلبه مرضٌ أو غير ذلك ممن أخرجهم الله من اسم (المؤمنِ المُسلِّمِ لله المُطمئنِ به وله). وما دخلتْ هذه الأمور على عبدٍ (رجُلاً كان أو امرأةً، كبيراً أو صغيراً أو شاباً، مُثقفاً أو غير مُثقف) وتركتْه سالمًا، بل ما تزالُ به تأكُل إيمانَه شُعبةً شعبة حتى لا يبقى منه شيءٌ..

 طريق التسليم: معرفة الله تعالى

وأعظم ما يوصل العبد لذلك علمُه بأسماء الله وأفعاله ومحامده ونعمه وآياته وسُننه؛ فبها بإذن الله يُسلّم لحكمه وشرعه وقدره، ويُحسن به الظن، ويطمئن بذكره قلبُه، ويتوكل عليه ويرجوه.. فنحنُ عبادٌ لله وهو ربُّنا ومولانا وهادينا والحاكمُ علينا. ونحن نُصدِّق خبره ووعدَه ونُطيع أمره بناءً على ذلك. وليس لأننا اطّلَعنا الغيب فعلمنا صدق أنبائه، ونظرنا في شرعه فعلمنا صواب حُكمه، وأن الصلاة والصيام والزكاة والحج فيها فوائد صحية واجتماعية واقتصادية ونفسية وعصبية.. وتؤدي إلى الرخاء والرفاهية وسلامة الأمن والمجتمع والناس… الخ. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾[الأحزاب:36].

التسليم الكامل واليقين الثابت

ومع تسليمنا لله وطاعته واتباع أمره: فنحنُ على يقينٍ بأنه أصدق قيلاً وأحسنُ حديثاً وحُكماً وشرعاً. وهو العليم الحكيم اللطيف الخبير الجميل. وتمت كلمتُه صدقاً وعدلاً. وأنه ما شَرع ولا حكمَ ولا قضى بمجرد المشيئة، بل بعلمٍ وهدى وحكمةٍ (سواءٌ هُدِينا لمعرفة الحكمة المُفصَّلة من كل حُكمٍ أو لم نُهدَى). وأنه لا يُسأل عمّا يفعل لأنه فعّال لما يريد، ولأنه لا يريد إلا الحق والعدل والحكمة. فنحنُ نُسلِّم له بلا شرط، وبلا قيْد؛ فنحنُ منه وله وبه وإليه.

منهج التلقي والعمل

خُذ هذه المُقدمة واجعلها في قلبك واربط عليها وعلّمها أهلك وولدك. ثم فكِّر بعدها في التماس شواهد تصديق أخبار الوحي، والتماسِ الحِكم والعِبر ووجوه المصالح والمنافع من الشريعة. وكُل من طلب ذلك قاصداً الهدى اهتدى لأعظم ما تطمئن به النّفسُ وتسكُن وتفرحُ وتزدادُ يقيناً في الله.

﴿لَّقَدۡ أَنزَلۡنَاۤ ءَایَـٰتࣲ مُّبَیِّنَـٰتࣲۚ وَٱللَّهُ یَهۡدِی مَن یَشَاۤءُ إِلَىٰ صِرَ ٰ⁠طࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ ۝٤٦ وَیَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ یَتَوَلَّىٰ فَرِیقࣱ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَ ٰ⁠لِكَۚ وَمَاۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ ۝٤٧ وَإِذَا دُعُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِیَحۡكُمَ بَیۡنَهُمۡ إِذَا فَرِیقࣱ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ۝٤٨ وَإِن یَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ یَأۡتُوۤا۟ إِلَیۡهِ مُذۡعِنِینَ ۝٤٩ أَفِی قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوۤا۟ أَمۡ یَخَافُونَ أَن یَحِیفَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ۝٥٠ إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ إِذَا دُعُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِیَحۡكُمَ بَیۡنَهُمۡ أَن یَقُولُوا۟ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ۝٥١ وَمَن یُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَیَخۡشَ ٱللَّهَ وَیَتَّقۡهِ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَاۤىِٕزُونَ﴾ [النور:46-52].

المصدر

صفحة الشيخ حسين عبد الرازق، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

أصل الإسلام والتسليم .. لماذا الحديث عنه؟

التسليم لله رب العالمين..ثمار وآثار (1)

التعليقات معطلة