أمريكا إن رأيتها: كلية القدرة في الترويض وتحويل كل شيء لصالحها، حتى يصير تعثرها مكراً سياسياً، وتحيرها خطة استراتيجية، وانسحابها هو عين هيمنتها.. فهذا “تأليه للكائن الأمريكي” لا يصلح نقاش صاحبه…
بين توحيد الربوبية وتأليه الكائن الأمريكي – قراءة في خطاب المؤامرة والسياسة الواقعية
مما أراه من مظاهر الخلل في فهم “توحيد الربوبية” في الخطاب السياسي المعاصر، ذلك الذهاب بفكرة المؤامرة إلى طرفها المفرط، وتسليم العقل والتحليل لنظرية “الكائن الأمريكي كلي القدرة والتصرّف” في العالم، وعلى الأقل في الشرق الأوسط… فلا يحدث شيء في نظر هؤلاء إلا بالفعل الأمريكي، ليكون جزءاً من مخططاتها بعيدة المدى.
حتى أولئك الذين كانوا ألد أعداء أمريكا، ليسوا في نظر المؤامراتيين إلا بيادق صُنعت داخل أقبية وغرف عملياتها…
أنا أبحث دائماً عن “هؤلاء المهمين جداً” الذين يهددون الهيمنة الأمريكية في المنطقة، حتى تتآمر ضدهم بهذا الشكل الشيطاني مكراً واللاهوتي قدرة؟!!!
عند هؤلاء، من لا ينتهج المواجهة المباشرة مع أمريكا فهو عميل لها، ومن لا يصطدم بها على كل حال وفي كل وقت فهو موظف عندها… هؤلاء حمقى وإن أحسنوا الكتابة والكلام… لكن يظهر عند غيرهم مستوى أقل تطرفاً في المؤامراتية، يُسلّم بشدة لقدرة أمريكا على استثمار كل شيء وأي حركة لصالحها، حيث لا تدع مجالاً لغيرها يناور فيه أو يكتسب منه مصالح لنفسه… فتكون دائماً هي الرابحة.
الحالة السورية: بين الصناعة الأمريكية والواقع المُفْرَض
دعني أنزل هذا التحليل على القيادة السورية الجديدة، وهذا من متابع غير محايد لكنه يحرص على الموضوعية والطراد…
تشبيه الشرع (المقصود: النظام السوري) بقسد في الوظيفية لصالح أمريكا ليس إلا تجاوزاً للحقائق وقفزاً على التاريخ، وتسوية بين من “صنعته أمريكا” ومن “اضطرت للتعامل معه”…
قسد صنيعة أمريكية
قسد صنيعة أمريكية خالصة، وكون مادة قسد تكوّنت من “مقاومة هوياتية قومية” لخصومها المحليين، لا ينفي تشكيلها أمريكياً من خلال:
– التسليح
– التمويل
– الحماية السياسية
– الحماية “الجوية”
– وتحديد الأهداف
ضع أسطراً تحت هذه النقاط…
الشرع وواقع مختلف
في المقابل، الشرع ومن معه لا ينبغي – موضوعياً – اختزالهم فيما بعد تنصيبه رئيساً ونسخ تاريخهم. فقد كانوا إلى عهد قريب خصوم أمريكا أو ورثة مشروع ألد أعدائها… ثم فرضوا واقعاً ميدانياً يكرهه العالم ويخشاه، أعني عدم “الدولة المسيطرة على الداخل والحدود والضابطة لانتشار السلاح والجماعات”.
استثمروا ضعف خصومهم وانشغال حلفائهم الروس وانكسار الهلال الإيراني، ثم سيطروا على هذا “الفراغ” بفعل القوة “المحلية” التي أفرزتها الثورة وتجاربها الطويلة في الشمال – الذي غاب عن مراقبته أكثر من يتحدث اليوم -.
ثبّتوا وجودهم أمراً واقعياً يحتمي بشرعية ثورية وتأييد شعبي عام تشهد له دعوات النفير العام التي مثّلت عند “المراقبين” استفتاءات لصالح السلطة الجديدة…
التعامل مع الواقع
جميع هذا لا يترك خياراً لأمريكا إلا التعامل مع الواقع ومحاولة احتوائه… وهذا يكفيك لتدرك حجم الجور الذي تترجمه كلمات مثل “أمريكا استبدلت موظفاً بموظف”.
أدلة تناقض رواية التوظيف
فإن طلبت فوارق أخرى، فيمكنك العودة إلى ما بعد “التحرير” والطلعات الجوية التي لم تسبق في تاريخ الاحتلال، لتدمير ما أمكن من السلاح حتى لا يقع في يد الدولة الجديدة. التي لو كانت كدولة “الشريف حسين” أو أبنائه في الأردن والعراق، لحرص العدو على قوتها لتحمي ظهره، مثلما تفعل دول الطوق، ولم يقصفها بشكل جنوني في لحظة ضعف كادت تعصف بها أثناء محاولة انقلاب في الساحل…
الفلول الذين كشفت التسريبات أنهم كانوا عين الاحتلال وحلفاءه، وهم متهمون بخدمته ضد الحزب اللبناني، هددوا الدولة الجديدة في لحظات ميلادها. فبماذا يفسر المؤامراتيون قصف الاحتلال لها في تلك اللحظة مع أنها – بحسبهم – مشروع أمريكي جديد؟!!!
هذا جميعه يُقال لمن غاب عن متابعة الثورة و”إدلب” خاصة…
قراءة شاملة للواقع
تأمل ما سبق، وعد إلى الإبادة التي تعرضت لها أرتال الجيش السوري الجديد وهي تحاصر السويداء… اجمع كل هذا إلى العقوبات التي لم ترفع كلياً إلى الآن، وإلى التردد الأمريكي والأوروبي في الاعتراف أو الاعتراف الحذر.
إذا كفاك ما مضى لإلغاء فرضية استبدال الموظف بالموظف، وتهافت فكرة الشريف حسين الجديد… لم يصلح بعده إلا أن تقول: أمريكا تستثمر.
نقد عقلية التأليه الأمريكية
فإن رأيتها: كلية القدرة في الترويض وتحويل كل شيء لصالحها، حتى يصير تعثرها مكراً سياسياً، وتحيرها خطة استراتيجية، وانسحابها هو عين هيمنتها.. فهذا “تأليه للكائن الأمريكي” لا يصلح نقاش صاحبه…
فإن سلمت أنها تستثمر الواقع وتتعامل معه بأدواتها الوازنة، لزمك التسليم أن غيرها يتحركون في الواقع بالمتاح، ويديرون الممكن بما بين أيديهم – وهم الطرف الأضعف الذي ينبغي أن يُعذر ويُجبر ضعفه، لا أن تراقب تحركاته وتستشرف سقطاته وتُضرب له الأمثال بالخونة والمرتزقة وشياطين التاريخ.
منطق الواقعية السياسية
كل عاقل يدرك أن فاقد “القوة” لن تنفعه “الشعارات”، ولن تثمر معه المغامرات… وليس في الدين والعقل ما يفرض على المسلم أن يجعل نفسه مصداقاً للقاعدة الجويفية: (العربي الجيد هو العربي الميت).
السياسة حلبة صراع، ومجال رحب للظنون، بل الارتباك، والفشل فيها وارد على كل أحد غير معصوم، بل الظلم وقصد السوء والركون إلى الدنيا لا يسلم منه – ابتداء – غير معصوم…
لكن الذي يسير بشعار “إدارة الممكن” و”الممكن لي محدود”، فتكليفه منوط بالممكن له، وبراءته ببذل وسعه، وأجره معلق بمجرد اجتهاده وهو على قدر نصبه.
الحذر ضروري، والنظرة الرغبوية والثقة المفرطة لا ينبغيان مثلما لا تنبغي النظرة المؤامراتية… لكن تجاوز الواقع ونسخ التاريخ + تأليه أمريكا = محض غلط وظلم، ما زال الواقع السوري نفسه يكذبه.
ختاماً: أتم لأهل الشام نصرهم وأثمر لهم ثورتهم وبنى مجدهم، ودفع عنهم كيد الظالمين وأذى المخالفين.
المصدر
صفحة الأستاذ أبو عبد الرزاق فتح الله، على منصة ميتا.

