575 – مفهوم 23: ضوابط الأخذ بالأسباب
ينبغي على المرء أن يكون متوازنًا في أخذه بالأسباب؛ فلا يعارض بها التوكل على الله، ولا يتركها ويهملها؛ لأن ذلك قدح في حكمة الله عزّ وجلّ الذي ربط المسبَّبات بأسبابها، ونقصان في العقل. وحتى يحدث هذا التوازن لا بد من اعتبار الضوابط الآتية في الأخذ بالأسباب:
1 – ألا يركن إليها، ولا يعتقد أنها تستقل بتحقيق المطلوب؛ فالله سبحانه هو الذي جعل الشيء سببًا لحدوث المسبب، وقد ينزع ذلك عنه، وقد تكون هناك موانع له، فالله هو الذي يكمل السبب ويدفع موانعه؛ فما شاءه كان ولو لم يشأه الخلق، وما لم يشأه لا يكون ولو شاءه الخلق؛ فقد منع النار من إحراق نبيه إبراهيم عليه السلام ونزع منها سببيتها في الإحراق. فسر التوكل إذًا هو اعتماد القلب على الله وحده بحيث لا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب عن الاعتماد عليها.
2 – ألا يأخذ بالسبب إلا بعد التحقق من أنه سبب، ومشروع بعلم ويقين؛ فمن أثبت سببًا بلا علم، أو أثبت سببًا يخالف الشرع، كان مبطلًا في إثباته آثما في اعتقاده.
3 – إذا لم يوجد إلا سبب محرم لتحصيل المطلوب فلا يجوز مباشرته والأخذ به إلا في حال الاضطرار فقط -والضرورة تقدر بقدرها ووفق مقاصد الشرع وترتيبها من حفظ: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال- أما في غير حال الاضطرار فلا يلجأ إلى السبب المحرم بحال، بل يكون سببه الوحيد لتحقيق المطلوب هو محض التوكل على الله فحسب، وأنعم به من سببٍ في تحقيق المراد.
4 – أن ينظر في السبب المباح وأثره على تحقيق التوكل في قلبه؛ فإن كان يضعفه فالأولى تركه، وإن لم يضعفه فمباشرته أولى حيث يحقق بذلك حكمة الله في ربط المسبَّبات بأسبابها، ويكون بذلك قد أتى بعبودية القلب في التوكل، وعبودية الجوارح في مباشرة السبب.
5 – وأخيرًا: فإن الأخذ بالأسباب على نحو ما سبق هو الذي يحقق التوكل، ومن عطَّل الأسباب المأمور بها لم يصح توكله، بل صار تواكلًا وعجزًا وتمنِّـيًا.
المصدر: كتاب خلاصة مفاهيم أهل السنة – إعداد نخبة من طلبة العلم – 1445


