الترميم الحقيقي ليس انفعالاً عاطفياً مؤقتاً، بل إعادة توزيع للقيادة؛ أن تعود السيادة للروح بعد أن استبد بها الجسد، وأن تنضبط البوصلة من الظهور إلى القبول، ومن العادة إلى الحقيقة…..

الشيطان داخل الحصون: كيف تسلل إلى القلوب قبل البيوت

دخل الشيطان إلى حصوننا، بل تسلل إلى مراكز قيادتنا الداخلية؛ فسكن قلوبنا قبل بيوتنا وبلادنا، دخل فتعرف على أسرارنا واطلع على نقاط ضعفنا، أحدث خروقاً بل أنفاقاً في نفوسنا يدخل منها حيث يشاء، ونتج عن احتلاله لقلوبنا أن أمسك بقياد عقولنا، فأضحى يحركنا بالهوى، وقيدنا بسلاسله، وحبسنا أسرى للشهوات والشبهات؛ فأصبحنا طوع أمره، بل أحياناً نفكر أسوأ من تفكيره.

الاستحواذ لا الوسوسة: قراءة في آية المجادلة

لقد وصف القرآن هذه الحالة بدقة موجعة: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ) (المجادلة: 19)؛ والاستحواذ ليس وسوسة عابرة، وإنما إحكام سيطرة وتدرج احتلال، حتى ينسى القلب مركزه، وتضيع البوصلة، ويتحول الإنسان من قائد لنفسه إلى تابع لهواه.

من الذنب المستصغر إلى احتلال القيادة: سلم التدرج الشيطاني

دخل الشيطان إلى حصوننا من ثغرات عرفها جيداً؛ من ذنب استُصغر، أو شهوة أُطلقت، أو شبهة سُمح لها بالاستقرار، فنبتت في القلوب ظنون، وزُرعت أحقاد، وأثمرت تنازعاً وتحاسداً وتقاطعاً، وتسرب الشك إلى العقائد، والرياء إلى العبادات، والوهن إلى النفوس، حتى صرنا نُهزم قبل أن تبدأ المعركة.

ماكينة اللهو الحديثة: شاشات تستنزف الإيمان قطرة قطرة

ثم جاءت ماكينة اللهو الحديثة لتتم المهمة؛ شاشات لا تنام، ومحتوى لا يتوقف، واختطاف للأعمار في مقاطع تافهة ومنشورات متهافتة وألعاب خاطفة، حتى صار بعض الآباء أقرب إلى أجهزتهم من أبنائهم، وأصبح الجيل الجديد يتربى في حضن خوارزميات لا تعرف قيماً ولا غايات، هكذا يُستنزف الإيمان قطرة قطرة، حتى لا يبقى منه إلا اسم بلا أثر.

رمضان: موسم الترميم الاستثنائي

لكن الله، بلطفه، لا يترك حصونه بلا موسم ترميم، فجأة تفتح السماء باباً استثنائياً اسمه رمضان، شهر تُصفد فيه الشياطين، وتُفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبواب النيران، ليست القضية خبراً غيبياً فحسب، بل فرصة عملية لاستعادة القيادة، وإعلان التحرر من تبعية طالت أكثر مما ينبغي.

إذا كانت الشياطين قد غُلّت، فهذه لحظة التحرك، إنها فرصتك لترميم ما تهدم، وسد ما فُتح، وتنظيف آثار احتلال طال أمده، فرصتك لتعلن البراءة من التبعية، وأن تقول بصدق: كفى انسياقاً، وكفى تبريراً، وكفى تطبيعاً مع ما يُضعفني.

فهلا أعددت خطة التحرير ببناء حصون أمنع؟

احفظ حصونك قبل أن يأتيك العدو في صورة خاطر؛ فإن القلوب لا تُؤتى من خارجها إلا بعد أن تُفتح لها الأبواب من داخلها، رمّم جراحك التي دخل منها العدو؛ استغفر عن ذنب تعلم أنه كان مدخلاً، اقطع علاقة أضعفتك، وأغلق باباً تعرف أنه يفتح عليك كل مرة.

رمضان: خطة تحرير داخلية لا امتناع عن طعام فقط

وأول الترميم يبدأ من الداخل لا من الشعارات، من الاعتراف بالثغرات، القرآن يذكرنا: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) (آل عمران: 155)؛ «بعض ما كسبوا» هي الثغرات التي تُؤتى منها الحصون، فاسأل نفسك: ما الذي عرفه عني؟ أي ذنب يتكرر؟ أي علاقة تُضعفني؟ أي عادة تفتح الباب كل مرة؟

الحصن الأول: قطع القيود القديمة (التوبة)

رمضان ليس مجرد امتناع عن طعام وشراب، بل هو خطة تحرير داخلية، خطة تبدأ بقطع القيود القديمة؛ إعلان قطيعة حاسمة مع الذنوب التي كبّلتك، وندم صادق على ما ضاع فيها، وعزم أكيد على استحالة العودة، وقد وعد الحق: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) (الفرقان: 70)، ليس الترميم إعادة طلاء، بل تحويل الخراب إلى مصدر قوة.

الحصن الثاني: الذكر اليقظ (استحضار المراقبة)

ثم يأتي الحصن الثاني: الذكر اليقظ، ليس الذكر حركة لسان، بل استحضار مراقبة، واستعادة وعي بأنك لست وحدك؛ (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) (الأعراف: 201)، التذكر لحظة انقلاب في الداخل؛ ينتقل فيها الإنسان من الانجراف إلى التبصر، ومن الغفلة إلى الانتباه، وكل مرة تقول فيها: «الله يراني»، تعيد حجراً إلى سورك.

الحصن الثالث: صحبة الصدق (سور يحميك لا ثغرة تُؤتى منها)

ويأتي الحصن الثالث: صحبة الصدق، فالقلوب إذا اجتمعت على الله اشتد بنيانها، وإذا انفردت تسربت إليها الرياح، والصاحب إما سور يحميك، أو ثغرة تُؤتى منها، كم من قلب كان ثابتاً، فلما جالس المشككين ثقل! وكم من نفس كانت متعبة، فلما صاحبت الصادقين خرجت خفيفة كأنها اغتسلت من هَمّ قديم! القرآن يصور الندم المؤجل: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً {27} يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً) (الفرقان)، فاختر سورك قبل أن تختار صداقاتك.

الحصن الرابع: مخالفة الهوى (كل ‘لا’ حجر جديد في حصنك)

ولا يكتمل البناء دون مخالفة الهوى، كل «لا» تقولها لشهوتك هي حجر جديد في حصنك، كل عادة سيئة تكسرها، هي باب يُغلق، الشيطان لا سلطان له على من عادى هواه وتوكل على مولاه: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (النحل: 99)، سلطانه فقط على من تولّاه؛ فإن عاديته وتحصنت بربك، كنت في عزة ومنعة.

هلا تخلصت من عملائه داخلك؟

أخطر ما يهدد الحصن ليس الشيطان المصفد خلف الأسوار، وإنما العملاء المحليون القابعون في ثنايا النفس؛ الهوى المتبع، العجز المقيم، والتأويلات الزائفة التي تبدل حقائق الأشياء؛ فتجعل التنازل حكمة، والضعف واقعية، والانسحاب توازناً.

رمضان هو موسم المحاكمة الداخلية؛ حيث يجب محاصرة هؤلاء العملاء بكل حسم، بالأسر؛ عبر كبح جماح الشهوات بقوة الإرادة الصائمة، وبالطرد؛ بنزع الأفكار المثبطة التي تزرع الشك في جدوى الثبات، وبالقتل المعنوي؛ بإنهاء العادات التي كانت تعمل كطابور خامس يفتح أبواب النفس للغفلة.

شياطين الإنس: لا تظن أن المعركة انتهت

لكن احذر أن تظن أن المعركة انتهت بتصفيد شياطين الجن؛ فشياطين الإنس يسارعون لملء الفراغ، تُنفق الأموال لتزيين اللهو، وتُصنع البرامج لتشتيت الهمم، وتُفتح الملاعب والملاهي لتبقى أسيراً داخل محبس مزيّن، فالمعركة لم تتوقف، بل تغير شكلها، فهل أعددت خطة التحرير، أم ستترك الموسم يمضي كما مضت مواسم قبله؟

الترميم الحقيقي: إعادة توزيع القيادة لا انفعال عاطفي

الترميم الحقيقي ليس انفعالاً عاطفياً مؤقتاً، بل إعادة توزيع للقيادة؛ أن تعود السيادة للروح بعد أن استبد بها الجسد، وأن تنضبط البوصلة من الظهور إلى القبول، ومن العادة إلى الحقيقة، الثبات بعد السلامة هو الامتحان؛ فمن خرج من رمضان سالماً ثم عاد إلى غفلته، فكأن الحصن رُمّم ليُهدم من جديد.

رمّم جراحك التي دخل منها العدو، سدّ النوافذ التي استنزف منها إيمانك، أغلق الأبواب التي فُتحت باسم التسلية أو الواقعية أو المجاراة، ولا تنتظر سقوط الحصن لتبدأ الإصلاح.

الفوز الحقيقي: حين يعود القلب إلى مركزه

رمضان ليس معركة مع الجوع، بل مع التسلل الخفي، فإن خرجت منه وقد استعادت روحك قيادتها، واشتدّ سورك، واستقام بابك، وعاد قلبك إلى مركزه؛ فقد فُزت حقاً.

المصدر

صفحة د. جمال عبد الستار ، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

حتى لا يضيع عليك رمضان هذا العام

رمضان .. واستباق الخيرات

التعليقات معطلة