تطورات عسكرية وسياسية في شرق الفرات: اتفاق ينهي سيطرة “قسد” ويمهد لاستعادة الدولة السورية للموارد والمناطق،سوريا الجديدة تحقق انتصارها الأكبر ..كيف صنع أحمد الشرع انتصاره الثاني بعد إسقاط الأسد؟..
التحرك العسكري: الجيش السوري يتقدم في مناطق شرق الفرات
منذ يومين بدأت قوات الجيش السوري في التقدم داخل مناطق شرق الفرات..في محافظتي دير الزور والرقة تحديداً..ولمن لا يعلم طبيعة تلك المنطقة، فقد كانت خاضعة لقوات ما يسمى سوريا الديمقراطية أو اختصارا قسد، ومنحت الولايات المتحدة قرابة 27 نقطة عسكرية فيها في عز وجود بشار الأسد..هذه المنطقة أي شرق الفرات تضم بالأساس ثلاث محافظات سورية كبيرة هي الرقة ودير الزور والحسكة..وما تمتلكه تلك المنطقة من ثروات طبيعية هائلة..
ثروات شرق الفرات: النفط والغاز والزراعة والطاقة
تخيل التالي..حقل العمر في دير الزور يضم احتياطي مقدر ب 760 مليون برميل.. يجاوره حقل التنك الذي ينتج 14 مليون برميل سنويا ويضم احتياطي يقدر بربع مليار برميل..ومن بعده حقل في دير الزور وهو ” كونوكو فيليبس” الذي ينتج 4.7 مليار متر مكعب من الغاز سنويا..وفي الحسكة يوجد مجمع حقول السويدية الذي يضم نحو 25 بئر غاز بطاقة 500 ألف متر مكعب يوميا..ومجمع حقول الجبسة في الحسكة أيضا والذي تبلغ طاقته تريليون متر مكعب سنويا من الغاز، و مليون ومائتي ألف برميل للنفط سنويا..والأكبر هو مجمع حقول الرميلان ولوحده كان ينتج 165 ألف برميل يوميا من النفط..وفوق ما سبق يحتوي شرق الفرات على رئة سوريا الزراعية ..42 في المائة من إنتاج سوريا الزراعي يأتي من شرق الفرات..وتضم كذلك سد الفرات الذي ينتج طاقة كهرومائية بقوة 880 ميجاوات..
البداية: تحرير أحياء حلب الاستراتيجية
هذه الثروة الهائلة كانت تقع بأكملها تحت سيطرة الانفصاليين من الأكراد، إلى أن بدأ الجيش السوري مهمة بدت في الأول محدودة منذ أقل من أسبوع..وهي طرد قوات قسد من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب..قد يبدو الأمر مجرد تحرير لمجموعة من الأحياء..لكن الحيان المقصودان كانا عصب مدينة حلب لأنهما يربطان شمال وشرق المدينة فضلا عن ارتفاع موقعهما بما يمكن صاحب السيطرة العسكرية من رصد التحركات العسكرية المضادة وتحييدها..كان متوقعا للمعركة أن تطول، لكن الجيش السوري حسم الأمر سريعا وطهر غرب الفرات من الوجود الانفصالي الكردي، وكان يتوقع أيضا أن تتوقف المعارك في غرب الفرات دون أن تتمدد لشرقه أي معقل قسد..لكن التحركات العسكرية السورية كانت صاعقة..توغل الجيش السوري في محافظتي الرقة ودير الزور وسيطر على سد الفرات وحقل العمر النفطي ومدينة الطبقة وحقول الرصافة وصفيان في الرقة والأهم حقل كونوكو النفطي في دير الزور..وقد يبدو هذا التقدم كبيرا وهو كذلك، لكنه على الصعيد الإنساني لا يقارن بتحرير المعتقلين في سجون الرقة على يد قسد والفيديوهات توضح وجود قصر من الفتية والفتيات..
الصمت الأمريكي والتحولات الإقليمية
هذا التقدم لم يكن ليتم لولا الضوء الأخضر الأميركي..أخطأت قسد حينما ظنت أنها مشمولة بحماية أميركية فائقة لن تسمح لقوات الشرع بالتقدم في مناطقهم..ورفضت في بداية الإطاحة بالأسد الانضمام للجيش السوري، لكنها لم تدرك حجم التحولات الدولية حول سورية برعاية إقليمية تركية وسعودية وقطرية ودولية أميركية تفضل التعامل مع كيان سوري موحد، يضطلع بعد ذلك بمهام التسوية مع العدو العبري..الجيش الأمريكي وقف ساكنا أمام تقدم الشرع في شرق الفرات واكتفى بتغريدة من براد كوبر قائد القيادة المركزية للجيش الأميركي يطالب فيها القوات السورية بوقف الأعمال الحربية بين حلب والطبقة..وهذا تدخل أميركي باهت جدا قياسا لما توقعته قسد من حماية..هل النجاح السوري في التحرك عسكريا فقط؟..صراحة لا..كان النجاح أكثر إبهارا..
الإجراءات السياسية: طمأنة المكون الكردي وإقرار حقوق ثقافية
الأهم هو قطع الخزان الثقافي القائم على المظلومية..كيف ذلك؟..بطمأنة الشارع الكردي عبر إقرار اللغة الكردية كلغة وطنية في سوريا، ومنح عيد النوروز كإجازة رسمية، والنص على أن الهوية الكردية جزء لا يتجزأ من الهوية السورية..والدور التالي كان على المدافع..
التفاوض والاتفاق: التنازل عن الموارد والاندماج في الجيش
المدافع هي ما مهد الطريق لطاولة المفاوضات..جلب قسد من موقع ضعيف لتقديم تنازلات..وهو ما جرى بالفعل..وأعلنت الرئاسة السورية توقيع اتفاق بين الشرع ومظلوم عبدي قائد قسد يقضي بتنازلها عن جميع حقول النفط في البلاد في الحسكة ودير الزور والرقة وكذلك اندماج قسد في الجيش السوري بشكل فردي أي عناصرها دون التنظيم كاملا..وهذا بالفعل أكبر انتصار سياسي وعسكري لسوريا الجديدة..بأن تتقدم في المناطق المحرمة وتسيطر بالكامل على محافظتي الرقة ودير الزور وكامل مؤسساتهما..ودمج المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن الدولة السورية..
مكاسب الاتفاق: استعادة الثروات والمناطق والسيادة
هذا الاتفاق منح سوريا ما لم تكن تتوقعه قبل أيام..منحها استعادة قرابة ثلث أراضيها و ٩٥ في المائة من نفطها ونصف إنتاجها الزراعي..ومنذ إسقاط الأسد لا شيء أبدا يعادل هذا النجاح..
الخلاصة: نحو وحدة جديدة وتحديات مستقبلية
الآن سورية تدشن معادلة جديدة..لا وحدة مبنية على البطش وإنكار الآخر، بل دولة مستعدة للاعتراف بكل المكونات ودمجها تحت سيادة الدولة..الآن تستعيد سورية السيطرة على مزيد من أراضيها..الآن يمكن لشعبها المكلوم الفرح باستعادة حقول النفط وهو الذي يعاني من غياب الكهرباء..الآن تصبح سورية أقرب ما يكون للماضي الذي نعرفه جغرافيا ولا يعكر صفو ذلك سوى الوجود العبري في الجولان والقنيطرة وجبل الشيخ..الآن يقل عدد اللاعبين في الأراضي السورية وتصبح الحكومة في دمشق هي الفاعل السياسي والعسكري الأكبر..وما يزال الطريق شاقا لاستعادة سورية الكبيرة المستقرة..وفي انتظار الانتصار الثالث باستعادة أراضينا المحتلة..حق للسوريين أن يفرحوا بإنجازهم..بعودة دولتهم الموحدة التي أجاد نظام الأسد تبديدها بين روسي وأميركي وعبري وانفصالي.
المصدر
صفحة الأستاذ عبده فايد، على منصة ميتا، بتصرف.

