إن عبقرية التشريع الإسلامي لا تكمن في ملاحقة المجرمين، بل في إعدام الجريمة في مهدها؛ فهو تشريع استباقي يدرك أن فساد النهايات فرع عن إهمال البدايات، فجاء بـ«سدِّ الذرائع» ليحمي الفطرة من غوائل السقوط قبل أن تفتح الجرائم أبوابها.
دروس الأحداث الكبرى: فشل المنهج البشري وضرورة العودة لله
إن كل الأحداث التي تجري في العالم اليوم، لتؤكد في كل تفاصيلها أن كل التجارب والأفكار والمنهجيات التي انتهجها البشر بمعزل عن ربهم سبحانه على كل المستويات، قد سقطت بهم في مهاوي الردى، وهبطت بهم من منصة التكريم الرباني إلى دركات الانحدار الحيواني، وقد رأينا ذلك رأي العين في تلك الفضائح التي نُشر بعضها، وكيف سقطت البشرية المتمردة على ربها في بئر البهيمية ومستنقع الشهوات الآسن.
وحينما ننظر إلى ذاك المستنقع، نحمد الله تعالى على نعمة الإسلام؛ ذلك النور الذي حمى للإنسان إنسانيته وكرامته، بل وجعله مفضلاً على كثير من خلق الله تعالى ما دام مستمسكاً بشرعة الله ومنهاجه، وبالنظر في منهجيات الإسلام التي حفظت للأمة فطرتها وقيمها وتفردها، نؤكد مفاهيمها الجوهرية وفق الترتيب الآتي:
أولاً: منهجية صناعة الإنسان من الداخل
إن صناعة الإنسان تبدأ من الداخل؛ فالفرق الجوهري بين التشريع الإسلامي والتشريعات الوضعية المعاصرة أن الأول يبدأ من القلب قبل السلوك، ومن الضمير قبل العقوبة، يقول الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) (الشمس: 9)، فجعل الفلاح مرهوناً بتزكية النفس لا بمجرد الامتثال الظاهري، فحين تُزكّى النفوس؛ تستقيم الأفعال تلقائياً، وحين يُهمل الباطن، تتحول القوانين إلى سياط عاجزة، لا تمنع الجريمة بل تلاحق آثارها بعد وقوعها.
وفي الوقت الذي راهنت فيه الحضارة المعاصرة على القوانين الوضعية لمعالجة الانحراف، اكتشف العالم أن القانون إذا انفصل عن الضمير صار عاجزاً؛ فالتشريعات الحديثة تلاحق النتائج لكنها لا تعالج الجذور، وتُحصي الجرائم لكنها لا تمنع نشأتها.
ثانياً: التكريم الرباني ومهمة الاستخلاف
إن الله تعالى خلق الإنسان بيده، ونفخ فيه من روحه، وشرَّفه على سائر مخلوقاته، وحمَّله أمانة عظيمة؛ وهي القيام بمهمة الاستخلاف في الأرض؛ إعماراً لها، وبناء للحياة فيها، وفق مراد ربها سبحانه وحكمته.
ولأجل أن ينهض الإنسان بهذه المهمة الجليلة، جاءت تشريعات الإسلام حافظة لفطرته، منسجمة مع تكوينه، فلم تُصادمها ولم تُلغها، ولم تكبت غرائزه، بل هذَّبتها وصانتها، وحمَتْها من مسالك الانحراف والانجراف، لتبقى نقية صافية كما أرادها الله تعالى: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً) (البقرة: 138)، فالله الذي خلق الإنسان وهو أعلم به؛ (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14)، لم يشرع له ما يصادم غرائزه، ولم ينكرها أو يتعامل معها بوصفها عيباً في الخِلقة، بل اعتبرها جزءاً من الامتحان الإنساني؛ غير أنه لم يتركها بلا ضابط، لأن الغريزة إذا أُطلقت أفسدت، وإذا كُبتت انفجرت.
ثالثاً: عبقرية التشريع الاستباقي (سد الذرائع)
إن عبقرية التشريع الإسلامي لا تكمن في ملاحقة المجرمين، بل في إعدام الجريمة في مهدها؛ فهو تشريع استباقي يدرك أن فساد النهايات فرع عن إهمال البدايات، فجاء بـ«سدِّ الذرائع» ليحمي الفطرة من غوائل السقوط قبل أن تفتح الجرائم أبوابها.
فحين حرّم الزنى، لم يقف عند الفعل النهائي، بل قال: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى) (الإسراء: 32)، فحرّم كل ما يفضي إليه من إطلاق البصر، والخلوة، والتبرج، وإثارة الشهوات، وحين أراد حفظ المجتمع لم يكتفِ بالعقوبة، بل بنى جداراً أخلاقياً يحول دون الانزلاق من الأساس، وهنا تتجلى عبقرية التشريع؛ إذ يجعل الوقاية هي الأصل، والعقوبة استثناء نادراً.
رابعاً: الأسرة.. الحصن الرباني والميثاق الغليظ
لقد حافظ الإسلام على المحضن التربوي الأصيل لإعداد الإنسان الإعداد الطبيعي، فشرع أحكام الأسرة وفصَّلها تفصيلاً دقيقاً لأنها بمثابة الحصن الرباني للمخلوق البشري، وحصن البشرية من كل صور الانحراف، فحماها بالتأسيس الصحيح وسمى عقدها «ميثاقاً غليظاً»، وربط بين العفة والكرامة، وبين الاستقرار النفسي والإطار الشرعي للعلاقة، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) (الروم: 21)؛ فالسكينة ليست أثراً جانبياً، وإنما مقصد تشريعي أصيل، ثم حماها بالشرائع المتنوعة ليحفظ أمنها وسكينتها لتتمكن من إخراج الإنسان المؤهل لمهمته، المحافظ على معالم تكريمه.
ولقد رأينا كيف حاربت الحضارة الحديثة المزعومة منظومة الأسرة، وشرعت القوانين التي تحاربها وتعيق وسائل بنائها، وفتحت الباب على مصراعيه لكل الوسائل الشيطانية لإفراغ الشهوة بصور أدنى من الحيوانات؛ فذهب الحياء وتهاوت الأسرة وفسدت الأخلاق وأنتجت نسلاً خالياً من قيم الإنسانية تماماً.
إن الفضيحة الأخلاقية في العالم الحديث لم تنشأ من فراغ، بل من فلسفة ترفع شعار الحرية المطلقة وتفصلها عن المسؤولية، حتى انتهى الإنسان عبداً لشهوته، مهدداً في كرامته.
خامساً: فلسفة العقوبة وصمامات الأمان
شرع الله تعالى عقوبات رادعة لمن تعدى على الحرمات أو انتهك الأعراض، ولم تكن تلك العقوبات غاية في ذاتها، ولا أداة انتقام اجتماعي، بل صمامات أمان أخلاقية، تحيطها شروط صارمة، وتجعل تطبيقها نادراً، بينما يكون أثرها الردعي حاضراً، فالمجتمع الذي تُحفظ فيه الأعراض، ويُصان فيه الحياء، ويُربَّى أفراده على مراقبة الله، لا يحتاج إلى كثرة العقاب؛ لأن الضمير يقوم مقام الشرطي.
الاستقامة أو الضياع
إن ما يعيشه العالم اليوم من انهيار قيمي ليس دليل تحرر، بل علامة ضياع، وقد آن للبشرية أن تعيد النظر في نموذجها الأخلاقي، لا من باب العودة إلى الماضي، بل من باب إنقاذ المستقبل، فالتشريع الإسلامي ليس تراثاً منغلقاً، ولا خطاباً وعظياً مجرداً، بل منظومة متكاملة لصيانة الإنسان، وحماية فطرته، وبناء حضارة متوازنة، لا تطغى فيها المادة على المعنى، ولا الحرية على الكرامة.
فمن استقام على أمر الله، وسار في ضوء هديه، فاز بسعادة الدارين، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (النحل: 97)، ومن أعرض عن شرائع الله، وانسلخ عن هدايته، لم يجنِ إلا ضيق العيش، وسقوط المعنى، واضطراب الفطرة، قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً) (طه: 124).
إن الوحي لم يكن قاسياً حين قيّد، بل كان رحيماً حين حمى، والإسلام لم يأتِ ليضيق على الإنسان، بل ليحفظه من هذا السقوط المريع الذي نشهده بأعيننا، لقد آن للبشرية أن تدرك أن العودة لمنهاج الخالق السبيل الوحيد لإنقاذ المستقبل من هذا السقوط المريع.
المصدر
صفحة د. جمال عبد الستار على منصة ميتا.

