جرينلاند   الزلزال الذي يهدد به ترامب بهدم النظام العالمي

جرينلاند ليست مجرد جزيرة جليدية نائية؛ فهي جزء من مملكة الدنمارك، وعضو في حلف الناتو، وأراضيها تعتبر أراضي أوروبية بالكامل. أي محاولة أمريكية للاستيلاء عليها بالقوة لن تكون مجرد عدوان على الدنمارك، بل ستكون أول احتلال في التاريخ لدولة عضو في الناتو لأراضي دولة عضو أخرى في الحلف.

صدمة غير متوقعة في قلب العلاقات الغربية

في عالم اعتاد على تقلبات السياسة الأمريكية، جاءت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي السابق والمترشح للرئاسة دونالد ترامب حول جرينلاند كصاعقة هزت أركان الدبلوماسية العالمية. ليست فنزويلا ولا إيران، بل تلك الجزيرة الجليدية الواقعة بين المحيط الأطلسي والمحيط المتجمد الشمالي، قد تكون الشرارة التي تُشعل فوضى عالمية غير مسبوقة. فكرة احتلال الولايات المتحدة لجزء من أراضي حليفتها الدنمارك – العضو في حلف الناتو – ليست مجرد تصريح استفزازي عابر، بل هي تهديد صريح بنسف القواعد التي حكمت النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

والمفارقة الصادمة التي كشفتها صحيفة ديلي تليجراف البريطانية ليست في التصريحات ذاتها، بل في رد الفعل الأوروبي الجدي والقاسي: دراسة فرض عقوبات اقتصادية على شركات أمريكية عملاقة مثل جوجل وميتا ومايكروسوفت، وربما إغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا وطرد قرابة المليون جندي أمريكي من التراب الأوروبي. قبل أسابيع قليلة، لكان من وصف هذا السيناريو بأنه محض خيال متهم بالجنون. اليوم، أصبح هذا الرد مرجحاً بل وضرورياً في حسابات القادة الأوروبيين، مما يكشف عن عمق الأزمة التي تهدد التحالف الغربي الذي دام أكثر من سبعة عقود.

أوروبا المريضة.. إدمان الحماية الأمريكية والثمن المهين

لفهم حجم الزلزال الذي تمثله قضية جرينلاند، يجب العودة إلى جذور العلاقة الأوروبية-الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية.  خرجت أوروبا من تلك الحرب مهشمة، بملايين الضحايا واقتصاد مدمر وهيبة منتهية. لقد أدركت القوى الأوروبية العظمى سابقاً – بريطانيا وفرنسا – أن عصر الاستعمار المباشر قد ولى، وأن عليها الانكفاء إلى حدودها الضيقة. لكن الاكتشاف الأكثر إيلاماً كان أنهم لم يعودوا قادرين حتى على الدفاع عن تلك الحدود بمفردهم.

كان العدو الجديد جاثماً على تخوم أوروبا الشرقية:  الاتحاد السوفيتي، الذي طور ترسانة نووية وهيدروجينية وصاروخية أرهبت العالم الغربي. في مواجهة هذا الخطر الوجودي، لم يكن أمام أوروبا خيار سوى الالتجاء إلى الحماية الأمريكية. وهكذا، ولد حلف الناتو، وانتشرت عشرات القواعد العسكرية الأمريكية عبر القارة، من ألمانيا إلى إيطاليا، ومن بريطانيا إلى اليونان، بما فيها قاعدة ثول الاستراتيجية في جرينلاند نفسها. أصبح لأوروبا درع وسيف، لكنهما مستوردان وقابلان للصدأ أو السحب في أي لحظة.

لقد نجحت هذه الحماية في درء الخطر السوفيتي وإنقاذ “العالم الحر”، لكنها خلقت حالة من الضعف المهين والتبعية المزمنة. أصبحت أوروبا، برغم قوتها الاقتصادية والثقافية الهائلة، عاجزة عن تأمين نفسها، بل وعن حل مشاكلها الداخلية. وأبلغ دليل على ذلك كان أزمة البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي، حيث تفككت يوغوسلافيا في حروب طائفية دموية على أبواب أوروبا. من الذي تدخل لوقف المجازر وفرض التسوية؟ لم تكن القوى الأوروبية، بل الولايات المتحدة عبر اتفاق دايتون. لقد كشفت هذه الأزمة حقيقة مؤلمة: أوروبا، بعد نصف قرن من الاعتماد على الحماية الأمريكية، لم تعد تمتلك الإرادة أو القدرة للتدخل الفعال حتى في حرب تدور في فناء منزلها الخلفي.

الوهم والاستسلام.. لماذا فشلت أوروبا في بناء دفاعها المستقل؟

لم يكن الأوروبيون غافلين عن مخاطر هذا الوضع. لقد حاولوا مراراً بناء قوة دفاعية أوروبية موحدة لتخفيف التبعية لأمريكا. أبرز هذه المحاولات كانت قمة هلسنكي 1999، التي أعلنت عن إنشاء قوة عسكرية أوروبية مشتركة قوامها 60 ألف جندي مع ترسانة جوية وبحرية ضخمة. لكن هذا الحلم الكبير سرعان ما تقلص وتحول إلى مجرد مجموعات قتالية صغيرة  (Battle Groups)  لا تتعدى 1500 جندي، تفتقر إلى السلاح الثقيل والقدرة الحقيقية على فرض الأمن.

فما الذي أعاق أوروبا؟ الإجابة تكمن في الثقافة الاستهلاكية للدفاع. لقد اعتادت الدول الأوروبية، وخاصة ألمانيا، على تحويل مخصصات الدفاع الهائلة إلى برامج رفاه اجتماعي. أنفقت ألمانيا مئات المليارات من اليوروهات على الرعاية الصحية والتعليم والمخصصات الاجتماعية، بينما اعتمدت بشكل كامل على المظلة النووية الأمريكية للحماية. لقد اختار المواطن الأوروبي الرفاهة اليومية على حساب الاستقلال والأمن الاستراتيجي غداً.

بريطانيا، من جانبها، لعبت دور “الحصان الطروادة” الأمريكي داخل أوروبا، وعارضت باستمرار أي تعاون دفاعي أوروبي مستقل يشكل منافسة للناتو. وفرنسا، التي حاولت بقيادة ديغول الحفاظ على استقلاليتها بالانسحاب من القيادة المشتركة للناتو، وجدت نفسها منعزلة وفاشلة في إقناع جيرانها. النتيجة كانت أوروبا كياناً اقتصادياً عملاقاً (بناتج محلي يتجاوز 27 تريليون دولار) لكنه عسكرياً قزماً، عاجز عن مواجهة روسيا منفرداً، وغير قادر على الاتحاد لخلق قوة موحدة.

ولم يقتصر خطأ الرهان على الأمريكان في المجال العسكري فقط، بل امتد إلى المجال الاقتصادي، حيث رهنت أوروبا – وخاصة ألمانيا – أمنها الطاقي لروسيا عبر مشاريع نورد ستريم 1 و 2.  لقد راهنت على أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل سيمنع الحروب، لكنها استيقظت على كابوس الغزو الروسي لأوكرانيا، ليكتشف العالم أن بوتين لا يهتم بالاعتبارات الاقتصادية عندما يتعلق الأمر بتوسيع النفوذ.

جرينلاند.. الشرارة التي قد تُفجّر الناتو من الداخل

في هذا السياق من الضعف الأوروبي والاستعلاء الأمريكي، تأتي قضية جرينلاند كاختبار نهائي. جرينلاند ليست مجرد جزيرة جليدية نائية؛ فهي جزء من مملكة الدنمارك، وعضو في حلف الناتو، وأراضيها تعتبر أراضي أوروبية بالكامل. أي محاولة أمريكية للاستيلاء عليها بالقوة لن تكون مجرد عدوان على الدنمارك، بل ستكون أول احتلال في التاريخ لدولة عضو في الناتو لأراضي دولة عضو أخرى في الحلف.

هذا السيناريو يمثل انقلاباً كاملاً في الفلسفة التي تأسس عليها الناتو. لقد صُمم الحلف للدفاع المشترك ضد عدو خارجي (كان الاتحاد السوفيتي)، ولم يتخيل مؤسسوه ولو لحظة أن الخطر قد يأتي من الداخل، من القائدة نفسها، الولايات المتحدة. احتلال جرينلاند سيفجر ميثاق الناتو وسيدفع الدول الأوروبية إلى اتخاذ قرار وجودي: إما قبول وضعية المستعمرة الأمريكية، أو طرد القوات الأمريكية وإعلان الانفصال الاستراتيجي عن واشنطن.

وهنا تكمن الفرصة الذهبية لـ فلاديمير بوتين.  روسيا، التي لا تملك سدس القوة الاقتصادية الأمريكية، تدرك أنها لا تستطيع مواجهتها في حرب تقليدية شاملة. استراتيجيتها تقوم على انتظار انهيار التحالفات الغربية من الداخل. لو انسحبت القوات الأمريكية من أوروبا رداً على أزمة جرينلاند، سيجد بوتين ساحة مفتوحة للهيمنة على أوروبا الشرقية، بل وربما فرض شروطه على أوروبا الغربية المنهكة والمفككة. التساؤل الخطير هو: إن كان بوتين قد تجرأ وشن ثلاث حروب في أوروبا (جورجيا 2008، القرم 2014، أوكرانيا 2022) والجيوش الأمريكية منتشرة في القارة، فماذا سيفعل لو خرجت تلك الجيوش؟

العرب والمتوسط.. عندما تهتز أوروبا ينهار شرقنا

قد يعتقد البعض في العالم العربي أن هذه الأزمة “أوروبية-أمريكية” لا تعنيه. وهذا وهم خطير. أي خلل في الموازين العسكرية في أوروبا سيكون له ارتدادات مدوية في الضفة الجنوبية للمتوسط، أي في منطقتنا. العلاقة تكاملية: فالوجود العسكري الأمريكي في أوروبا ليس هدفه حماية أوروبا فحسب، بل هو نقطة ارتكاز للسيطرة على أوراسيا والشرق الأوسط.

إذا انسحبت القوات الأمريكية من أوروبا أو تقلصت بشكل كبير، ستضطر واشنطن إلى إعادة انتشار قواتها وتعويض النفوذ المفقود عبر وسائل أخرى. وأبرز هذه الوسائل سيكون تعزيز الترسانة العسكرية لحلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم الكيان الإسرائيلي، ليكون شرطياً للمنطقة ويملأ فراغ القوة. هذا يعني المزيد من الدعم العسكري والتقني والسياسي المطلق لهذا الكيان، وإطلاق يده لفرض “الأمن” كما يراه، حتى لو كان ذلك عبر حروب متتالية وضم لمزيد من الأراضي.

والخطر الأكبر يتعدى الجانب العسكري إلى الجانب الاستراتيجي والأخلاقي.  إذا كسرت أمريكا القاعدة الأساسية في العلاقات الدولية بعدم الاعتداء على أراضي حلفائها واغتصبت جرينلاند، فما الذي يمنعها من استخدام نفس المبرر لاحتلال أراض عربية تحت حجج واهية؟ إذا تعاملت مع أوروبا المتقدمة كـ “غنيمة استعمارية”، فكيف ستتعامل مع دول المنطقة التي تعتبرها تقليدياً في نطاق نفوذها؟ إنها رسالة مفادها أن لا قداسة لأي اتفاق أو تحالف، وأن القوة الأمريكية المطلقة هي القانون الوحيد.

المشكلة أن العديد من الدول العربية، مثل أوروبا سابقاً، ألقت بكل أوراقها في الجعبة الأمريكية، معتمدة على الحماية الأمريكية في أمنها، والعلاقات مع واشنطن في استقرارها. لكن أزمة جرينلاند تظهر أن هذه الحماية مشروطة ومتقلبة وقابلة للانقلاب إلى عدوان في أي لحظة. المناورات الدفاعية والتحالفات الهشة مع قوى إقليمية أخرى لن تصمد أمام إرادة أمريكية عازمة على إعادة رسم الخرائط.

عالم على حافة الهاوية.. ونحن نغط في سبات خطير

قضية شراء أو احتلال جرينلاند ليست مجرد فكرة غريبة لرئيس أمريكي، بل هي عرض لمرض أعمق في الفلسفة الأمريكية الحالية، التي ترفض النظام الدولي القائم وترغب في العودة إلى عصر القوة المطلقة ومناطق النفوذ التي سبقت الحربين العالميتين. إنها جزء من رؤية ترامب – ومعه تيار كامل في السياسة الأمريكية – التي ترى أن التحالفات ثقيلة، وأن السيطرة المباشرة هي الأضمن.

العالم يقف على حافة تحول جيوسياسي هائل.  فوضى جرينلاند، إذا حدثت، ستكون بمثابة إعلان نهاية العالم الذي عرفناه منذ 1945، وبداية عالم جديد تحكمه الفوضى والقوة الغاشمة، حيث تتصارع القوى العظمى على تقاسم النفوذ بشكل علني، وتذوب التحالفات، وتصبح حقوق الدول الصغيرة ومبدأ سيادة الدول من تراث الماضي.

وفي هذا المشهد الكارثي المحتمل، يبدو الموقف العربي مذهلاً في غيابه وتبعيته. بينما تدرس أوروبا – رغم ضعفها – فرض عقوبات اقتصادية على أمريكا وطرد جنودها، لا تزال العديد من الدول العربية تتشبث بالوهم بأن التبعية الكاملة للأجندة الأمريكية هي ضمانة للأمن والاستقرار. لقد فشلت أوروبا في قراءة المستقبل عندما راهنت كل شيء على الحماية الأمريكية، وها هي تدفع الثمن اليوم. والعرب، الذين يشاهدون الدرس، يصرون على تكرار الخطأ نفسه، بل وبتفاؤل أعمى.

هل نستيقظ قبل فوات الأوان؟

الخلاصة المؤلمة هي أن العالم يتغير بسرعة، والقوى تعيد حساب مصالحها بشكل أناني وقاس.  الضعف لا يحظى بالاحترام في هذا النظام الدولي الآفل، والاعتماد على حماية قوة خارجية هو رهان خاسر على المدى الطويل. أزمة جرينلاند هي جرس إنذار أخير: إما أن تبدأ الدول – العربية والأوروبية وغيرها – في بناء أمنها المستقل وقدراتها الذاتية، وإما أن تصبح، عاجلاً أم آجلاً، مجرد قطع على رقعة شطرنج القوى العظمى، قابلة للاستغلال أو الإهانة أو الاحتلال، وفقاً لتقلبات مزاج القادة في واشنطن أو موسكو أو بكين. السؤال: هل نستيقظ قبل فوات الأوان؟

المصدر

صفحة الأستاذ عبده فايد، بتصرف، على منصة X..

اقرأ أيضا

السياسة الأمريكية: من الهيمنة المقنعة إلى الاستعمار الصريح

التغيرات العالمية؛ وسؤال “أين المسلمون”؟

التعليقات معطلة