إنّ أولى ما ينبغي صرف الجهود إليه، هو السعي في الانتقال من حال الاستضعاف هذه إلى حال يرتفع معها العجز وتتحقق بها القدرة، فإن سقوط الخطاب حال العجز لا يستلزم عدم الخطاب برفع ما به العجز ما أمكن، ولا سبيل إلى ذلك بغير المحافظة على شباب الثورة الذين هم مادتها وبذرة تمكينها .

من شواهد الرحمة في شريعة الله

لو كان لي أن أنصح القيادة السورية الجديدة في شأن الاعتداء الصهيوني على الجنوب لقلت:

إنّ من تجلّيات كمال الباري العظيم سبحانه وبحمده، أن جاءت شريعته حكمة كلّها ومصلحة كلّها ورحمة كلّها، فإن المتقرّر من أمر هذا الدين العظيم أن الأحكام إنّما شُرعت لمصالح العباد، والأعمال الشرعية غير مقصودة لأنفسها وإنما قصد بالخطاب بها أمور أخرى هي المعاني الملحوظة للشارع منها، وهي المصالح التي شُرعت لأجلها. فإذا استقرّ هذا وضعا شرعيا للأحكام عُلم أنّ الأعمال إنما تعتبر بهذا العِيار، وكلّ ما خرج عنه فغير شرعي .

ثمّ إن من شواهد الرحمة، قاعدة الشريعة الكلّية: ” لا ضرر ولا ضرار ” وما جاء مقيّدا لها مكمّلا لشواهد الحكمة فيها: ” الضرر لا يزال بمثله ” و ” يدفع بأهون الضررين أخونهما ” و ” ترتكب أخف المفسدتين لاجتناب أعظمهما “.

هذا مع ما لا يفترق عن هذه القواعد الهادية من قواعد رفع الحرج ودفع المشاق غير المقصودة للشارع وخطاب الخلق باليسر من الأمر { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } فـ ” المشقة تجلب التيسير ” و ” الأمر إذا ضاق اتسع ” .

تحرشات الصهاينة المستفزة

– إذا استقرّ هذا وذاك حقّه، فأقول – مسترشدا بربّي العظيم- :

إنّ قرّة عين العدو الصهيوني اليوم في إجابة مطلبه بتوسيع حربه لتشمل أرض الشام المباركة، وهو يعيش في هذه الأيام الكئيبة أزهى عصور علوّه وإفساده، إنّ التحرّشات المتكرّرة التي يمارسها عدونا في الجنوب السوري، وتصريحات قادته باستعدادهم لحرب واسعة تزيل كلّ تهديد لهم في المنطقة، لدليل صريح على أنّ هؤلاء الأشرار يريدون استثمار الظرف التاريخي الحرج الذي تعيشه أمتّنا في إلحاق أكبر الأضرار الممكنة بجميع من شأنه تهديد دولتهم، ومن ثمّ السعي في توسيعها حتى تشمل حدودهم التاريخية المزعومة أو تعبيد الطريق لذلك … ألا إنّ أجود خدمة يمكن أن يقدّمها أحدٌ لهؤلاء الأشرار اليوم هي فتح الذريعة أمامهم لاستباحة أرض الشام المباركة وهي ما تزال تجتهد في ترميم كسور ماضيها القريب قبل انتصار ثورتها المجيدة.

إنّ هذه التحرشات المستفزة ينبغي ألا تُغفل القيادة وأهل الشأن والقرار في سوريا الجديدة عن وضع الشريعة للأحكام، ذلكم الوضع الحكيم الذي يرجو كلّ مناصر لثورتهم أنهم مهتدون برشده طالبون الاستقامة عليه ما استطاعوا.

الجه‍اد مشروع شرعة الوسائل لا المقاصد

إنّ الجه‍اد الذي هو ذروة سنام هذا الدين العظيم وسبيل بقائه وتمكينه، رغم ما يحوزه في مراتب الشريعة من رفعة حتى بلغ ذروتها، إلا أنّه مشروع شرعة الوسائل لا المقاصد، فهو غير مقصود لذاته بل هو وسيلة إلى تحقيق مقاصد الدين ورعاية مصالحه جلبا للمنافع ودفعا للمفاسد على مستوى الكليات الخمس ومكملاتها، ومعلوم من أمر الشريعة أنّ ” كلّ تصرّف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل ” و ” الوسيلة إذا تبيّن عدم إفضائها إلى المقصود سقط اعتبارها ” فإنّ القاعدة الكلّية أن: ” الوسائل تسقط بسقوط مقاصدها ” .

فإنْ كان الجه‍اد بنوعيه مشروعا لحفظ دين الأمة ونفوس المسلمين وأموالهم وأعراضهم، فإنه يتحتّم تركه إن عاد على مقاصده بالإبطال، فألحق بنفوس المسلمين وأموالهم هلاكا لا يُرجى منه ظفر بالعدو وظهور عليه فتذهب المصالح ضيعة من غير إثمارها أصلح منها، وقد جاء في قواعد الأحكام: ” كلّ تصرّف شُرع لمقصود واحد بطل بفوات ذلك المقصود، وكل تصرّف شُرع لمقاصد بطل بفوات مقاصدها أو بعضها “، فإهلاك النفوس التي يُطلب حفظها وإتلاف الأموال التي تُطلب صيانتها، دون ظفر بالعدو أو إلحاق نكاية به تظهر المسلمين عليه، هو في الواقع تفويت لبعض المقاصد التي لم يُشرع الجهاد إلا لأجلها .

مخاطر تحيط بالثورة الشامية

إن الأوضاع الشامية المأزومة في مختلف المجالات، الاقتصادية جراء العقوبات الدولية الظالمة، والاجتماعية تركة بيت الأسد، والسياسية بسبب استمرار الاستقطاب الطائفي والكيد الإقليمي من أعداء الثورة والمحتلين السابقين وحالة الاضطراب الأمني الداخلي الذي يذكي نار فتنته فلول النظام البائد وبقايا حلفائهم الذين أخرجتهم الثورة من الأرض المباركة، وفي المقابل يعيش العدو أيام علوّه واستظهاره بحلفائه مستثمرا تصالح العالم مع منطق القوة الجديد، جميع ذلك يفيد أنّ أي مواجهة معه سيكون لا بدّ غالبا فيها للمستضعفين، ملحقا بهم ما لا يصح شرعا استجلابه من المفاسد بل حقّه الدفع بكل ممكن .. والمسلمون جميعهم يرون أثر المؤامرات الداخلية في إضعاف الجبهة الداخلية وتهديد انتصار الثورة، وما أمر المحاولة الانقلابية في الساحل ببعيد. أفيُؤمن بعدها ألا تقوم أخوات لها في الساحل وغيره بمجرّد اشتغال الجيش السوري الجديد بجهاد المحتل في الجنوب؟! خاصة أن العدو يحاول الاستثمار في الشقاق الداخلي والاستعانة ببعض أطرافه .

إنّ أولى ما ينبغي صرف الجهود إليه، هو السعي في الانتقال من حال الاستضعاف هذه إلى حال يرتفع معها العجز وتتحقق بها القدرة، فإن سقوط الخطاب حال العجز لا يستلزم عدم الخطاب برفع ما به العجز ما أمكن، ولا سبيل إلى ذلك بغير المحافظة على شباب الثورة الذين هم مادتها وبذرة تمكينها .

ماذا يصنع المسلمون وبعض أرضهم تسلب؟

– ولا يظنن أحد أنّ ما جاء في هذه النصيحة هو بدعة من القول وتكلّف في التخريج غير جار على هدى علماء الدين حملة الشرعية، فإنّ المراجع للمدونة الفقهية لن يعدم نصوصا للفقهاء هي مادة هذا التخريج، وإن كان الظفر بنصوص دقيقة في الفقه بهذا الخصوص نادر لاختلاف الظروف التاريخية والمؤثرات الواقعية التي يفرضها شكل النظام العالمي وموازين القوى وعوامل الانتصار فيه مما لم يعهده سلفنا، غير أن بعض النصوص قريبة بل منها ما يتوافق مع الحال الشامية حد التطابق، ومن ذلك ما يلي:

– قال الإمام الشربيني في مغني المحتاج في سياق بحث حكم دفع العدو إن دخل ديار المسلمين وجوب النصرة على  الأقرب فالأقرب بحسب الكفاية: ” ولا تتسارع الطوائف والآحاد منّا إلى دفع ملِكٍ منهم عظيم شوكته دخل أطراف بلادنا لما فيه من عظيم الخطر ” ..

قلت: فإن قيل وما يصنع المسلمون وبعض أرضهم تسلب؟ فنقول: لو كان الوضع إسلاميا يتحرّك الناس فيه بأمر الدين العظيم، لقلنا: يتحيّزون إلى حيث أمنهم ويستصرخون المسلمين ويستكثرون من أنصارهم ثم يحملون على عدوّهم متى وصلتهم أمداد أهل الإسلام العظيم… أمّا ونحن نعيش هذا الواقع المبدّل الذي عجز فيه المسلمون عن إغاثة أهل غزة بقطعة رغيف أو غرفة ماء، فالأمر لقيادة البلاد وأهل الحل والعقد فيها يختارون ما يناسب حالهم، مما نرى شيئا منه، ولو اكتفوا بالمواجهة السياسية والاستعانة بالإحراج الدولي – الذي ما أغنى شيئا في غزة ولكنها حيلة المضطر – وأساليب المقاومة الشعبية السلمية كالمَسِيرات وحشد الجماهير على الحدود أو الاشتباك غير المسلّح وتشكيل السواتر البشرية ضد تقدّم العدوّ مما لا يمكنه مواجهته بالقوة الفتاكة، جميع ذلك في مرافقة الإعداد على مستويات أخرى يعلمها كلّ من يرجو أن يُظهره الله على عدوّه يوما… وليس هذا من التولّي فإن الفقهاء يقررون جواز ترك الواجب إذا تعيّن طريقا لدفع الضرر، وليس التحيّز من التولّي ..

أما ما تصنعه القيادة السورية من أحلاف عسكرية في المنطقة فمن الإعداد المطلوب .

اجتناب المواجهة حتى امتلاك القوة

ومن النصوص المباشرة في هذا الشأن، وقد كان حق هذا النص التقديم لشرف صاحبه إمام الدنيا الشافعي، وإنما أخّرته لقرب نصّ الشربيني الشديد من الحالة السورية، قال الإمام الشافعي: ” ولا يضيق على المسلمين أن يتحصنوا من العدو في بلاد العدو، وبلاد المسلمين، وإن كانوا قاهرين للعدو فيما يرون، إذا ظنوا ذلك أزيد في قوّتهم … فأمّا إذا كان العدو قاهرين فلا بأس أن يتحصّنوا إلى أن يأتيهم المدد أو تحدث لهم قوّة، وإن ونّى عليهم – تأخّر المدد عنهم – فلا بأس أن يولّوا عن العدو، لأنّ النهي إنما هو في التولية بعد اللقاء ” .

قلت: وحيث لا يرجو السوريون اليوم مددا فليتحصنوا وليجتنبوا المواجهة حتى تحدث لهم القوة التي يرجون بها بعون الله الانتصار، وحيث لم يلتقي الجيشان، فلا تولي …

– وبعد هذا جميعه، أقول: ذلكم جميعه في الدفع، لذا فإنّ للدولة السورية اليوم أن تختار لنفسها ما يناسب حالها مما يدخل تحت الإمكان، كما لها أن تتخذ ما تراه مناسبا من الإجراءات التي تمنع فتح الذرائع أمام العدو لاستباحة الأرض، كمنعها للأهالي من المواجهة المسلحة، التي وإن كانت جائزة في أفرادها ويحتسب ضحاياها شهداء إلا أنّ النظر الشرعي يقتضي أن يُحمل الكافة على ما فيه مصلحة العامة .

هذا وما أردت إلا نصح للمؤمنين، وما كان من توفيق فمن ربّ العالمين وحده، والحمد لله ربّنا العظيم ..

المصدر

صفحة أبو عبد الرزاق فتح الله دبوزة على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

“امتلاك القوة” خطوة للخروج من التبعية والتمكين للشريعة

يا أبطال الشام ..

الثورة السورية..تباشير ومحاذير..(١)

القوة سِرُّ عز الأمة

التعليقات غير متاحة