السياسة الأمريكية . من الهيمنة المقنعة إلى الاستعمار الصريح

فنزويلا، بثروتها المقدرة بـ 303 مليار برميل، ليست سوى المحطة الأولى في رحلة إمبراطورية جديدة. الولايات المتحدة، في حربها الوجودية مع الصين، أعادت تعريف قواعد اللعبة الدولية.

ترامب يفتتح عصر السطو الدولي المشرعن

في لحظة ستسجل في ذاكرة التاريخ كمنعطف خطير، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بكل وقاحة عن عزمه الاستيلاء على 50 مليون برميل نفط من فنزويلا، ليتم بيعها داخل الأسواق الأمريكية، وتوضع عائداتها تحت تصرفه الشخصي المباشر. لم يكتفِ بهذا الإعلان الذي يخلع أي قناع أخلاقي أو قانوني، بل زاد عليه بأنه سيتولى بنفسه إنفاق هذه الأموال “لصالح الشعبين” الفنزويلي والأمريكي! الأمر لم يعد مجرد انقلاب عسكري أو تغيير نظام مدعوم، بل تحول إلى عملية سطو ضخمة على ثروات أمة، تُعلن جهاراً نهاراً دون حياء. إنه تحول جوهري في السياسة الأمريكية: من الهيمنة المقنعة إلى الاستعمار الصريح.

تشريح العملية: سنوات من التخطيط الاستخباراتي وشراء الذمم

وراء هذا الإعلان القصير تكمن عملية معقدة استمرت لسنوات، قادتها أذرع الاستخبارات الأمريكية لتفتيت النظام الفنزويلي من الداخل. لقد بدأت القصة باستراتيجية “شد الوثاق” الاقتصادي: حصار شامل، وعقوبات خانقة، وتجويع ممنهج للشعب، بهدف تحويل البلاد إلى بيئة مواتية للفساد والانشقاق. النجاح الأمريكي لم يأت من فراغ، بل كان نتاج استثمار طويل في شراء ولاءات النخبة الحاكمة. تلك الخمسون مليون دولار التي وضعت على رأس الرئيس مادورو لم تكن سوى قمة جبل الجليد، حيث توزعت الأموال والوعود بين قادة الجيش ووزير الدفاع ونائبة الرئيس نفسها. النظام تم تفكيكه بخيوط استخباراتية ذكية، تحول معها كل مسؤول خلف مادورو إلى سلعة قابلة للبيع في سوق الولاءات الأمريكي.

نموذج تشاد: المرآة الكاشفة لمستقبل فنزويلا البائس

لتتخيل المصير الذي ينتظر فنزويلا، ما عليك إلا أن ترجع إلى قصة تشاد في تسعينيات القرن الماضي. هناك، وفي سيناريو مشابه مثير للقشعريرة، اكتشفت شركة “إكسون موبيل” – نفس الشركة المنوط بها اليوم نقل النفط الفنزويلي – ما يقارب المليار برميل في حقل “دوبا”. بدلاً من أن تثري هذه الثروة أحد أفقر شعوب العالم، وضعت بالكامل في حسابات خاصة في “سيتي بنك” بلندن، تحت وصاية البنك الدولي والشركة الأمريكية. الصفقة الشيطانية قسمت العائدات إلى جزء ضئيل (12.5%) لحكومة الديكتاتور “الصديق”، والجزء الأكبر (87.5%) لصندوق وهمي اسمه “حماية الأجيال القادمة”، زُعم أن عائداته ستُنفق مباشرة على الشعب التشادي في التعليم والصحة. الواقع كان مأساوياً وساخراً: الصندوق مول شراء أسلحة أمريكية للديكتاتور، وتم نهب مشاريع المياه والطرق من قبل عائلة الرئيس، حتى أن مقاعد المدارس الخشبية الأصلية سُرقت واستبدلت بأخرى رديئة. الأكثر إيلاماً أن شركة أميركية حصلت على 360 ألف دولار لبناء خزانات مياه ولم تبني شيئاً، واشترت كتاباً جامعياً بقيمة 6 دولارات مقابل 600 دولار من أموال الشعب التشادي المسروقة. هذه ليست حكاية من التاريخ القديم، بل هي وثيقة حية من نهاية القرن العشرين، تشرح بالضبط كيف تتحول “المساعدات الإنسانية” الأمريكية إلى آلة منهجية للسرقة والاستعباد.

العصر الاستعماري الجديد: الخيار بين العبودية الطوعية والسرقة القسرية

فنزويلا، بثروتها المقدرة بـ 303 مليار برميل، ليست سوى المحطة الأولى في رحلة إمبراطورية جديدة. الولايات المتحدة، في حربها الوجودية مع الصين، أعادت تعريف قواعد اللعبة الدولية. لم تعد “الهيمنة” تكفي؛ الهدف الآن هو “الاستحواز المباشر”. أمام دول العالم الثالث، وخاصة النفطية منها، خياران مرّان: إما القبول بـ “الشراكة” التي تعني في جوهرها التسليم الطوعي بإدارة مواردك الوطنية لصالح الشركات والحكومة الأمريكية، أو مواجهة مصير فنزويلا: حصار، إفقار، تفكيك داخلي، ثم سرقة علنية لثرواتك تحت أنقاض دولتك. الدول العربية النفطية ليست خارج هذه المعادلة؛ فهي إما شريكة في هذا النظام الجديد كوكلاء محليين، أو هدف قادم في جدول الأعمال الإمبراطوري. إنه عصر الاستعمار دون مسوغات أيديولوجية، استعمار من أجل البقاء الاقتصادي للإمبراطورية.

ولادة إمبراطورية الوقاحة ونهاية وهم النظام العالمي

ما شهده العالم في إعلان ترامب هو لحظة انكشاف حاسمة. لقد سقطت آخر الأقنعة عن النظام الدولي الذي روّجت له واشنطن طوال عقود. القانون الدولي، حقوق الإنسان، سيادة الدول، كلها مفاهيم تبخرت أمام منطق القوة العاري. الأمريكي لم يعد يقول: “سأقيم الديمقراطية في بلدك”، بل يقول بكل صفاقة: “سآتي لأسرق نفطك، وسأنفقه كما أشاء، وعليك أن تشكرني”. إنها ولادة “إمبراطورية الوقاحة”، التي لا تخجل من اسمها ولا من أفعالها. فنزويلا اليوم هي النموذج الأولي، ولكن الطريق مفتوح أمام هافانا وطهران وربما عواصم أخرى. المأساة الأعظم أن الضحية تُسرق مرتين: مرة حين تُنهب ثروتها الوطنية، ومرة حين تُجبر على الاستماع لأكذوبة أن هذا النهب هو “إنقاذ” لها. المستقبل الذي تخشاه أصبح حقيقة تراه: عالم تقوده إمبراطورية ترفع شعار “السرقة أو الموت”، وتجعل من السطو العلني سياسة خارجية.

خريطة الخلاص: كيف نبني دولة “منيعة” في وجه عصر النهب الأمريكي الجديد؟

الحل هو الخروج من حالة الضحية المستسلمة إلى فاعل إستراتيجي. أمريكا تستهدف الدول الهشة، المنقسمة، الفاسدة، والمعتمدة عليها.  لذا، فإن بناء دولة قوية (اقتصادياً وعسكرياً)، متماسكة (اجتماعياً)، شرعية (سياسياً)، وذكية (دبلوماسياً) هو الترياق الأقوى. إنها معركة بناء طويلة الأمد، وليست معركة هتافات لحظية. الطريق الوحيد لردع اللص هو أن تجعل منزلك حصيناً، وأهلَك متحدين، وسلاحك جاهزاً، وجيرانك على استعداد لمساعدتك عند أول إشارة خطر. المستقبل سيكون من نصيب الأمم التي تتعلم من دروس تشاد وفنزويلا، ولا تنتظر دورها في طابور النهب.

المصدر

صفحة الأستاذ عبده فايد، بتصرف، على منصة X.

اقرأ أيضا

مر المسلمون من هنا .. ومرت أمريكا من هنا

التغيرات العالمية؛ وسؤال “أين المسلمون”؟

الإرهاب الأمريكي الإسرائيلي

حروب طرابلس: عندما كانت تدفع أمريكا الجزية

التعليقات غير متاحة