هذه ليست قضية رأي أو خلاف فكري، بل هي قضية إنسانية وأخلاقية تمس كرامة الإنسان وحرمة الموتى. الدفاع عن مثل هذه الممارسات تحت أي ذريعة هو سقوط أخلاقي لا يمكن تبريره بأي دعاوى تقدمية أو علمية.

بين التقدّم العلمي والانحلال الأخلاقي

في مسألة حساسة كالتبرع بالجلود البشرية لأغراض علمية، يخرج الدكتور خالد منتصر ليشيد بتجربة كيان الاحتلال الإسرائيلي الذي يمتلك – حسب زعمه – أكبر بنك جلود بشرية في العالم. لكن ما وراء هذه الإشادة يكشف عن انحدار أخلاقي وفكري يصل إلى حد “عين السقوط والانحلال” بحسب الوصف الدقيق.

التضليل في الأرقام والحقائق

ادعاءات غير دقيقة

يزعم منتصر أن العدو يمتلك أكبر بنك جلود في الشرق الأوسط، لكن الحقيقة أفظع: إنه يمتلك أكبر بنك جلود في العالم بأسره والذي يُعرف اختصارًا بـ INSB. يحتوي هذا البنك على ما يقارب 170 مترًا من احتياطي الجلود البشرية، وهو رقم هائل يتجاوز قدرة الكيان على تأمينه بطريقة مشروعة نظرًا لقلة سكانه.

التناقض الديموغرافي

خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أن ثلث المجتمع الإسرائيلي يرفض التبرع بالجلود، خاصة المتدينين منهم. هذا يطرح سؤالًا محوريًا: كيف بنى العدو هذه “الثروة” من الجلود البشرية؟

القصة المروعة: من رحم المعاناة ولدت الجريمة

السياق التاريخي

تزامن تأسيس البنك مع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987. وقتها هبّ أبناء الأراضي المحتلة في الضفة والقطاع ضد العدو، ووقع المئات إن لم يكن الآلاف في قبضة الأسر. ليس أبناء فلسطين فحسب، بل شاركهم عشرات اللبنانيين معتقلات الاحتلال، حيث كان غزو العدو لبيروت قد دخل آنذاك عامه الخامس.

ولادة البنك من رحم المعاناة

من رحم الانتفاضة والحرب وُلد بنك الجلود الإسرائيلي. مع تزايد أعداد الأسرى ونقلهم للمعتقلات، بدأت المأساة الحقيقية.

شهادة من الداخل: عالمة أنثروبولوجيا تكشف الحقيقة

المصدر الموثوق

ليست القصة من رواية عضو في كتائب المقاومة، ولا مناضلة سابقة، بل من عالمة أنثروبولوجيا إسرائيلية اسمها ميرا وايس في كتابها المنشور تحت عنوان “Over Their Dead Bodies”.

التفاصيل الصادمة

تحكي وايس أن العدو قام بنزع الأعين والجلود (خصوصًا من منطقة الظهر حتى لا يمكن كشف الأمر عند الدفن)، وأن الضحايا كانوا كلهم من معتقلي الانتفاضة والحرب اللبنانية. كانت هذه الأعضاء تنقل لجهتين داخل الكيان: معهد الطب الشرعي العدلي المعروف باسم “أبو كبير”، وإلى بنك جلود العدو.

خدع مزدوجة وإخفاء للحقائق

مقابر الأرقام

لكن أليس للمعتقلين أهالي يسألون عنهم؟ نعم، بل ويقلبون الدنيا رأسًا على عقب. لكن هنا تأتي الخدعة المزدوجة: العدو عندما يسلب أجساد الضحايا، يرفض تسليمهم لأهاليهم، ويدفنون عوضًا عن ذلك في مقابر يُطلق عليها أهالينا اسم “مقابر الأرقام” حتى لا يمكن أبدًا الوصول لهوية الأجساد.

شروط مهينة

أما الخدعة الثانية فهي التسليم بشرط عدم الكشف عن الجسد المتوفي المسلوب، وأن يتم الدفن تحت عيون جنود الاحتلال.

قصص فردية تكشف النظام المنهجي

قصة الشهيد محمد أبو النصر “الوحش”

القصة الأولى المفجعة كانت في بداية الانتفاضة الأولى، وتخص الشهيد محمد أبو النصر المكنى بين أصحابه باسم “الوحش”. هذا الرجل أذاق العدو الويلات لسنوات حتى تمكنوا من اعتقاله لخمسة عشر عامًا، ثم أفرج عنه ليستكمل طريقه حتى استشهد في كمين في مخيم جباليا.

مسلسل التضليل

المحاولة الأولى: طالبت الأسرة بتسليم جسده، ماطل الاحتلال ثم سلمهم تابوتًا يحتوي أجزاء من جسد حصان.

المحاولة الثانية: بعد شكوى للصليب الأحمر، أعطاهم العدو جسدًا منزوع العنق.

المحاولة الثالثة: حصلوا على بقايا جسده فقط.

كانت تلك الحادثة إيذانًا بنمط سوف يتكرر: أجساد تُسلّم مطموسة المعالم، أو منقوصة من جلد الظهر.

المعتقل 1391: الجحيم السري

الكشف التاريخي

انكشفت الفاجعة بشكل أكبر بعد عشرين سنة عندما خرج للعلن وللمرة الأولى في التاريخ اسم أشهر معتقل سري عند العدو: المعتقل 1391. كان تحقيقًا استقصائيًا قلب العالم رأسًا على عقب من إعداد التليجراف البريطانية والجزيرة القطرية، وتحول بعد ذلك لوثائقي حمل الاسم نفسه.

نظام التعذيب والإخفاء

يأخذ العدو المعتقلين، يدفنهم حرفيًا في مقابر سرية تحت الأرض، معزولون عن العالم، دون إضاءة تمكنهم حتى من رؤية كف أيديهم. يُبلغ الأهالي بأن أولادهم قد توفوا أو لا يعرف لهم مصير، بينما أبناؤهم محتجزون في المعتقل السري.

قصة عماد الزقزوق: النموذج الأبرز

أشهر اسم هو عماد الزقزوق. أبلغ ضباط الشاباك أهله بأنه ارتقى خلال اشتفال على الحدود الأردنية، ثم سلموهم جسدًا في تابوت، وطلبوا منهم دفنه ليلًا وسرًا دون فتح النعش. وافق الأهالي، لكن بعد سنوات سيخرج من تحت الأرض زميل له يدعى سمير طقاطقة، يخبرهم بأن عماد يرسل لهم السلام!

الصدمة والرد الإسرائيلي

طالب أهل الزقزوق العالم بالتدخل، بينما ردّ الاحتلال في كل مرة بالنفي. ولا أحد يعلم حتى اللحظة مصير عماد الزقزوق، الذي يمثل نموذجًا لكل ما تريد معرفته عن بنك الجلود: أشخاص تختفي، مصيرهم غامض، أهاليهم مكلومون، جلودهم وعيونهم تُسرق، يدفنون في مقابر الأرقام.

الشرعية الوهمية للنظام

قرار المحكمة العليا

وبعد انكشاف أمر المعتقل السري، كانت المحكمة العليا الإسرائيلية حاضرة لتقرّ بأحقية الشرطة باحتجاز أجساد الضحايا الفلسطينيين لمدة غير محددة. تلك هي “ديمقراطيتهم” وتلك هي قمة “عدالتهم”.

اعترافات رسمية فلسطينية

تصريح رئيس الوزراء

سيخبرك الدكتور منتصر بأن كل من يتحدث عن ذلك “إخوان”، لكن الحقيقة أن محمد اشتية رئيس وزراء السلطة في رام الله، قبل أحداث يوم السابع من أكتوبر بأكثر من عام (يوليو 2022)، خرج أمام العالم ليعلن أن الاحتلال يقوم بسرقة أجساد الفلسطينيين ويهديها لكليات الطب في جامعاته.

أرقام رسمية

خرجت وزارة الإعلام التابعة لسلطة أوسلو لتعلن أرقامًا دقيقة:

104 جسدًا محتجزًا في ثلاجات الاحتلال

256 شخصًا مدفونين في مقابر الأرقام (بعد سرقة أجسادهم)

تلك بيانات السلطة تعود لعام 2022، وقتها لم يكن هناك يوم السابع من أكتوبر.

التنويري المصري والدفاع عن الجريمة

تناقض صارخ

دكتور خالد منتصر، التنويري المصري الذي يتفاخر بالاحتلال ويزيف واقعًا نعيشه، بل ويطالبنا بأن نستلهم منه خبرة التكنولوجيا وأدوات التقدم. أهذا هو العلم الذي تدافع عنه؟ تلك هي التجربة المعيارية التي تريد استلهامها؟

سقطة فكرية وأخلاقية

عجبًا للتنويري المصري: يتكلم عن العلم وهو جهول، يلوم المجتمع على تخلفه وهو الذي لا يقرأ سطرًا قبل أن يكتب، يدعي الحرية والتنوير واستقلال العقل وهو موالي لأحط كيان استعماري استئصالي على وجه الأرض.

سوابق تاريخية

أمثال منتصر وجدناهم في كل العصور:

في الألمان الذين صفقوا للقيصر فيلهلم الثاني عندما محا ¾ سكان ناميبيا ونقل أجسادهم لمختبرات برلين ، ليجري عليها الطبيب أويجن فيشر تجاربه الوضيعة.

في الإسبان عام 1896 في معسكرات كوبا الذين أزهقوا أرواح 400 ألفاً ونقلوا ذوي الأصول الأفريقية لدراسة أمخاخهم بعد غرس المشارط فيها من أجل فقط إثبات أنهم أقل آدمية من الأوروبيين ذوي البشرة البيضاء.

في جنود تشرشل الذين استخدموا الهنود كآلات للرماية

خلود العار

سقط فيشر وأهيل عليه التراب، وسقط الإسبان في كوبا والإنجليز في بلوموفونتان. سقطوا جميعًا، ولم يذكر التاريخ المدافعين عن جرائمهم سوى في كلمة في سطر في صفحة من كتاب، ذُكروا كما سوف يُذكر الطبيب المصري الجهول صديق الاحتلال: فقط كـ قاذورات، يأنف حتى باطن الأرض من ضمّها!

المصدر

صفحة عبده فايد بتصرف، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

الحضارة الوحشية ….ومن يأتي بفروة رأس هندي ؟

الإرهاب الأمريكي الإسرائيلي

التعليقات معطلة