ويَتَّخذَ منْكُمْ شُهَدَاءَ

إن الشهادة اختيار وإرادة ربانية، حيث يريد ربنا أن يصطفي إليه عبر الشهادة أسماء بعينها في لحظتها بين آخرين في نفس المكان ونفس الحدث.

وقفة تأمل مع آية في زمن المحن

بينما أنا أقرأ وردي القرآني بعد تهمم وتفكر لحال إخواننا في غزة وما هم فيه من وقع الحرب وما نحن فيه من وقع الأخبار والمشاهد القاسية وأرقام الشهداء التي لا تتوقف عن العد، وقفت على قوله تعالى من سورة آل عمران:

{إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظلمين}.  [آل عمران / 140].

تساؤلات حول معنى “الاتخاذ”

فسرح الفكر في هذه الكلمات الثلاث “ويتخذ منكم شهداء”

وتساءلت ما معنى هذا الاتخاذ وكيف هو؟

ولم منكم وليس جميعكم؟

وهل الشهادة قدر أم اختيار واصطفاء؟

لا أنكر أني لم أتمم القراءة واكتفيت بالتأمل في هاته الكلمات وفي هاته الأحداث وهؤلاء الشهداء، لأعود للقراءة في نفس الآيات كلما فتر الفكروشرد الذهن.

سبحان الله على حروف هاته الآية تتجلى إرادة الله واختياره على أمره وحكمه،فالله لا يريد قتل المومنين ولا أذاهم، بينما يختارهم ويريدهم شهداء عنده.

إذن الشهادة اختيار وإرادة ربانية، حيث يريد ربنا أن يصطفي إليه عبر الشهادة أسماء بعينها في لحظتها بين آخرين في نفس المكان ونفس الحدث.

الامتحان والاصطفاء في سياق غزة

في كل مرة أتوقف مع أحداث غزة وعجرفة الكيان المحتل وهاته الأرقام المتسارعة في عدد الشهداء، وشماتة الأعداء ونبز المتخاذلين.

بينما ألمس رضا وصبرا وثباتا ويقينا من أهل غزة، أقول في نفسي مرددا:

العبرة أننا نسير وفق إرادة الله تعالى، فالله تعالى أراد، وما أراد إلا لأنه أحب، ومن وقع عليه الحب وقع عليه الإصطفاء، ومن اصطفي في هذا المقام فاز وظفر بالخير الكبير.

“ويتخذ منكم شهداء” بعد: ” ليعلم الله الذين آمنوا منكم”

هو اختبار وامتحان لمستوى الإيمان واليقين في الله تعالى بشتى أنواع الإبتلاءات، والتي هي تختلف على حسب الظروف والأحوال والأزمنة والأمكنة.

قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)[البقرة / 155]

ومن نجح في الإختبار أكرم بهذه الإرادة الربانية ووسم بهذا الوسم العظيم، واشترى الله منه نفسه.

قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[التوبة/111 .

غزة تُعيد تعريف الشهادة

كنت أظن أن الشهادة حظ يأتي بضربة سيف أو تفجير قصف أو غير ذالك، ولكن غزة علمتني أن الأمر غير ذالك، إنما هي اصطفاء وإرادة ربانية ودعوة ميمونة من رب العزة لمن يريد من عباده.

قرأت هاته الآية لمرات متعددة وتأملت في سوابقها ولواحقها فلم يخرج الأمر سبحان الله من هاذين الأمرين:

الإبتلاء ليعرف معدن المومنين

الإصطفاء ليصطفي إليه المومنين.

لما قال الله (ليعلم الله الذين آمنوا) لم يقل منكم لأنهم كلهم مومنون.

ولكن قال بعدها: (ويتخذ منكم شهداء) أي يتخذ من أولئك المؤمنين شهداء.

ثم قال: (وليمحص الله الذين آمنوا) وذالك بالشهادة، والصبر على الشهادة.

وربما من لا يرى حكمة قدر الله في غزة، تهوله أرقام الشهداء.

ولكن لما نرى حكمة الله في كتابه وفعل الله في زمانه ندرك يقينا أن ما قدر الله حسن والحمد لله.

تأويل سيد قطب: معنى “الاتخَاذ” العجيب

وللشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى في الظلال كلام نفيس لا يسعني إلا أن أذكره في هذا المقام:{ويتخذ منكم شهداء}

وهو تعبير عجيب عن معنى عميق – إن الشهداء لمختارون. يختارهم الله من بين المجاهدين، ويتخذهم لنفسه – سبحانه – فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد. إنما هو اختيار وانتقاء، وتكريم واختصاص..

إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة، ليستخلصهم لنفسه – سبحانه – ويخصهم بقربه.

ثم هم شهداء يتخذهم الله ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس. يستشهدهم فيؤدون الشهادة. يؤدونها أداء لا شبهة فيه، ولا مطعن عليه، ولا جدال حوله.

يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق، وتقريره في دنيا الناس. يطلب الله – سبحانه – منهم أداء هذه الشهادة، على أن ما جاءهم من عنده الحق؛ وعلى أنهم آمنوا به، وتجردوا له، وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه؛ وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق وعلى أنهم هم استيقنوا هذا، فلم يألوا جهدا في كفاح الباطل وطرده من حياة الناس، وإقرار هذا الحق في عالمهم وتحقيق منهج الله في حكم الناس.

يستشهدهم الله على هذا كله فيشهدون. وتكون شهادتهم هي هذا الجهاد حتى الموت. وهي شهادة لا تقبل الجدال والمحال”.إنتهى

عندما تقرأ أو تسمع كلمة “يتخذ” فاعلم أنها اصطفاء واختيار، قال تعالى في حق سيدنا إبراهيم عليه السلام: {واتخذ الله إبراهيم خليلا}.  [النساء 125]

فالإتخاذ دائما هو أن يأخذه إلى جانبه لمزية له ورفعة لمكانته.

تجد في تفسير الجلالين {ويتخذ منكم شهداء} يكرمهم بالشهادة.

وقال الإمام السعدي في تفسيره: {ويتخذ منكم شهداء} ” وهذا أيضا من بعض الحكم، لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها، فهذا من رحمته بعباده المومنين، بأن قيض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس لينيلهم ما يحبون من المنازل العالية والنعيم المقيم”.

“كلنا مشاريع شهداء”: لسان حال أهل غزة

استوقفتني كلمات الرجل المومن من غزة وهو يصبر صاحبه ويقول له: ” كلنا مشاريع شهدا”

سبحان الله: كأن الله أنطقه، لم لا نصبر وقد اختار الله منا شهداء، واختبرني الله بهذه الشهادة أأكون من الصابرين المحتسبين أم لا؟

{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُون} [يوسف 18]

{ليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء}

وهي كذالك إن قلت: ويتخذ منكم شهداء ليعلم الذين آمنوا. في غير القرآن. هي امتحان واصطفاء، واصطفاء وامتحان.

نموذج للصبر: بين الشهادة وفقد الشهيد

وأنا أقرأ هاته الآية وتتجلى في عيني صورة الرجل الشهم الصبور “وائل الدحدوح” والذي كل يوم يعمل في المعركة، وأقرب للموت من غيره، وآلة القتل الصهيونية تستهدفه، بينما يستشهد أهله مرة، وصديقه مرة أخرى، ونجله ورفيقه مرة أخرى كذالك، وفي كل مرة عليه أن يثبت صبره بصبر آخر أكبر وأعمق وأيقن.

ومع هذا الصبر يكون الحال المومن إما شهيد أو صابر محتسب لفقد لشهيد.

ولعلي بن أبي طالب في هذا المقام كلام جميل جليل يقول:

‏سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري…

سأصبر حتى ينظر الرحمن فى أمري…

سأصبر حتى يعلم الصبر أني…

صبرت على شيءٍ أَمَـرُّ من الصبر…

عنْ عبْدِ اللَّهِ بن أَبي أوْفَى رضي اللَّه عنْهُما أنَّ رسُول اللَّهِ ﷺ في بعضَ أيَّامِهِ الَّتي لَقِي فِيهَا العدُوَّ انتَظر حَتَّى مَالتِ الشَّمسُ، ثُمَّ قَامَ في النَّاس فَقَالَ:

أَيُّهَا النَّاسُ، لا تَتَمنَّوْا لِقَاءَ العدُوِّ، وَسلُوا اللَّه العافِيةَ، فَإِذَا لقِيتُمُوهُم فَاصبِرُوا، واعلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيوفِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ ومُجرِيَ السَّحابِ، وهَازِمَ الأَحْزَابِ اهْزِمهُم وانْصُرنَا علَيهِم”. [متفق عليه]

وكأني أردد كلمات محمود درويش إذا سألوك عن غزة قل لهم:

” بها شهيد، يسعفه شهيد، ويصوره شهيد، ويودعه شهيد، ويصلي عليه شهيد”.

حياة الشهداء واستبشارهم في عالم النعيم

وهل من فخر أعظم من هذا أن يختار الله من بين العباد شهداء من غزة في كل لحظة وفينة يرتقون إليه سبحانه كأنهم فقاعات متطايرة في الهواء تختفي عن الأعين كلما ارتقت في السماء.

وهل من فخر أعظم من أن يصطفي الله منا من يشاء ليجعلهم أحياء عنده يبشرهم بنعمة منه وفضل وكرامة وعطاء.

وهل من فخر أعظم أن يتوج الله صبرهم وثباتهم في القرح والجرح الذي نزل بهم فآمنوا واحتسبوا واتقوا وأحسنوا بأجرعظيم لا يوازيه أجر ولا يعادله مقام.

وهل من فخر أعظم من تلك الفرحة التي يحس بها الشهيد عقب شهادته ودخوله في حياة الشهداء عند الله تعالى، حتى أنهم يستبشرون بمن يلحقهم من الشهداء ويبشرونهم بمدا الفضل والنعيم الذي هم فيه.

وهل من فخر أعظم من أن الشهيد عند ربه في فرح واستبشارين:

ـ فرح بما آتاه الله من فضله. {فرحين بما آتاهم الله من فضله}

ـ مستبشرين بمن سيلحقون بهم من المجاهدين ليظفروا معهم بهذا الفصل الكبير {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون}

ـ يستبشرون كذالك بنعمة من الله وفضله وعطاء وأجر وثواب: {يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المومنين}

قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.  فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ}[آل عمران]

يقول: ولا تحسبنهم، يا محمد، أمواتًا، لا يحسُّون شيئًا، ولا يلتذُّون ولا يتنعمون، فإنهم أحياء عندي، متنعمون في رزقي، فرحون مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبَوْتهم به من جزيل ثوابي وعطائي.

لغة المحتسبين: “خذ منا حتى ترضى”

ولعل دعاء الصالحين في غزة يتكرر كل لحظة عبر ما نقرأه ونشاهده

” اتخذني يارب شهيدا عندك “

ولعل ما وقر في قلبي ولجلج له صدري وأطرق له سمعي ودمعت له عيني تلك الكلمات الراقية من أهالي الشهداء إذ تقول إحداهن في إيمان وثبات وهي تحتسب أسرتها الشهيدة لله وتقول:

خذ منا يارب حتى ترضى، خذ من أرواحنا ودمائنا وشهدائنا حتى ترضى، كلنا في سبيلك يارب ، Hرضيت يارب ، أرضيت يارب لا إله إلا الله…

طريق الصبر والرضا

والسعيد من وفقه الله في هاته اللحظات ان يجري الله على لسانه مثل هذا المقال، وأجده أقرب إلى كلام النبوة إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه: (لكَ العُتْبَى حتَّى تَرضَى ولاَ حَوْلَ ولاَ قُوَّةَ إلاَّ بِكَ)

ومعنى العتبى: ـ يَقولُ العَلَّامَةُ المناوي في فيض القدير:

لَكَ العُتبَى حتَّى تَرضَى» أي أَستَرضِيكَ حتَّى تَرضَى؛ يُقالُ: اِستَعتَبْتُهُ فَأعتَبَنِي، أي استَرضَيْتُهُ فَأَرضَانِي. اهـ

وفي اللُّغَةِ: يَقولُ الرَّجُلُ للرَّجُلِ: لَكَ العُتبَى، أي لَكَ الرِّضا

ونحن نسترضي ربنا بما يرضى حتى يرضى

ونحن صبرنا بالله وفي الله ومع الله والحمد لله.

قال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) (النحل/ 128).

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

المصدر

منار الإسلام، عبد الباري الحساني.

اقرأ أيضا

الوزن الحقيقي تأملات حول الشهيد الساجد

عندما تتكلم الشهادة

الشهادة .. ما أعظمها من سلاح

التعليقات معطلة