مظاهر الفتنة بالأموال والأولاد


زمن القراءة ~ 4 دقيقة 

لفتن الدنيا من مال وولد خطورتها التي قد تقطع الطريق الى الله، ولهذه الفتن مظاهر يجب معرفتها وتوقيها؛ لا يزل العبد في طريقه.

مقدمة

جعل تعالى للمال وظيفة لإقامة الحياة (أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا)، وفإن خرج بصاحبه عن الجادة أورثه هما وذلا وثقلا في الطريق وحِملا يوم القيامة.

وللولد وظيفة؛ من امتداد الحياة وتكثير المسلمين وقوتهم؛ فإن انحرف العبد بهذه الرغبة فتفاخر أو ضن بالبذل لله تعالى اصبح وبالا عليه.

ولهذا فعلى العاقل أن يكون حذرا وأن يعرف أن هذه النعم كما هي نعم فهي من جانب آخر فتن. وكونها نعمة أو فتنة إنما هي بحسب استعمال العبد لها وتلقيه إياها. وفي هذا المقال نرصد بعض مظاهر الفتن بالمال والأولاد ليحذرها مؤمن ويتقيها عاقل.

أهم مظاهر الفتنة بالأموال والأولاد

من أهم مظاهر تلك الفتن:

الانشغال بها عن الآخرة

وعن والاستعداد لها والتفريط في الصالحات.

تعدي الحدود وتناول المحرمات

الحرص على المال والأولاد والمحبة الشديدة لهما تدفع إلى الوقوع في المحرمات وأخذ المال من حِلِه ومن غير حِلِه، ذلك حتى يوفر الراحة والسعادة له ولأهله وأولاده، كمن يحضر أجهزة التلفاز والفيديو والبث المباشر والمجلات الخليعة ليسعد بها أهله بزعمه.

قال الزجاج، رحمه الله تعالى: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَموَالُكُم وَأَولادُكُم فِتنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجرٌ عَظِيمٌ﴾: “أعلمهم الله، عز وجل، أن الأموال والأولاد مما يُفتَنون به. وهذا عام في جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده، لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه، وتناول الحرام لأجله، ووقع في العظائم إلا من عصمه الله تعالى”. (1إغاثة اللهفان 1/ 160)

التحاسد والتدابر والتباغض

بل والتقاتل على الدنيا وأموالها. يقول الإمام ابن رجب، رحمه الله تعالى في تعليقه على حديث «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم». (2البخاري 6/ 258، ومسلم 4/ 3274):

فلما دخل أكثر الناس في هاتين الفتنتين أو إحداهما أصبحوا متقاطِعين متباغضين بعد أن كانوا إخواناً متحابين متواصلين، فإن فتنة الشهوات عمَّت غالب الخلق ففُتنوا بالدنيا وزهرتها، وصارت غاية قصدهم: لها يطلبون، وبها يرضون، ولها يغضبون، ولها يوالون، وعليها يعادون، فتقطعوا لذلك أرحامهم، وسفكوا دماءهم، وارتكبوا معاصي الله بسبب ذلك. (3كشف الكربة ت. بدر البدر ص23)

الوقوع في  الجبن والبخل

الوقوع في صفتين ذميمتين بسبب الأموال والأولاد هما: البخل والجبن، وقد نبَّه الرسول عليهما بقوله: «إن الولد مبخلة مجبنة». (4ابن ماجه. ك. الأدب (3660) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (2957))

والبخل يدفع للوقوع في المال الحرام، وإلى أن تمنع الحقوق الواجبة، وهذا هو الشح المذموم الذي قال الله، عز وجل، عنه: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ﴾ [التغابن: 16].

وهو الذي حذَّر منه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «اتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم: أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا». (5أبو داود 2/ 324 (1698))

كما أن من الفتنة بالأولاد الوقوع في الجبن والخوف؛ والذي بدوره يصد عن القيام بواجب الدعوة والجهاد والهجرة كما مر بنا في آية التغابن السابقة، ذلك لما يصيبهم من العنت والمشقة بغيابه عنهم. وقد يحتمل الداعية الأذى والعنت على نفسه في سبيل الله، عز وجل، لكن القليل من يحتمله في أهله وأولاده، خاصة إذا تعرض لما يُبعده عنهم كالسجن والتشريد.

يقول سيد قطب، رحمه الله تعالى:

“هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعاً وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم، وينادونه باسم الحب والقرابة، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك”. (6في ظلال القرآن. عند الآية (1) من سورة العنكبوت)

وفي هذا فتنة واختبار للداعية، ولا يثبت إلا من ثبّته الله، عز وجل، وعصَمه بصدق التوكل عليه وحسن الظن به، والوثوق برحمته وحفظه له ولأولاده.

وأسوق بهذه المناسبة رواية ذكرها الإمام الذهبي ـ  يرحمه الله تعالى ـ في السير تكشف لنا أثر الأولاد في تثبيت الداعية على عقيدته.

عن الهيثم بن خلف الدوري: أن محمد بن سويد الطحان حـدثه قال: كنا عند عاصم بن علي ومعنا أبو عبيد، وإبراهيم بن أبي الليث وجماعة، وأحمد بن حنبل يُضرَب، فجعل عاصم يقول: ألا رجل يقوم معي، فنأتي هذا الرجل، فنكلمه..؟ قال: فما يجيبه أحد. ثم قال ابن أبي الليث: أنا أقوم معك يا أبا الحسين، فقال: يا غلام: خُفَّيّ. فقال ابن أبي الليث: يا أبا الحسين أبلغ إلى بناتي، فأوصيهم. فظننا أنه ذهب يتكفن ويتحنط، ثم جاء، فقال: إني ذهبت إليهن، فبكين، قال: وجاء كتاب ابنتَيْ عاصم من واسط: يا أبانا..! إنه بلغنا أن هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل، فضربه على أن يقول: القرآن مخلوق، فاتق الله، ولا تجبه، فوالله لأن يأتينا نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك أجبت”. (7سير أعلام النبلاء 9 / 244)

البغي والتكبر على الناس

قال الله عز وجل: ﴿وَلَو بَسَطَ اللَّهُ الرِّزقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوا فِي الأَرضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ, مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: 27].

وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإنسَانَ لَيَطغَى أَن رَآهُ استَغنَى﴾ [العلق: 6-7].

والآيات في هذا كثيرة، والتجارب شاهدة بذلك، فإن أغلب من ينعم الله، عز وجل، عليهم بكثرة الأموال والأولاد يَظهر عليهم البطر والتعالي على الناس إلا من رحم الله، عز وجل. وهذه من أعظم الفتن بالأموال والأولاد.

عذاب بالنعم في الدنيا

هناك من الناس من يعذَّب بماله وولده في الدنيا قبل الآخرة، وتتحول عنده هذه الأمور التي يحبها الناس ويحرصون على تكثيرها، من كونها مصدر نعمة وسعادة إلى أن تكون مصدر نقمة وشقاء وعذاب. وكم صرح كثير من أرباب الأموال والأولاد بهذه الحال، واعترفوا بما يعانونه من النكد والشقاء والعذاب بسبب أموالهم وأولادهم حتى أصبح لا يقر لهم قرار، ولا يهنأ لهم بال، ولا يخشعون في صلاة، ولا تطيب أنفسهم بإخراج الزكوات والصدقات، فهل بعد هذا من فتنة..؟

نعوذ بالله من هذه الحال. وصدق الله العظيم: ﴿وَلاَ تُعجِبكَ أَموَالُهُم وَأَولاَدُهُم إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدٌّنيَا وَتَزهَقَ أَنفُسُهُم وَهُم كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 85].

وهذه الآية وإن كانت في المنافقين الكافرين إلا أنه يمكن الاستشهاد بها في هذا المقام للحذر من هذه النهاية.

خاتمة

تلك بعض الفتن التي جعلها الله اختبارا لعباده ليعلم تعالى ما يختاره عبده، وما يؤثره؛ آلله والدار الآخرة؛ أم علائق الدنيا من مال ومما هو اشد من المال أحيانا من الروابط التي يكون وقعها وإيذاؤها أشد على النفوس من تأذي المؤمن في نفسه أو ماله..

وفي كل حال يجب تقوى الله وإثار مرضاته، والتوكل عليه ودعاؤه واسؤال العافية، والصبر حين يحين داعيه.

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا.

…………………………

الهوامش:

  1. إغاثة اللهفان 1/ 160.
  2. البخاري 6/ 258، ومسلم 4/ 3274.
  3. كشف الكربة ت. بدر البدر ص23.
  4. ابن ماجه. ك. الأدب (3660) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (2957).
  5. أبو داود 2/ 324 (1698).
  6. في ظلال القرآن. عند الآية (1) من سورة العنكبوت.
  7. سير أعلام النبلاء9 / 244.

اقرأ أيضا:

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments