فقه النوازل في ضوء الكتاب والسنة (2-7) علوم ضرورية، العلم بالسنن الالهية


زمن القراءة ~ 9 دقيقة 

لله تعالى سنن، يحب فقهها ووعيها لمن أراد أن ينظر في حكم النوازل، لينكر في كتاب الله وما أنزل وينظر في الوقت نفسه لسننه التي أجراها بين خلقه.

مقدمة

جاء في الجزء الأول أنه لا بد لمن يتكلم في فقه النوازل من علوم ثلاثة ضرورية.. أولها العلم بأسماء الله وصفاته ومعرفة مقتضياتها..

وفي هذا المقال يوضح العلم الثاني وهو العلم بالسنن الإلهية، العامة لجميع الكائنات، والخاصة بالمخلوق البشري أفرادا وجماعات، في الدنيا والآخرة، ما يختص بالمؤمن، وما يشمل المؤمن والكافر، كما يوضح خصائص السنن الاجتماعية التي تؤثر في حياتنا وحياة الأمم..

العلم الثاني من العلوم الضرورية..

العلم بالسنن الإلهية

إن العلم بالسنن الإلهية من أعظم العلوم التي لا غنى للمسلم عنها في مواجهة الأحداث والنوازل وتقلباتها لأنه بهذا العلم يهديه ربه إلى المواقف والأحكام والتفسيرات والموازين الصحيحة، وبدونه يحصل الاضطراب والخلل والانحراف.

المقصود بالسنن الإلهية

ويُعنى بالسنن تلكم الموازين والنواميس الثابتة التي يدبر الله عز وجل بها خلقه وأمره، ويسير بها نظام ملكوته في السموات والأرض، وتلكم السنن المطردة والموازين الثابتة التي من تعرّف عليها وسار في حياته وأحكامه ومواقفه وتفسيراته في ضوئها فلن يضل ولن يتخبط بإذن الله تعالى؛ بل إنه يكون على صراط مستقيم لكونه سار منسجما به غير مصادم لها ولا غافل عنها.

وسنن الله عز وجل ونظامه الذي يدبر به هذا الكون العظيم لا طاقة لعقول العباد بالإحاطة بها ولكن الله عز وجل يمن على من يشاء من عباده بمعرفة ما يحتاجه منها في عمارة هذه الأرض كما يحب الله عز وجل من القيام بعبادته سبحانه والدعوة إليه والجهاد في سبيله وما يقتضيه ذلك من سنن المدافعة والابتلاء والصراع بين الحق والباطل والثواب والعقاب.

اهتمام القرآن بها والتنويه اليها

وقد حفل القرآن العظيم بكثير من هذه السنن الربانية والنظم الإلهية.

ومن ذلك سننه سبحانه في الخلق والأمر والهدى والضلال، وفي الأرزاق والآجال، وفي نصر المؤمنين وإهلاك الكافرين، وغيرها من السنن والتفسيرات الربانية التي فيها الإجابات المريحة لما يحتاج العباد إلى معرفته مما لا سبيل لهم إلى معرفته إلا عن طريق هذا الكتاب الكريم.

فقه الصحابة لهذه السنن

وقد فقه الصحابة رضي الله عنهم هذه السنن وساروا في ضوئها ففتح الله على أيديهم الدنيا وأوصلوا نور الإسلام وهدى القرآن إلى العالمين فعاشوا في ظله منعمين آمنين.

وكان من نجباء الصحابة رضي الله عنهم الذين فقهوا هذه السنن الإلهية وعملوا بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

من فقه عمر للسنن الكونية

وكان من فقهه لسنن الله عز وجل في النصر والهزيمة وصاياه لجنود المسلمين حيث يدعوهم بأن يحذروا الذنوب وأنها عنده أخوف من عدوهم وعددهم وعتادهم، وأنها هي سبب الهزائم والفشل.

ومن فقهه أيضا رضي الله عنه لسنن الله عز وجل في قضائه وقدره قصته المشهورة حينما ذهب إلى الشام وأُخبر بانتشار الطاعون فيها، روي البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:

«أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشأم.

قال ابن عباس فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا؛ فقال بعضهم: قد خرجتَ لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال ارتفعوا عني.

ثم قال ادعوا لي الأنصار فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال ادع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء.

فنادى عمر في الناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه قال أبو عبيدة بن الجراح أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله.

قال فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجته فقال إن عندي في هذا علما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» قال فحمد الله عمر ثم انصرف». (1البخاري:5729- مسلم:2219)

حاجتنا اليوم لفقه السنن وتدبرها

فما أحوجنا في هذا الزمان الذي غفل فيه أكثر الناس عن تدبر سنن الله عز وجل والسير في ضوئها إلى العناية بهذا العلم العظيم النافع لا سيما في واقعنا المعاصر الذي برزت فيه أحداث جسيمة ونوازل عظيمة أحاطت بالإسلام وأهله.

تعريف السنة الإلهية

(السنن) جمع سنة وهي في اللغة: الطريقة والعادة المطردة حسنة كانت أو قبيحة.

وفي النهاية لابن الأثير: «والأصل في هذا اللفظ: الطريقة والسيرة وفي حديث المجوس «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» أي: خذوهم على طريقتهم وأجروهم في قبول الجزية منهم مجراهم.

وقال الفيروز ابادي في معنى (السنة): والأصل فيها الطريقة والسيرة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «من سن سنة حسنة» أي طرق طريقة حسنة، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم طريقته التي كان يتحراها.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

«والسنة هي العادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره الأول ولهذا أمر الله تعالى بالاعتبار». (2مجموع الفتاوى : 13/ 20)

والحاصل أن هذه الكلمة يدور معناها على معنى (الطريقة المطردة) فيكون معنى (سنة الله) هي الطريقة والقانون المطرد الذي تخضع له جميع الكائنات أي أنه النظام والقانون الذي يدبر الله عز وجل به خلقه وأمره بعلمه وقدرته وعزته وحكمته ورحمته.

قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف:54).

يقول الدكتور عبدالكريم زيدان رحمه الله تعالى في كتاب (السنن الإلهية):

“إن هذا العالم بكل ما فيه ومن فيه من نبات وجماد وحيوان وإنسان وأجرام سماوية، وما يصدر عن هذه الموجودات وما يتعلق بها ويحل فيها، وما يقع من حوادث كونية كنزول المطر وهبوب الريح وثوران بركان وتعاقب الليل والنهار، وما يحصل للإنسان من أطوار خلقه وتكوينه في بطن أمه وما يحدث له وللأمة من شقاء وسعادة ورفعة وسقوط وعلو وانحطاط وقوة وضعف وبقاء وفناء ونحو ذلك.

كل ذلك الذي ذكرنا وجوده وحدوثه في العالم لا يقع صدفة ولا خبط عشواء وإنما يقع ويحدث وفق قانون عام دقيق صارم، بتدبير من الله عز وجل، ناشئ عن قدرته سبحانه وحكمته وعلمه ورحمته وعزته، لا يخرج عن أحكامه ذرة في الأرض ولا في السماء …

إلى أن قال:

أقسام السنة الإلهية

السنة الإلهية لها وجهان.. الوجه الأول:

القانون العام الذي تخضع له الكائنات

وهو القانون الذي تخضع له جميع الكائنات في وجودها المادي وجميع الحوادث المادية، ويخضع له كيان الإنسان المادي وما يطرأ عليه مثل نموه وحركة أعضائه ومرضه وهرمه ولوازم بقائه حيا ونحو ذلك.

وهذا الوجه من القانون العام وما يخضع له مما ذكرناه من الأمور المادية للكائنات.

أقول: هذا الوجه من هذا القانون لا يختلف في وجوده أهل العلم بهذه الأمور المادية، ولا يختلفون في خضوع ما ذكرناه له.
ومن سمات هذا القانون العام في وجهه الأول، ثباته واستمراره بدليل اطراد أحكامه وسريانها على الحوادث والظواهر التي يحكمها هذا القانون..

فالأرض تحيا بالمطر ويخرج به منها النبات، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ (يس:33) وكذلك جريان و الشمس والقمر، وجريان الفلك في البحر وفقا لهذا القانون العام.

ومما يدل على ثبات هذا القانون بوجهه الأول الذي نتكلم عليه أن الله تعالى يلفت الأنظار إلى هذه الظواهر الكونية ويجعلها من الآيات الدالة على خالقيته وربوبيته لقوم يعقلون ويتفكرون.

ولولا اطراد حدوثها مما يدل على خضوعها لقانون ثابت لما صح لفْت الأنظار إليها واعتبارها من آيات الله تعالى.

فمن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ( البقرة:164).

لا يختص بمعرفته المؤمنون

ومعرفة هذا القانون في وجهه الأول مباحة للجميع ويمكن الحصول عليها من قِبل المسلم والكافر، وأكثرُهما جدية ونشاطا وسعيا ً وبحثا ً ونظرا ً أكثرهما وقوفا عليه وإحاطة بجوانبه وجزئياته.

فهذا العلم مشاع للجميع ولا يختص المسلمون بشيء منه باعتبارهم مسلمين، اللهم إلا في القصد من تعلمه وفي أوجه الانتفاع منه..

لأن قصد المسلم وأوجه انتفاعه بالأشياء وبما يعلم، كل ذلك محكوم بحكم الشريعة الإسلامية فما تبيحه أو توجبه فهو المباح أو الواجب، وما تنهى عنه فهو المكروه أو الحرام. وهذا النوع من السنن يخرقها الله عز وجل لمن شاء من خلقه إذا شاء.

والوجه الثاني:

القانون المتعلق بالبشر

وهو القانون العام الذي يتعلق بخضوع البشر له باعتبارهم أفرادا وأمما وجماعات..

وأعني بخضوعهم له خضوع تصرفاتهم وأفعالهم وسلوكهم في الحياة وما يكونون عليه من أحوال وما يترتب على ذلك من نتائج كالرفاهية أو الضيق في العيش، والسعادة والشقاء والعزّ والذلّ والرقيّ والتأخر والقوة والضعف، ونحو ذلك من الأمور الاجتماعية في الدنيا وما يصيبهم في الآخرة من عذاب أو نعيم وفقا لأحكام هذا القانون بوجهه الثاني. (3انظر السسنة الإلهية د : عبدالكريم زيدان ص21)

بعبارات أخرى..

السنن الإلهية قسمان

مما سبق ذكره فإنه يمكننا أن نقسم السنن الإلهية إلى قسمين كبيرين:

الأول: السنن الكونية المشاهدة في الآفاق والأنفس

وكونها تخضع لنظام دقيق بتدبير العزيز الحكيم العليم الخبير الرؤوف الرحيم، قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس:40) وقال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ (فصّلت:53) وقال سبحانه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان :2).

الثاني: السنن الاجتماعية

وهي التي جعلها الله عز وجل تحكم حياة البشر ويسير الله عز وجل أمورهم وأحوالهم بها؛ كسنن السعادة والشقاء وسنن السرّاء والضرّاء والهدى والضلال والهزيمة والنصر والأسباب ومسبباتها.

سمات السنن الاجتماعية

ويتّسم هذا النوع من السنن بـ: الثبات والاطراد والعموم والشمول.

الثبات

فأما أنها ثابتة فلقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:62).

الاطراد

وأما كونها مطردة فلأنها لا تتخلف إذا توفرت شروطها ويدل على اطرادها أن الله قص علينا قصص الامم السابقة وما حل بها من العقوبات لنتعظ ونعتبر ولا نفعل فعلهم لئلا يصيبنا ما أصابهم ولولا اطرادها لما أمكن الاتعاظ والاعتبار بها..

كما قال تعالى معقبا على ما حل بيهود بني النضير من الذلة والجلاء عن المدينة ﴿فاعتبِروا يا أولي الأبصار﴾ أي احذروا أن تفعلوا فعلهم فيحل بكم ما حل بهم.

العموم

وأما كونها عامة فلأن سنة الله عز وجل لا تحابي أحدا، وإنما يسري حكمها على الجميع قال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ (القمر:43) وقال سبحانه: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (النساء :123).

ولولا ثبات السنن واطرادها وعمومها لما كان هناك معنى في ذكر قصص وأخبار الأمم السابقة وطلب الاعتبار بما حل لهم.

وهذا النوع من السنن لم يعرف أن الله عز وجل خرقها لأحد من خلقه.

وتشترك السنن الكونية والاجتماعية في كونهما يتسمان بالثبات والاطراد ولكنهما يختلفان ـ بالاستقراء ـ في كون السنن الكونية واضحة بيّنة مضبوطة يسهل التعرف عليها بحيث إذا عرفت أمكن الحكم على نتائجها وميقات هذه النتائج؛ فالماء مثلا يتجمد إذا بلغت برودته درجة معينة ويغلي عند درجة معينة، ومن ذلك معرفة كسوف الشمس والقمر ومواسم الأمطار وغيرها وكذلك كون النار تحرق والجاذبية تجذب الأشياء من الأعلى إلى أسفل.. وهكذا.

كما يختلفان أيضا فيما أخبرنا الله عز وجل به في كتابه من أن سننه الكونية يخرقها الله إذا شاء سبحانه لمن يشاء من عباده؛ فالنار التي طبيعتها الإحراق تحولت إلى برد وسلام على إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأمر الله عز وجل، والرضيع في المهد من سننه سبحانه أنه لا يعلم شيئا ولا يتكلم ولا يفهم وأنه يولد من أب وأم؛ فخرق الله عز وجل هذه السنة بميلاد عيسى صلى الله عليه وسلم من غير أب وكلامه في المهد.

التوازن بين ثبات السنن الكونية وطلاقة المشيئة

وعن التوازن بين ثبات السنن الكونية وطلاقة المشيئة الإلهية يقول سيد قطب رحمه الله تعالى:

المشيئة الإلهية طليقة لا يرِد عليها قيد ما مما يخطر على الفكر البشري، وهى تبدع كل شيء بمجرد توجهها إلى إبداعه، وليست هنالك قاعدة ملزمة، ولا قالب مفروض تلتزمه المشيئة الإلهية، حين تريد أن تفعل ما تريد.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (النحل:40) وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (آل عمران:40).

وقال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران:47) وقال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء:69-70).

وهكذا وهكذا مما يقرر طلاقة المشيئة الإلهية وعدم تقيدها بقيد مما يخطر على الفكر البشري مما يحسبه قانونا لازما وحتمية لا فكاك منها.

وبين ثبات السنة وطلاقة المشيئة الإلهية يقف الضمير البشري على أرض ثابتة مستقرة يعمل فيها وهو يعلم طبيعة الأرض وطبيعة الطريق، وغاية السعي وجزاء الحركة ويتعرف على نواميس الكون وسنن الحياة وطاقات الأرض وينتفع بها وبتجاربه الثابتة فيها بمنهج علمي ثابت.

وفي الوقت ذاته يعيش موصول الروح بالله معلق القلب بمشيئته لا يستكثر عليها شيئا ولا يستبعد عليها شيئا ولا ييئس أمام ضغط الواقع أبدا.

يعيش طليق التصور، غير محصور في قوالب حديدية يضع نفسه فيها ويتصور أن مشيئة الله سبحانه محصورة فيها.

وهكذا لا يتبدد حسه ولا يضمُر رجاؤه ولا يعيش في إلفٍ مكروه. (4انظر خصائص التصور الاسلامي سيد قطب ص: 122)

الصيغ الواردة في القرآن للفظ السنن

1- صيغة السنن

ورد ذكر السنن في القرآن بالصيغة الصريحة بلفظ السنة أو السنن كما في قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الفتح:23) وهذه الصيغة كثيرة في القرآن.

2- بناء على وصف أو حالة

كما ترد بناء على وصف معين أو حالة معينة أو بناء على سبب أو شرط كما في قوله تعالى ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ (الكهف:59) وقوله سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11).

ووصفها أحيانا بأيام الله كما في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (ابراهيم:5).

3- يتقدم ذكرها قوله ﴿وكذلك﴾

غالبا ما يتقدم ذكر السنة قوله تعالى (وكذلك) كما في قوله سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام:129).

وقوله سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام:112).

وقوله سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأنعام:129).

خاتمة

هكذا أجرى الله تعالى الأمم والشعب على سنن إن اطردوا على الخير أو الشر. ولا غني للناظر في حكم النوازل في أن يعي هذه السنن كما يعي حكم ربه تعالى ليعلم أي الأحكام تقع على العادة التي ينظر فيها.

………………………………….

هوامش:

  1. البخاري:5729- مسلم:2219.
  2. مجموع الفتاوى : 13/ 20.
  3. انظر السسنة الإلهية د : عبدالكريم زيدان ص21.
  4. انظر خصائص التصور الاسلامي سيد قطب ص: 122.

لتحميل الدراسة كاملة على الرابط التالي:

اقرأ أيضا بقية أجزاء الدراسة:

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثالث    
  3. الجزء الرابع
  4. الجزء الخامس    
  5. الجزء السادس
  6. الجزء السابع والأخير
0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments