رجل غيّر الأحداث .. حسن البنا


زمن القراءة ~ 10 دقيقة 

كلما ظن العدو أن جذوة هذا الدين خبت فوجئوا بمجددين يبعث الله تعالى بهم ما مات عند الناس وقذف بهم في وجه الباطل. وكلما ظنوا امتلاك الأحداث غير الله مجراها. (1

إننا نبجل الدعاة والمصلحين وحركات الإصلاح الإسلامية وننوّه بشأنهم وبأعمالهم. وهذا لا يعني أن ليس لنا استداركات على بعض المفاهيم العقدية أو بعض المواقف للدعاة أنفسهم والمصلحين أو لتيارات الإصلاح.

فثناؤنا لا يعني الثناء المطلق. وكفى بالمرء خيرا أن تعد معايبه.

كما أننا نثني على حركات الإصلاح وقد لا تكون هي النموذج الذي نراه، ولكن لا نبخسها حقها فيما قدمت للأمة في عمومها. وما يشغلنا هو الإسلام نفسه، وإحياء الأمة بمجموعها، وصحة المنهج التلقى عن القرون المفضلة

)

مقدمة

قائد مربٍّ بفطرته، وبثقافته، وبخبرته. وهبه الله شحنة إيمانية نفسية غير معتادة، أثَّرت في قلوب مَن اتصل به، وأفاض من قلبه على قلوب مَن حوله، وله تأثيره العميق في نفوس أصحابه وتلاميذه، ونجاحُه المدهش في التربية والإنتاج. فقد كان منشئ جيل، ومربِّيَ شعْب، وصاحب مدرسة علمية فكرية خُلُقِيَّةٍ.

وقد أثَّرَ في ميول من اتصل به من المتعلمين والعاملين، وفي أذواقهم، وفي مناهج تفكيرهم، وأساليب بيانهم، ولغتهم، وخطابتهم، تأثيرا بقي على مر السنين والأحداث. ولا يزال شِعاراً وسِمَةً يعرفون بها على اختلاف المكانِ والزمان.

المولد والنشأة

ولد الإمام “حسن أحمد عبد الرحمن البنا” في ضحى يوم الأحد (25) شعبان (1324هـ) الموافق أكتوبر (1906م)، بالمحمودية في محافظة البحيرة بمصر، وكان الابن الأكبر لأبوين مصريين من قرية “شمشيرة” بندر “فوّه” التابع لمديرية “الغربية” سابقاً.

وهو الابن الأكبر للشيخ “أحمد عبد الرحمن البنا” الشهير بـ “الساعاتي”، وذلك نظرًا لعمله في إصلاح الساعات. وكان الشيخ أحمد عالمًا بالسُنة، فقد رتّب معظم أسانيد الأئمة الأربعة علي أبواب الفقه، وله مؤلفات في السنة منها  “بدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن”، “الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني”، كما شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل وسمى الشرح “بلوغ الأماني من أسرار الفتح الباني “.

حال الأمة بين يدي مولده

كالأرض الهامدة.. كذلك كانت الأمة الإسلامية في منتصف القرن الرابع عشر الهجري، وقبل ظهور حركة الإخوان المسلمين؛ دُمرت الخلافة، وهي آخر مظهر للتجمع تحت راية العقيدة الإسلامية، ومُزِّق الوطن الإسلامي شر ممزق بين براثن المستعمرين، من بريطانيين وفرنسيين وغيرهم، حتى هولندا التي لم تكن تتجاوز بضعة ملايين، كانت تحكم نحو مائة مليون في أندونيسيا..! وعُطِّلت أحكام الإسلام، واتُخذ القرآن مهجورًا، وسيطرت القوانين الوضعية والتقاليد الغربية، والقيم الأجنبية على حياة المسلمين، وبخاصة الطبقة المثقفة منهم، نتيجة لهيمنة الاستعمار الكافر على أزِمَّة التعليم والتوجيه والتأثير، فتخرَّجت أجيال، تحمل أسماء إسلامية، وعقولًا أوروبية.

وانضم هذا الفساد الذي وفد مع الاستعمار الدخيل، إلى الفساد الذي خلَّفته عصور الانحطاط والتخلف، فازداد الطين بلة، والداء علة.

وشاء الله الذي تكفَّل بحفظ القرآن، وبقاء الإسلام، وإظهاره على الدين كله، أن يجدد لهذا الدين شبابه، ويعيد لجسد هذه الأمة الهامد رُوحه وحياته من جديد؛ فكانت دعوة الإخوان المسلمين، وكان “حسن البنا” مؤسس هذه الحركة «الكبرى»، التي تركت فيها «بصمات» وآثارًا في كل مجال، وفي كل مكان، داخلَ العالم الإسلامي وخارجه.

ظهور المجددين في الأمة

من فضل الله على أمة الإسلام أن جعل رسولها خاتم الرسل، وكتابها آخر الكتب، فلا نبيَّ بعد محمد صلى الله عليه وسلم، ولا شرعة بعد الإسلام. ومن رحمة الله بها بعد ذلك أنه لم يتركها هملاً، ولم يدعْها سدى، إنما وعد على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبعث على رأس كل مائة عام مَن يجدد لها معالم هذا الدين.

ولا يشك منصف في أن “البنا” كان أحد هؤلاء المجددين الذين بعثهم الله تعالى على قدَر، يقول الشيخ الغزالي:

“إنَّ من رحمة الله بالأمة الإسلامية، بل بالعالم الإنساني، أن يظهر بين الحين والحين رجل مثل “حسن البنا”، يجدد تراث محمد، صلى الله عليه وسلم، ويحشد الجموع حوله ويحلّ المشكلات به، وينفي عنه الأوهام والبدع، ويعيد إليه بريقه الأخَّاذ يوم كان وحيًا يُتلى، وسنةً تُتَّبع”.

الطريق الى تأسيس جماعة الإخوان

عرف البنا العمل الجماعي مذ كان طالبا في الإعدادية، فلقد كان رئيس إدارة (جمعية الأخلاق الأدبية). ثم أسس بعد حين (جمعية منع المحرمات)؛ وكان مع زملائه يرسلون رسائل للعصاة والمقصرين يأمرونهم فيها بالمعروف وينهونهم عن المنكر، وكان عمره آنذاك ثلاثة عشر عاماً.

وانتسب إلى الطريقة “الحصافية”، وكان عمره أربعة عشر عاما، وبايع شيخ الطريقة وأسس مع أحمد السكري (جمعية الحصافية الخيرية)، وكانت مهمتها نشر الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة، ومقاومة المنكرات، ثم تخلى عن الطريقة والجمعية عندما أدرك أن حاجة المسلمين أكبر من ذلك بكثير.

وفى القاهرة ـ وكان عمره ستة عشر عاما ـ انتسب إلى (جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية)، وإلى (جمعية الشبان المسلمين).

وكان الدافع إلى انتسابه إلى هذه الجمعيات كلها رغبته في الإصلاح، وشعوره بأهمية العمل في جماعة، ولعل هذه الجماعات كانت تتناسب مع وعيه في تلك المرحلة؛ غير أنه يكتشف بعد قليل أن دورها جزئي محدود، وإذن لا بد من جماعة تتسم بالشمولية، ولهذا أسس جماعة الإخوان المسلمين عام1928، وحدد فقرات المنهاج الذي يراه من خلال الجماعة في النقاط التالية:

1- نريد أولاً “الرجل المسلم” في تفكيره وعقيدته، وفي خُلقه وعاطفته، وفي عمله وفي تصرفه. فهذا هو تكويننا الفردي.

2- ونريد “البيت المسلم”. ونحن لهذا نُعنَى بالمرأة، ونُعنَى بالطفولة.

3- ونريد بعد ذلك “الشعب المسلم” في ذلك كله.

4- ونريد بعد ذلك “الحكومة المسلمة” التي تقود هذا الشعب إلى المسجد.

ونحن لهذا لا نعترف بأي نظام حكومي لا يرتكز على أساس الإسلام ولا يستمد منه، ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية، ولا بهذه الأشكال التقليدية التي أرغمَنا أهل الكفر وأعداء الإسلام على الحكم بها والعمل عليها، وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامي بكل مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس هذا النظام.

5- ونريد بعد ذلك أن نضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامي.

6- ونريد بعد ذلك أن تعود راية الله خافقة عالية على تلك البقاع التي سَعدت بالإسلام حيناً من الدهر.

7- ونريد بعد ذلك ومعه أن نعلن دعوتنا على العالم، وأن نعمم بها آفاق الأرض، وأن نُخضع لها كل جبار.

ثم يقول:

“بأن ناساً سيقولون هذا خيال وأوهام. وذلك هو الوهن الذي قذف في قلوب هذه الأمة، فمكَّن لأعدائها فيها”.

ثم قال:

“وإنما نعلن في وضوح وصراحة أن كل مسلم لا يؤمن بهذا المنهاج ولا يعمل لتحقيقه لا حظ له في الإسلام فليبحث له عن فكرة أخرى يدين بها ويعمل لها”.

البنا والتقليد الأعمى

أراد ـ رحمه الله ـ تربية أتباعه على التمسك بالكتاب والسنة، وحذرهم من البدع والجمود والخرافات، ومن تقديس أقوال الرجال وتقديمها على الكتاب والسنة، قال رحمه الله:

“وكل أحد يؤخذ من كلامه ويُترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم. وكلُ ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقا للكتاب والسنة قبِلْناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع، ولكنا لا نعرض للأشخاص ـ فيما اختُلف فيه ـ بطعن أو تجريح، ونكِلهم إلى نياتهم، وقد أفضوا إلى ما قدموا”.

والبنا رحمه الله بلباقته وحسن تعبيره، يصوّر لنا بشكل آخر تجربته مع الطرق وشيوخ الصوفية، ومن غير شك كان يحزن من شدة تقديس الأتباع والمريدين لشيوخهم. انظر إليه وهو يحدثنا عن أتباع الشيخ الدجوي كيف ردوا عليه بقسوة لأنه خاطب الشيخ بما لا يليق، وقالوا أنه بإساءته للشيخ قد أساء للعلماء والأزهر والإسلام … والبنا أراد من الشيخ أن ينهض لمحاربة الفساد والإلحاد في مصر فكيف أساء للإسلام..؟!

وهؤلاء تربوا على أن شيخهم لا يقول إلا الحق، وهو ظل الله في الأرض، وأوامره ونواهيه دين لا يجوز مخالفتها أو الخروج عليها..!! والبنا لا يريد هذه التربية المنحرفة.

لا يريد أن يكون بين أتباعه كما كان الدجوي بين أتباعه، ولهذا علّمهم وأكد في رسالة التعاليم بأنه ليس معصوماً، ويجب أن لا يقبلوا من كلامه إلا ما كان موافقاً للكتاب والسنة، ومن خالف ذلك فقد أساء للبنا ودعوته.

البنا وتحويل الأفكار والأماني إلى واقع ملموس

فإذا تحدث عن الزكاة مثلاً لم يقف عند حد الوعظ، والتذكير، وترغيب الناس وترهيبهم بل تراه يأمر بتنظيم لجنة مهمتها جمع الزكاة من الملتزمين في الجماعة وغيرهم من عامة المسلمين، ثم يقومون بتوزيعها حسب الطرق الشرعية المعروفة.

وكذلك يفعل في مختلف جوانب البر والخدمات الاجتماعية، فيقدّم المساعدات للعاطلين عن العمل، والمرضى، وغيرهم من المنكوبين والمحتاجين، وكان لقسم البِر والخدمات شُعب في مختلف أنحاء مصر، وعندما كان يدرب إخوانه على عمل خيري، كان يقول لهم:

“هذا أفضل من عشرات الدروس في الوعظ”

وخطط ـ رحمه الله ـ لتكون الجماعة غير محتاجة إلى عون أية جهة حكومية، أو غير حكومية، فأسَّس الشركات الاقتصادية؛ وكان من أشهرها:

شركة المعاملات الإسلامية، والشركة العربية للمناجم والمحاجر، وشركة المطبعة الإسلامية والجريدة اليومية، وشركة التجارة والأشغال الهندسية بالإسكندرية، وشركة الإعلانات العربية، فضلاً عن تأسيس المستشفيات المجانية.

ومما لا شك فيه أن هذه الشركات أرهبت فاروق، والأحزاب، والإنكليز، وأشعرتهم أن هذه الجماعة ليست مجموعة من “الدراويش”، وإنما هي واقع ضخم لم تعرفه منذ عدة قرون.

البنا وجهاد اليهود والاحتلال الانجليزي

“إن دولة الباطل قامت على أكتاف عصابات صهيونية، ولا ينهي وجودها إلا عصابات إسلامية”.

كان الرجل جاداً عندما نادى بتحرير مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي من نير الاستعمار الدخيل.

والمجدِّد لا يعرف الهزل في قضايا دينه وأمته؛ لقد أخذ البنا يخطط من أجل طرد الإنجليز من مصر، ومن أجل طرد اليهود من فلسطين، وشكّل، رحمه الله، تنظيماً عسكرياً، وأخذ يبتاع الأسلحة، ومصر كانت مخزن أسلحة، لاسيما أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية. قال، رحمه الله، في خطاب جامع ألقاه في المؤتمر الدوري الخامس:

“في الوقت الذي يكون فيه منكم معشر الإخوان المسلمين ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحياً بالإيمان والعقيدة، وفكرياً بالعلم والثقافة، وجسمياً بالتدريب والرياضة؛ في هذا الوقت طالِبوني أن أخوض بكم لجج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله..”.

وأصبحت كتائب الإخوان هي القوة الفاعلة الوحيدة في فلسطين، فلا عجب أن تتكالب الصهيونية العالمية والقوى الاستعمارية، والساسة والحكام الخونة على ضرب الإخوان وإيقاف قوّتهم العسكرية المنتصرة في فلسطين.

وبدأ التنفيذ العملي عندما أمر إخوانه في مصر وسورية والأردن دخول حرب فلسطين، وأبلت هذه القوات بلاء حسناً، وكان اليهود يهابون المعارك التي يواجهون بها كتائب الإخوان.

كانت سجون مصر تنتظر الإخوان المسلمين، بعد عودتهم من حرب فلسطين، ولكن الذين لم يدخلوا السجن وهم قِلة أخذوا يستعدون لمعركة أخرى.. وانتظروا أول فرصة سانحة، أي بعد خروج مجموعات من الإخوان من السجن، فبدأوا معركة قنال السويس ضد الإنكليز، وشارك في هذه المعارك بعض الضباط من الطيبين وغيرهم، فشعر المستعمر بأنه من الصعب جداً استمرار احتلاله لمصر لأنهم أصبحوا هدفاً لضربات الإخوان القوية في كل مكان من مصر.

وكان من أبرز أبطالهم الشيخ “محمد الفرغلي”، والأستاذ “يوسف طلعت”، اللذَيْن أعدمهما نظام جمال عبد الناصر لأنه يعلم أنهما سيقاومان كل انحراف وكل فساد.

البنا والصوفية

قال، رحمه الله:

“حضر إلى الإسماعيلية (…) من القصاصين وهو يدعو إلى “الطريقة” وله أفكار خاصة تنافي آمالي الإسلامية. وأنا إنما وقفت نفسي لدعوة أرى أنها خير السبل للإصلاح الإسلامي، وأمثال هؤلاء يريدون تحويلها وتشكيلها بشكل دعواتهم وذلك ما لا أريد..

لقد آن الأوان الذي أعتزل به عن كل هذه الدعاوى المشتبهة. وأكشف فيه عن الغاية للإصلاح الإسلامي الذي يتلخص في الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله، وتطهير العقول من هذه الخرافات والأوهام، وإرجاع الناس إلى هدْي الإسلام الحنيف”.

رؤيته لأهمية التربية الإسلامية الشاملة

إن تربية المسلم الذي يكتفي من الإسلام بالصلاة والصيام والذكر والدعاء، وإذا ذُكر أمامه حال الإسلام والمسلمين اقتصر على الحوقلة والاسترجاع، غير تربية المسلم الذي يغلي صدره غِيرة على الإسلام، كما يغلي القِدْر فوق النار، ويذوب قلبه أسى على المسلمين كما يذوب المِلْح في الماء، ثم يحوِّل ذلك الأسى وتلك الغيرة إلى قوة دافعة للعمل، وانطلاقة باعثة على التغيير.

هذا هو المسلم المنشود، الذي لا يستسلم للواقع، بل يعمل على تغييره كما أمر الله، ولا يعتذر بالقضاء والقدر، بل يؤمن بأنه هو قضاء الله الغالب، وقدرة الذي لا يُرَدّ. إنه المسلم الذي يعمل لإقامة رسالة، وبناء أمة، وإحياء حضارة.

“رسالة امتدت طولًا حتى شملت آماد الزمن، وامتدت عرضًا حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عمقًا حتى استوعبت شئون الدنيا والآخرة”.

كانت تربية هذا المسلم هي المهمة الأولى لحركة “الإخوان”؛ لأنه هو وحده أساس التغيير، ومحور الصلاح والإصلاح. ولا أمل في استئناف حياة إسلامية، أو قيام دولة إسلامية، أو تطبيق قوانين إسلامية، بغيره.

كان المصحف والسيف، السلطان والدعوة، مفترقين في فكر المسلمين منذ أن تخاصم السلطان والقرآن وتقاتلا في عهود المُلك العاض، مفترقين في الحياة العملية للمسلمين. والبنا رحمه الله من القلائل الذين اجتمع في تصورهم القرآن والسلطان. لم يجد في زمانه من الرجال المكتملي النضج إلا القليلَ ممن أدركوا مَدْرَكَهُ، فعمد إلى تربية نشء جديد لا يَفْصِل بين التربية الإيمانية القلبية وبين الدراية الفكرية، ولا بين المسجد وساحة القتال، ولا بين العبادة والسياسة، ولا بين التبتل وترويض الأجسام وحمل السلاح.

تعدد الخصوم والأعداء.. وما وهنت عزيمته

واجهته كما واجهت غيره من المجدِدين صعوبات كثيرة، وتحديات جَمّة؛ فما تراجع، ولا ضعف، ولا قبِل الدنية في دينه ودعوته.

– حاربه المستعمرون الإنجليز بوسائلهم المعروفة.

– وحاربه فاروق وزبانيته، وهم الذين دبّروا محاولة اغتياله.

– وحاربه حزب الوفد بإمكاناتهم الضخمة، وشنوا عليه حملة إعلامية كاذبة ظالمة، وكانت صحفهم تخرج كل يوم وفيها تشهير هابط بحسن البنا وأهدافه ونواياه، والناس يتأثرون بالإعلام، وكان قادة حزب الوفد مزيجا من العلمانيين والأقباط.

– وحاربته بقية الأحزاب الأخرى بوسائل لا تختلف عن الوسائل التي استخدمها حزب الوفد.

– وحاربه شيوخ السلطة لأن أسيادهم ـ فاروق والوفد ـ حاربوا البنا، ولأن الناس التّفوا حول البنا، وانفضّوا من حولهم وتناقَص عدد الذين يقبّلون أيديهم.

– وحاربه ضعاف النفوس من رفاق دربه الذين لم يجدوا عنده ما كانوا ينتظرون من أطماع، فتخلّوا عنه، وانضموا إلى حزب الوفد، واستخدمهم الحزب في حملته الإعلامية الفاجرة ضد حسن البنا.

– لقد اشترى الإنكليز وفاروق والأحزاب ذمم بعض كبار الأدباء والمفكرين، وكتب أحدهم ذات مرة يقول بأن حسن البنا من أصول يهودية، ودليله على ذلك أنه يعمل في تصليح الساعات وهذه الصناعة يحتكرها اليهود..!!

ولسنا في صدد الرد على أقوال هذا المفتري، ولكن نشير إلى أن مثل هذا القول اتهم به الرافضة ومن يدور في فلَكهم الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ومن قبل اتهم المشركون والمنافقون واليهود رسول الله وأهل بيته وأصحابه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمختلف الاتهامات الشنيعة الباطلة.

وقصارى القول مضى خصوم البنا؛ مضى فاروق وإذا ذُكِرْ تذكر انحرافاته وفساده، وسوء حاشيته، ومضى الإنكليز وأعوان الإنكليز غير مأسوف عليهم، ومضى قادة الأحزاب الجاهلية بأوزارهم، وبقى ذكر “حسن البنا” الطيب العطر ليس في مصر وحدها بل في العالم كله ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فيذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فيمْكُث فِي الأَرضِ﴾ [الرعد:17].

الاغتيال … والشهادة بإذن الله

واستكمالا لحلقات المؤامرة دبرت جريمة اغتيال المرشد في الخامسة من مساء السبت (12) من فبراير سنة (1949)، وكان التدبير دقيقا، فقبْل الاغتيال اتخذت الحكومة من الخطوات والأعمال التمهيدية ما يأتي:

1- سحبتْ من المرشد سلاحه المرخص، وهو وسيلته الوحيدة للدفاع عن نفسه.

2- رفضت الحكومة طلبا تقدم به لكي يُعتقل مع أصحابه ومريديه

3- رفضت الحكومة كذلك طلبه بأن ينزل ضيفا مقيما بعزبة أحد الإخوان بالريف. وألقت القبض على صاحب العزبة.

4- منعته الحكومة من السفر إلى الخارج، أو التنقل من مكان إلى مكان داخل القطر بغير إذن من الحكومة.

وأمام جمعية الشبان المسلمين في شارع “الملكة نازلي” أُطلق عليه الرصاص، واستقل الجناة سيارة سوداء ثبت بعد ذلك أنها سيارة القائمقام “محمد عبد المجيد” مدير إدارة المباحث الجنائية بوزارة الداخلية، وقد قُدم ـ بعد قيام الثورة ـ للمحاكمة هو وعدد من كبار الضابط ورجال المباحث.

وبعد إطلاق الرصاص تحامل الإمام البنا على نفسه، وذهب إلى الإسعاف، ويقال إن أوامر مشددة صدرت إلى الأطباء بتركه ينزف إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة، ليلحق ـ إن شاء الله ـ بركب النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا.

مؤلفاته

مذكرات الدعوة والداعية (لكنها لاتغطي كل مراحل حياته وتتوقف عند سنة 1942م، المرأة المسلمة، تحديد النسل، مباحث في علوم الحديث، السلام في الإسلام، قضيتنا، الرسائل، مقاصد القرآن الكريم.

………………………….

هوامش:

  1. إننا نبجل الدعاة والمصلحين وحركات الإصلاح الإسلامية وننوّه بشأنهم وبأعمالهم. وهذا لا يعني أن ليس لنا استداركات على بعض المفاهيم العقدية أو بعض المواقف للدعاة أنفسهم والمصلحين أو لتيارات الإصلاح.
    فثناؤنا لا يعني الثناء المطلق. وكفى بالمرء خيرا أن تعد معايبه.
    كما أننا نثني على حركات الإصلاح؛ وقد لا تكون هي النموذج الذي نراه، ولكن لا نبخسها حقها فيما قدمت للأمة في عمومها.
    وما يشغلنا هو الإسلام نفسه، وإحياء الأمة بمجموعها، وصحة المنهج التلقى عن القرون المفضلة.

المصادر

  • قراءة في سيرة حسن البنّا رحمه الله تعالى، د/ غازي التوبة.
  • حسن البنا .. مؤسس جماعة الإخوان المسلمون .. من هو؟، موقع البنا لايف.
  • حسن البنا في السيرة والمسيرة سنوات الطفولة والصبا، د/ جابر قميحة.
  • التربية الإسلامية ومدرسة حسن البنا، د/ يوسف القرضاوي.
  • الإمام حسن البنا.. مُجدّد جمع بين القرآن والسلطان، الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.
  • حسن البنا.. رجل أيقظ أمة، موقع القسام.
  • في ذكرى استشهاد حسن البنا فمن يكون .. فمن يكون، د. وصفي عاشور أبو زيد.

اقرأ أيضا:

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments