تحذير الساجد من تعطيل الجمعة والجماعات في المساجد


زمن القراءة ~ 8 دقيقة 

المبالغة في التخوف من فيروس “كورونا” وغلق المساجد، وصولا الى الحرمين الشريفين، وتعطيل الجمع والجماعات؛ من الأخطاء الفادحة المخالفة للنصوص والمقاصد الشرعية؛ بل هي مصاب أعظم.

مقدمة

فيروس “كورونا” جديد قديم، وقد سبق أن انتشر قبل سنوات، وكان أشدّ فتكًا من هذا؛ إلا أنّ كورونا الجديد المتطور هو أسرع انتشارًا لكنَّه لا يقتل إلَّا (2%) من المصابين به ـ بإذن الله ـ من كبار السنّ الذين ضعُفت لديهم المناعة وعندهم مشاكل صحيَّة كبيرة. أما (98%) من المصابين به فإنهم يتعافون منه بإذن الله.

وهذا الفيروس، ومِن قبله “سارز” وانفلونزا الخنازير وانفلونزا الطيور والجمرة الخبيثة، وغيرها من الفيروسات التي تظهر ما بين الفينة والأخر، تستغلُّها الدول عادةً في تحقيق أهدافٍ سياسية واقتصادية. وربما افتعلتها مخابرات تلك الدول، ضمن أسلحتها الجرثومية لتحقيق الأهداف نفسها. لكنَّ الجديد في هذا الفيروس أنَّه مصحوب بحملةٍ عالميَّة غير مسبوقة، وحالةٍ من الهلع والخوف، والخسائر المادية بسببه كبيرة، وليس هذا موضوع حديثنا الآن، وإنَّما حديثُنا عن التخوُّف منه الزائد عن حدِّه؛ فإنّ ضررَ ذلك  دينيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا ـ وحتى صحيًّا ـ أكبر من خطر “كورونا” نفسها.

ومن المعروف صحيًّا أنّ الخوف يرفع “الكرتزون” في الجسم، وهذا يُضعف المناعة.

الخير في الاعتدال، وبه جاء الإسلام

وديننا دين الوسطية والاعتدال. والله جلَّ وعلا له حِكَم في خلقه، وتوازنات في كونه. وهذا الفيروس كما أنّ من سلبيَّاته أنَّه يكون سببًا في القضاء على (2%) من مرضى كبار السنّ المصابين به والذين يعانون أصلًا من ضعف المناعة؛ إلّا أنَّه يقوّي جهاز المناعة لدى (98%) من الذين تعافوا منه، لتكون أجسامهم أقدر على مقاومة فيروسات وأمراض أخطر وأشدّ فتكًا. وهذا قد يفسِّر لنا استراتيجية بريطانيا في مواجهة كورونا والتي تتلخَّص بتركه ينتشر في بريطانيا حتى يكتسب النّاس مناعةً ضدَّه، كما أنّ المبالغة في تنظيف اليدين والوجه قد يقتل البكتيريا النافعة فيهما، ومثل هذه التوازانات موجودة في نظام الكون.

وظلم الإنسان وجهله هو الذي يُفسِد الحياة، ولو أنّ الإنسان لم يبالغ في تقدير عقله وعلمه، واستفاد من عقله وعلمه المحدودَين مع الاهتداء بهدي الوحي الصادر عن علّام الغيوب؛ لما وصل إلى ما وصل إليه من التخبّط. قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحِجر:19]. وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:8-9]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:9].

وتعتبر الدول العربيّة والإسلامية في إفريقيا وآسيا باستثناء إيران هي أقلُّ الدول إصابة، بل “الكورونا” منعدمة في أكثرها أو كثير منها. وذلك ليس بفضل إمكانات تلك الدول بل بفضل تعاليم الإسلام الذي يدعو إلى الطهارة والنظافة وغسل اليدين خمس مرات في اليوم على الأقل، والذي يتحلَّى أهلُه بالإيمان بالله والثقة به..

ونحن بهذا الكلام لا نلغي الاحتراز والأخذ بالأسباب المشروعة؛ بل ديننا يأمرنا بالأخذ بالأسباب ولكن ننكر المبالغةَ في ذلك إلى درجةٍ تضعف إيماننا وتوكلنا على الله وثقتنا به وتهدر مصالحنا الدينيّة والدنيوية.

الجمع والجماعات عند المسلمين

إنّ إعلان منظمة الأمم المتحدة “كورونا” وباءً عالميًّا لا يقدِّم ولا يؤخِّر كثيرًا، لأنَّنا نعرف أنّ الأمم المتحدة هي ألعوبة لتمرير مصالح الدول العظمى. وإنَّما الذي يعنينا الآن هو الحديث عن حكم تعطيل الجمعة والجماعة وإغلاق المساجد بحجَّة “كورونا” فقد أجازه بعضُ أهل العلم المعاصرين محتجّين بعموماتِ رفع الضرر والحرج، وسدّ الذرائع، وبأحاديث النهي عن قربان المسجد لمن أكل ثومًا أو بصلًا أو غير ذلك، وأحاديث الحجر الصحي، وكذا حال المطر ونحوه…

ولا يخفى ما في هذا الاستدلال من نظر؛ فهذه الأدلَّة إما أنَّها عمومات يسهل نقضها بالنصوص الخاصة بالجماعة حتى في أوقات الحرب والخوف..

وإما أنها أدلَّةٌ بعيدة عن موضع النزاع؛ إذ ليس فيها إغلاق المساجد ولا منع المصلّين من الجمعة والصلوات الخمس فيها..  وقد كفانا الكثير من إخواننا مؤونة الردِّ عليها.

حق لا ينبغي تجاوزه

والحقُّ الذي لا يجوز غيره أنّ تعطيل الجمعة والجماعات في المساجد منكرٌ عظيم لا يجوز تحت أيّ ظرفٍ من الظروف؛ لأنّ هذا لم يحدث عبر التاريخ الإسلامي أن أُغلِقت المساجد من أجل الوباء، سواء في عهد الصحابة أو التابعين أو تابعيهم، ولا قال به أحدٌ من أئمّة الإسلام في القرون المفضّلة ولا مَن بعدهم؛ بل قال ابن القطّان الفاسي (ت628هـ):

“وأجمعوا أنّه لا يجوز أن يُجتمَع على تعطيل المساجد” اهـ (1الإقناع في مسائل الإجماع (1/ 145))

حتى جاء عصرنا البائس هذا؛ ولذا نحن نحاكم المخالفين في هذه المسألة للإجماع. والأمّة لا تجتمع على ضلالة، فهذا الإجماع إجماع صحيح لسلف الأمّة وأئمّة الإسلام، يستند لأدلّةٍ شرعيّة كليّة وجزئيّة، ويتّفق مع مقاصد الشريعة، ولا يسمح المقال بشرح ذلك ولكن نقول كلمةً مختصرةً فيه:

بين المصلحة المتحققة والموهومة، واعتبار رتبة المصالح

إنّ مصلحة إقامة الجمعة والجماعة مصلحة دينيّة متحقِّقة، وتركها مفسدة..

كما أنّ هذه المصلحة لحفظ الدين وهو الضروري الأول والأهم من الضروريات الخمس.

أمّا تعطيلها بحجّة الخوف من “كورونا” والعدوى بها فهو ظنّي. وأيضًا هو لحفظ النفس وهو في المرتبة الثانية بعد حفظ الدين. واليقيني الأهم مقدَّم على الظنّي الأقل أهمية، لذا شرع ربُّنا صلاةَ الجماعة في أحرج المواقف في صلاة الخوف أثناء قتال الأعداء، واختزل أركانها وصفاتها وشروطها التي لا تقوم إلا بها من أجل تحقيق صلاة الجماعة. فهذا يدلُّنا على مكانة هذه الشعيرة، وإنما رخّص في الصلاة فرادى في حالة الخوف الشديد المتيقّن وهي حالة المسايفة ـ مقارعة الأعداء بالسيوف ـ قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء:102]. وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ. فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:238-239].

ولما قال النبي صلى الله عليه وسلَّم للجدِّ بن قيس: هل لك في جلاد بني الأصفر؟ فقال: إنّي مغرمٌ بالنساء، وأخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهنّ فأُفتتن؛ قال تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة:49]. (أي: بالتخلّف وترك الجهاد، وهو مصلحة شرعيّة يقينيّة عارضَه بمصلحة وهميّة أو مظنونة إن كان صادقًا فيما قال). (2رواه ابن أبي حاتم (9600) من حديث جابر بن عبدالله, والطبراني (12654) من حديث ابن عباس, وحسّنه الألباني في الصحيحة (2988))

والشرع طلب من النساء الحجاب وأن يقَرْن في بيوتهنّ، وذلك لما في خروجهنّ من ضررٍ وفتنة، ومع خوف الضرر والفتنة بهنّ لم يمنعهنّ من الخروج إلى المساجد وحضور الجمعة والجماعة.

عن عَبْد اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا». قَالَ: فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ: فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَط. وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. (3رواه البخاري (889) ومسلم (442) واللفظ له)

وفي رواية لمسلم: فَقَالَ ابْنٌ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: لَا نَدَعُهُنَّ يَخْرُجْنَ فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا. والدغل هو كما قال النووي: الفساد والخداع والريبة. (4شرح مسلم (4/ 162))

وقال الحافظ ابن حجر:

“… وكأنَّه قال ذلك لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت، وحملته على ذلك الغيرة؛ وإنما أنكر عليه ابن عمر لتصريحه بمخالفة الحديث…”اهـ (5فتح الباري (2/ 349))

ولتقليل الفتنة بين الرجال والنساء في المساجد فقد أرشد النبي صلّى الله عليه وسلم لمجموعة ضوابط منها: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللهِ، وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ». (6رواه أبو داود (565) وغيره: وقال الألباني : حسن صحيح)

وقوله: (تفِلات) أي: غير متطيِّبات؛ ويقال: امرأة تفِلة إذا كانت متغيرة الريح. (7انظر فتح الباري (2/ 349))

وعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا». (8رواه مسلم (443))

قال ابن حجر:

 “قال ابن دقيق العيد: ويلحق بالطّيب ما في معناه؛ لأنّ سبب المنع منه ما فيه من تحريك داعية الشهوة كحسن الملبس والحلي الذي يظهر، والزينة الفاخرة، وكذا الاختلاط بالرجال…”اهـ (9المصدر السابق)

الجمع والجماعات في حالة الوباء

فعند الخوف الحقيقي من الوباء ليس الحلُّ هو إغلاق المساجد ومنع المصلّين؛ وإنما ما أرشدت إليه الشريعة من وضع الضوابط، وذلك كأن تقوم الهيئات الصحيّة باتخاذ إجراءات لتقليل احتمال انتقال الفيروس في المساجد؛ كتعقيمها وفحص الداخلين لها، وقد تيسّر ذلك حيث قامت مئات الشركات بصناعة الأجهزة التي تكتشف الكورونا في خلال ثوانٍ، وبطريقةٍ سهلة ميسّرة.

وبخصوص الجمعة تُعتمَد المساجد الكبيرة للجمعة ـ وهذا أقرب للسنّة ـ ويُفحَص كلُّ داخلٍ إليها..

وبخصوص الصلوات الخمس يُحَثُّ الناس على التفرُّق في مساجد صغيرة أو تجمعات صغيرة في البيوت والدور والحارات دون أن يُمنَعوا وتُغلَق المساجد في وجوههم. وهذا نستفيده من أدلّة منها:

أمرُ المؤذِّن في اليوم المطير بقول: صلُّوا في بيوتكم.. عن ابن عَبَّاسٍ أنَّه قال لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ: إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ؛ قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ. فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا. قَالَ: فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي؛ إِنَّ الجمعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحَضِ. (10رواه البخاري (901) ومسلم (699))

والأصل في المساجد أن تباح في كلِّ وقت لمبتغيها وقاصدها. وقد بلغ من إباحة المساجد لعموم الناس في كلِّ وقت في عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أنّ أبوابها لا مصارع لها، فلم تكن تُغلَق ليلًا أونهارًا، وقد كانت الكلاب تدخل المسجد وتقبِل وتدبر فيه؛ عَن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: «كَانَت الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ». (11رواه البخاري (174))

ولا يفوتنا التنبيه على عدم مشروعية إغلاق المساجد أصلًا لا ليلًا ولا نهارًا؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة البقرة: 114].

قال الطبري:

“… دلَّ بعموم قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، أنَّ كلَّ مانعٍ مصليًّا في مسجد لله، فرضًا كانت صلاته فيه أو تطوُّعًا، وكلَّ ساعٍ في إخرابه فهو من المعتدين الظالمين”.اهـ (12جامع البيان (2/ 523))

وإذا كانت مساجدنا اليوم فيها أشياء يُخشى من سرقتها فيمكن توظيف حارسٍ للمسجد أو توزيع نوبات عمَّال نظافته متفرِّقين على ورديّتين أو ثلاث ـ بدلًا من اجتماع العمّال في دوام واحد ـ بحيث يبقى المسجد مفتوحًا طوال الليل والنهار. على الأقل المساجد الكبيرة والجوامع.

وقد أوجب ديننا الحنيف جملةً من الإرشادات عند ظهور الوباء الحقيقي؛ منها ما ثبت عن عائشةَ رضيَ الله عنها أَنَّهَا سَألَتْ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عَنِ الطّاعُونِ فَأَخْبَرَهَا أنَّهُ: «كَانَ عَذَاباً يَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللهُ تعالى رَحْمَةً للْمُؤْمِنينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ في الطَّاعُونِ فيمكثُ في بلدِهِ صَابراً مُحْتَسِباً يَعْلَمُ أنَّهُ لا يصيبُهُ إلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ إلاَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ الشّهيدِ». (13رواه البخاري (3474))

وقوله: «صابرًا محتسبًا»… أدبٌ عظيم، هو الفارق بين المسلم والكافر؛ فالمسلم يمزج صبره بالاحتساب أي: طلب الأجر من الله، عزَّ وجلَّ، على كلِّ ما يصيبه في هذه الدنيا، ولا يتنافى ذلك مع ضرورة الحيطة والحذر وعدم التعرض لأسباب المرض..

وقوله: «فيمكث في بلده».. أصلٌ في الحجر الصحي، وليس كما يظنّه كثير من الناس ويفعله حكَّام زماننا من إغلاق الحدود المصطنعة التي فرقت بين المسلمين بالباطل؛ وإنما يكون الحجر على المحلّة التي ظهر فيها الطاعون وحسْب، أو المناطق والأقاليم الموبوءة أو التي يُخشى منها، دون التعميم؛ لأنّ التعميم قد لا يكون له حاجة، وتكون أضراره على الناس ومصالحهم أعظم من ضرر الوباء، وهذا هو الحجر الصحيح الذي مارسته الصين على مقاطعة “ووهان” التي بدأ فيها الوباء، وكان من نتيجته انحسار الوباء وتراجعه إلى حدٍّ كبير..

وكيف يُمنَع الناس من المساجد والجماعات، ومنها ـ بالطبع ـ صلاة الصبح التي ثبت أنَّ الجماعة فيها تجعل المصلِّي في ضمان وأمان من المصائب وغيرها، ومنها ولا شكَّ هذه الأوبئة؛ عن جندب بن عبد الله يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ». (14رواه مسلم (657))

زاد أبونعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم (15برقم 1467): (في جماعة)

قال النووي: قِيلَ: الذِّمَّةُ هُنَا الضَّمَانُ وَقِيلَ الْأَمَانُ اهـ (16شرح مسلم (5/ 158)). وقال الصنعاني : «كان في ذمة الله..» في حفظه من المصائب أو من الذنوب والمعاصي…اهـ (17التنوير شرح الجامع الصغير (10/284))

خاتمة

وأخيرًا نقول أنه قد ثبت أنَّ عدم إقامة صلاة الجماعة سببٌ لاستحواذ الشيطان على الناس؛ عَنْ أَبي الدَّردَاء قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يَقُولُ: (مَا مِنْ ثَلاَثَةٍ فِى قَرْيَةٍ وَلاَ بَدْوٍ لاَ تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاَةُ إِلاَّ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ. قَالَ زَائِدَةُ: قَالَ السَّائِبُ: يَعْني بِالْجَمَاعَةِ؛ الصَّلاَةَ في الْجَمَاعَةِ). (18رواه أبوداود (547) وغيره ، وحسّنه الألباني)

فمن يزعم أنَّ نجاة الناس من المرض تكون بمنع الـجـُمَع والجماعات وإغلاق المساجد فقد أسلَمهم لما هو أعظم شرًّا و وبالًا؛ إذ جعلهم لقمةً سائغةً طريَّةً للشيطان وحزبه؛ ليستحوذ عليهم بكلِّ سهولة؛ فأيُّ نجاةٍ هذه؟!!

فهل يا تُرى أراد اللهُ معاقبةَ المسلمين لكثرة معاصيهم وبُعدهم عنه بحرمانهم من الجمعة والجماعة، كما عاقب الكفّار بـ “كورونا”..؟

هذا ليس ببعيد فقد حرَم الله عزّ وجلّ، بعضَ المنافقين من شرف الجهاد في سبيل الله والخروج له مع رسوله صلّى الله عليه وسلّم؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:46]
اللهمّ احفظ عمومَ المسلمين من الأمراض والوباء وكلِّ بلاء..

………………………

هوامش:

  1. الإقناع في مسائل الإجماع (1/ 145).
  2. رواه ابن أبي حاتم (9600) من حديث جابر بن عبدالله، والطبراني (12654) من حديث ابن عباس، وحسّنه الألباني في الصحيحة (2988).
  3. رواه البخاري (889) ومسلم (442) واللفظ له.
  4. شرح مسلم (4/ 162).
  5. فتح الباري (2/ 349).
  6. رواه أبو داود (565) وغيره: وقال الألباني : حسن صحيح.
  7. انظر فتح الباري (2/ 349).
  8. رواه مسلم (443).
  9. المصدر السابق.
  10. رواه البخاري (901) ومسلم (699).
  11. رواه البخاري (174).
  12. جامع البيان (2/ 523).
  13. رواه البخاري (3474).
  14. رواه مسلم (657).
  15. برقم 1467.
  16. شرح مسلم (5/ 158).
  17. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 284).
  18. رواه أبوداود (547) وغيره ، وحسّنه الألباني.

المصدر:

  • الشيخ/ طه سليمان، 24/7/1441هـ

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.