”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

العدل والتوازن في المنافسة والغبطة والغيرة

بين الغبطة المحمودة والتراخي والتحاسد من جانب آخر فروق، وبين لغيرة المحودة وبين الدياثة والشك من جانب آخر فروق. والنعمة في إعطاء كل شيء حقه.

مقدمة

كثيرا ما يقع الخلل في الأخلاق بسبب تطرف الإنسان مع جانب دون آخر. وكثيرا ما تضيق القلوب عن الجمع بين عبودياتٍ أمر الله تعالى؛ فإن أقاموا عبودية أسقطوا أخرى أو أهملوها.

ومن نعمة الله على عبده الفهم عنه ومعرفة الواجب عليه في كل حال؛ فلا يدفعه التنافس في الخير الى الحسد، ولا يتراجع عنه الى الخمول. ولا تدفعه الغيرة الى الشك، ولا يتراجع عنها الى الدياثة والتساهل في الأخلاق؛ بل يعطي كل ذي حق حقه.

أولا: المنافسة والغبطة

الغبطة والتنافس في الخير خلقان كريمان أمر بهما الشارع الحكيم، وعمل بهما سلفنا الصالح؛ حيث تنافسوا في مرضاة الله وجنته وتسابقوا إليها؛ قال الله عز وجل: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ[المطففين: 26].

وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ[الحديد: 21].

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فقام به آناء الليل وآناء النهار، ورجل أعطاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار». (1البخاري (5025)، ومسلم (815))

ومع جلالة هذا الخُلق، فإنه كغيره من الأعمال والأخلاق مكتنَف بخلقين مذمومين. والناس فيه طرفان ووسط:

الطرف الأول: أهل الغلو والإفراط

وهم الذين تجاوزوا الحد في التنافس، فمالوا من العدل الممدوح إلى الغلو والإفراط فيه حتى أوقعهم ذلك في الحسد والحقد للجهة المنافسة، أو المسابقة. والحسد خلة ذميمة ساقطة ممقوت صاحبها عند الله عز وجل وعند عباده.

الطرف الثاني: أهل التفريط والإضاعة

وهم الذين ضعفت هممهم عن التنافس في الخير ورضوا بالدُّون، ولم يثر عزائمهم تشمير الصالحين وتسابقهم إلى الخيرات وإلى دار المتقين، فلم ينافسوهم ولم يحرك ذلك في نفوسهم شيئًا.

الموقف الوسط والعدل المتوازن

وهو الذي كان عليه سلفنا الصالح رضي الله عنهم من الهمة العالية؛ حيث تنافسوا في الصالحات وسارعوا في الخيرات، وتسابقوا إلى الجنات، وتمنى أحدهم أن يكون على مستوى ما عليه أخوه أو يزيد عليه دون حسد ولا حقد، ولا تمنٍّ من أحدهم زوال نعمة الله عز وجل الدينية أو الدنيونة عن أخيه المنافس.

«كما كان ذلك من عمر بن الخطاب رضي الله عنه في منافسته لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ومحاولة اللُّحوق به أو سبقه، فلمَّا علم أن أبا بكر رضي الله عنه قد استولى على الإمامة قال: والله لا أسابقك إلى شيء أبدًا. وقال: والله ما سبقته إلى خير إلا وجدته قد سبقني إليه.

والمتنافسان كعبدين بين يدي سيدهما يتباريان ويتنافسان في مرضاته ويتسابقان إلى محابه، فسيدهما يعجبه ذلك منهما ويحثهما عليه، وكل منهما يحب الآخر ويحرّضه على مرضاة سيده». (2كتاب «الروح» (ص 533) بتصرف يسير)

ويفرق الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، بين الحسد والمنافسة فيقول:

“والفرق بين المنافسة والحسد: أن المنافسة المبادرة إلى الكمال الذي تشاهده من غيرك، فتنافسه فيه حتى تلحقه أو تجاوزه؛ فهي من شرف النفس وعلوّ الهمة وكبَر القدْر؛ قال تعالى: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ[المطففين: 26].

وأصلها من الشيء النفيس الذي تتعلق به النفوس طلبًا ورغبة، فينافس فيه كل من النفْسين الأخرى، وربما فرحت إذا شاركتها فيه كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنافسون في الخير، ويفرح بعضهم ببعض باشتراكهم فيه، بل يحض بعضهم بعضًا عليه مع تنافسهم فيه؛ وهي نوع من المسابقة، وقد قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148].

وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ[الحديد: 21].

والحسد خُلق نفس ذميمة وضيعة ساقطة ليس فيها حرص على الخير؛ فلعجزها ومهانتها تحسد من يكسب الخير والمحامد، ويفوز بها دونها، وتتمنى أنْ لَوْ فَاتَهُ كسبُها حتى يساويها في العدم؛ كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ[البقرة: 109].

فالحسود عدو النعمة متمنٍّ زوالها عن المحسود كما زالت عنه هو، والمنافس مسابق النعمة متمنٍّ تمامها عليه وعلى من ينافسه؛ فهو ينافس غيره أن يعلو عليه، ويحب لحاقه به أو مجاوزته له في الفضل، والحسود يحب انحطاط غيره حتى يساويه في النقصان، وأكثر النفوس الفاضلة الخيّرة تنتفع بالمنافسة؛ فمن جعل نصب عينيه شخصًا من أهل الفضل والسبق فنافسه انتفع به كثيرًا؛ فإنه يتشبه به ويطلب اللحاق به والتقدم عليه وهذا لا نذمه». (3كتاب «الروح» (ص533-534))

ثانيا: الغيرة

الغيرة بمعناها العام هي الغيرة على دين الله عز وجل ومحارم الله أن تنتهك، ولكننا هنا نريد الغيرة بمفهومها الخاص؛ أَلَا وهي الغيرة على المحارم والأعراض.

فهي خصلة كريمة من خصال المؤمنين، ومن سمات الرجولة والقوامة، والعزة والأصالة، ولا تُفقد إلا عند أهل الخسة واللؤم والذلة والمهانة والدياثة. ولما تعجب الصحابة من غيرة سعد بن عبادة رضي الله عنه قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغْيَر منه، والله أغْيَر مني». (4البخاري في الحدود (6846)، ومسلم في اللعان (1499))

والغيرة المحمودة كغيرها من الأخلاق وسط بين طرفين مذمومين

الطرف الأول: أهل الإفراط والغلو

وهم الذين أفرطوا في غيْرتهم على محارمهم وأعراضهم حتى أوقعهم ذلك في الوساوس والشكوك والخواطر الرديئة فأتعبوا أنفسهم، وأتعبوا محارمهم. ومنشأ هذا الغلو: الإفراط في الظن السيئ، والتجسس والتحسس؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا[الحجرات: 12].

الطرف الثاني: أهل التفريط والإضاعة

وهم الذين فرّطوا في أمانتهم وقوامتهم وغيْرتهم وحميّتهم على أعراضهم ومحارمهم، وضيّعوا أماناتهم ورعيتهم التي استرعاهم الله إياها، ولم يبالوا بما يفعله نساؤهم مما يخدش الحياء، ويعرضهن لسهام المفسدين، ويجريء أهل الشهوات والقلوب المريضة عليهن.

وقد ظهرت في زماننا اليوم صور من ضعف الغيرة على النساء، وتسلط النساء وغلبتهن على أوليائهن، حتى أصبحت المرأة في بعض البيوت لها القوامة على البيت بما فيه من رجال ونساء، وصارت المرأة من زوجة أو بنت أو أخت تذهب إلى السوق وحدها، وتخلو بأصحاب المحلات، وتركب مع السائق وحدها، وتجلس مع الرجال الأجانب من أقاربها أو أقارب الزوج دون حشمة تذكر، كل ذلك يتم أمام ناظرَيْ الزوج أو الأب أو الأخ دون أن يحرّك ذلك عندهم ساكنًا، أو أن تتحرك الغيرة في قلوبهم، نسأل الله عز وجل العافية في الدنيا والآخرة.

الوسط العدل

وهم الذين حفظوا أماناتهم ورعيتهم التي استرعاهم الله إياها من أزواج وأخوات وبنات وموليات، فغاروا عليهن وصانوهن من كل ما يخدش أعراضهن وحياءهن، وبذلوا ما في وسعهم من التربية الصالحة لهن، وأبعدوا عنهن كل ما يفسد عليهن دينهن وأخلاقهن، مع إشعارهن بالثقة وإحسان الظن بهن، وقطع الطريق على الشيطان وكيده ووسوسته التي توقع من استرسل معها في الشك والوساوس الرديئة، فهذا دأب الشيطان مع الإنسان؛ إن لم يفلح معه في التفريط وقلّة الغيرة أتاه من الغلو والإفراط في الغيرة والشك والوساوس الرديئة.

خاتمة

نلحظ في واقعنا خللا اجتماعيا شائعا؛ بدأ في الاستقرار كظاهرة من التساهل في الحفاظ على المحارم، وانقلاب وضع القوامة.

كما نلحظ اضطراب الأخلاق بين من يسلك الطريق فبدلا أن يقصد ربه إذ بنظره يقف على أخيه فيتحاسد، أو آخر ينصرف الى الدنيا؛ بينما نفقد من يتنافس في الخير ويجعل الطريق الى ربه مسلوكا يتنافس فيه أهل الخير وجتهدون.

من الخير الكثير استيعاب تلك الأخلاق وتوازنها والتي أسلفنا بيانها؛ ففيها خير كثير نرجو أن تعقله النفوس، والله تعالى الهادي الى صراط مستقيم.

…………………………..

الهوامش:

  1. البخاري (5025)، ومسلم (815).
  2. كتاب «الروح» (ص 533) بتصرف يسير.
  3. كتاب «الروح» (ص533-534).
  4. البخاري في الحدود (6846)، ومسلم في اللعان (1499).

المصدر:

  • سلسلة وقفات تربوية في ضوء القرآن الكريم، المجلد التاسع، ص186-199.

اقرأ أيضا:

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد