”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

الصفوة في قلب الجماهير

الحركة الإسلامية لا تنعزل عن الجماهير، برغبتها أو استجابة لمكر عدوها، بل هي طليعة لتخوض الأمة معركتها. وأفكارها ليست حكرا عليها بل هي ملك للأمة لتبصر الطريق.

مقدمة

هكذا بدأ الإسلام (غريباً) عن البيئة والموروثات بكل أبعادها.. وأزال الله هذه الغربة بإيمان الأفراد ثم بحركة الأمة.

واليوم .. يعيش الإسلام غربته الثانية التي أخبر عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبي للغرباء». (1أخرجه مسلم)

“وكما بدأ الإسلام بالتوحيد الخالص في وجه جاهلية الشرك الشاملة، عاد في غربته الثانية يواجه جاهلية الشرك الشاملة.. وكما بدأ أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم الجولة الأولي لهذا الدين، حمل الغرباء السعداء بدعاء رسول الله صلي الله عليه وسلم لهم بالحسنى ـ حملوا راية الإسلام ليبدأو الجولة الثانية لهذا الدين، وليُخرجوا من شاء الله من عبادة العباد إلي عبادة الله وحده” (2مستفاد من كتاب: مقومات التصور الإسلامي ـ سيد قطب)

ولا يمكن أن ينكر من له ذرة من الإنصاف:

“أن الحركة الإسلامية الحديثة علي الرغم من العقبات والمحاربة والاضطهاد استطاعت أن تنقل العالم الإسلامي من حالة السكون والتأخر والمرض، إلي حالة من الوعي ومعرفة الأمراض ورصد مؤامرات الأعداء، وإثبات أن الإسلام هو دستور الكون ونظام الحياة..

كما استطاعت أن تحوّل الإسلام ومذهبيته الكونية الاجتماعية بتفاصيلها إلي سلوك عملّي تجسّد في أجيال شابة مثقفة في مختلف المستويات والشرائح الاجتماعية، حملَت الإسلام بصدق وإخلاص، ورجعت إلي الله تعالي وآمنت بنبوّة رسوله صلي الله عليه وسلم حقيقة، وارتضت الجهاد الشامل في مضامير الحياة كلها، من أجل استئناف الحياة الإسلامية وبناء حضارتها الربانية”. (3المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري ـ د. محسن عبد المجيد ص 105)

وفي كل مكان في الأرض التي حكمها الإسلام ذات يوم حركات بعث إسلامي، يدعون إلى الإسلام، وشباب يتطلعون إلى اليوم الذي يجدون فيه الإسلام مطبقاً بالفعل، واليوم الذي يعود فيه المسلمون إلى الاستخلاف والتمكين في الأرض في صورتهم الإسلامية الحقيقية المتميزة، تحقيقاً لوعد الله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[النور:55] (4واقعنا المعاصر ـ محمد قطب ص 11، 12)

امتداد الجذور

ولا شك أن أخوف ما يخافه خصوم الإسلام، أن تمتد للحركة الإسلامية جذور في أوساط (الأمة)،  وأن ينشأ لها في (قواعدها) تأييد أو تعاطف، ولذلك فقد كانت خططهم دائماً تهدف إلي محاولة فصل الحركة الإسلامية عن جماهير الأمة، فإذا استجابت الحركة الإسلامية لهذه (الخُدْعة)، وصنعت هوّة بينها وبين جماهير الأمة تحت أيه دعوى، فقد انفصلت عن أرضها وقاعدتها، وبدأت طريق الانتحار العاجل أو الآجل..!!

إن الحركة الإسلامية “الطليعة” تعيش في قلب جماهير الأمة، وتعمل على هدايتهم، وتحاول إصلاحهم؛ وهي في ذات الوقت لا تمالئهم ولا تذوب في شهواتهم؛ فهي تدرك:

“أن من يعتزل الناس لأنه يحسّ أنه أطهر منهم روحاً، أو أطيب منهم قلباً، أو أرحب منهم نفساً، أو أذكى منهم عقلاً.. لا يكون قد صنع شيئاً كبيراً؛ لقد اختار لنفسه أيسر السبل وأقلها مؤونة.. بل العظمة الحقيقية أن يخالط هؤلاء الناس وهو مشبع بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم ورفعهم إلى مستواه بقدر ما يستطيع.

وليس معنى هذا أن يتخلى المسلم عن آفاقه العليا ومُثله السامية، أو أن يتملق هؤلاء الناس ويثني على رذائلهم، أو أن يُشعرهم أنه أعلى منهم أفقاً، بل لا بد من التوفيق بين هذه المتناقضات وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد”. (5أفراح الروح ـ سيد قطب بتصرف)

إن الداعية الإسلامي رجل يحب الناس، ويحبه الناس، فلا فجوة بينه وبينهم. وهو في حركته روح تسري في قلب الأمة فتحييها بالقرآن.. فليس هو الممسك بالعصا ليملي إرادته على المجتمع والأمة، وليس هو الذي يُكْرِه أحداً على أي شئ؛ بل هو يسعى من أجل تحرير جماهير الأمة من الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والاقتصادي الذي تمارسه الأنظمة العلمانية المتغربة والغريبة عن الأمة وعن دينها.

إن الحركة الإسلامية تعمل علي إزالة كل أشكال التسلط والاستبداد التي يعبد الناس فيها العباد من دون الله، ليكون ذلك إعلاناً لتحريرهم من سلطان البشر ودخولهم في سلطان الله، وعبودية الله.

ولاشك أن الحركة الإسلامية لا تستطيع الوصول إلي هذه الأهداف طالما هي حركة معزولة عن جسم الأمة، بل لا بد أن تكون (الأمة) هي التي تجاهد في سبيل هذه الأهداف، وهي التي تواجه أعداء الإسلام.

الأمة في قلب المعركة

“فالمعركة ليست معركة هذه الجماعة ولا تلك، إنما هي معركة الأمة الإسلامية جميعاً مع أعدائها جميعاً؛ فالخصومة قائمة أصلاً بين أعداء الله وبين الإسلام.

ومقتضى ذلك أن تعلم الحركة الإسلامية أن النصر لا يتم والمعركة قائمة بين الأعداء وبين جماعات منعزلة هنا وهنالك، تستفرد بها الوحوش الضارية وتغتالها على تمكن ولكنه يتم ـ بتوفيق الله ـ حين تصبح المعركة هي معركة (الأمة الإسلامية)”. (6مفاهيم ينبغي أن تصحح ـ محمد قطب ص 365)

فالعمل الإسلامي جهاد (أمة) وليس جهاد (حزب) أو (جماعة) أو (تنظيم)، ومن ثم فإنه من الضروريّ أن تقوم الحركة الإسلامية بـ (تجنيد) الأمة بمختلف طوائفها لتقود بها معركة ضارية في مواجهة العلمانية .

ولكي تصل الحركة الإسلامية إلي تجنيد الأمة لا بد لها أن تقوم بترتيب أولويات العمل الإسلامي،  ومراعاة هذا الترتيب في دعوة الناس، وفي تنظيم مراحل الهدم للواقع الفاسد، والبناء للواقع الإسلامي الصالح، ولا بد أن يَظهر ذلك في كل ما تتبناه الحركة من أفكار، ومنهاج للتربية،  وأسلوب للحركة.

فأمّا (الأفكار) التي تنشرها الحركة الإسلامية فلا بد أن تكون مِلكاً للأمة، وليست حكراً على النخبة أو الصفوة، ولا بد أن تكون باللغة التي تفهمها الجماهير، وفي ذات الوقت فإنه من الضروريّ أن تكون أفكار الحركة الإسلامية أفكاراً ريادية تحل مشكلات الواقع، وترسم خطة المستقبل الأفضل.. فإذا كانت كذلك فإنها تتحول ـ بإذن الله ـ إلي تيار جماهيري كاسح يُغَيّر بجهاده المستمر العنيف أسس الجاهلية الفكرية والخُلقية والثقافة السائدة في الحياة الاجتماعية، ويأتي بنيانها من القواعد.

وأمّا (منهاج التربية) في الحركة الإسلامية فإنه يقوم أساساً على تربية الأفراد على روح الائتلاف مع الأمة، والارتباط بجذورها الشعبية، وعدم العزلة عنها أو مفارقة طوائفها؛ بل مخالطة الناس والصبر علي أذاهم لأن ذلك أرضى لله، وأنفع لعباده من الاعتزال والفرار من الميدان.

ولا شك أن هذا المنهاج التربوي سيكون له الأثر الأكبر في إخراج دعاة إلي الحق لا يفرّقون بين أي فرد في الأمة، وإنما يأخذون الجميع إلى مرضاة الله عز وجل، دعاة إلي الله لا يحصرون أنفسهم بين الجدران، بل يتغلغلون في الأمة، ويتّصلون بأفرادها اتصالاً مباشراً، يبسّطون لهم فيها قضية الإسلام، ويدرأون عن دعوتهم ما ألحقه بها الطواغيت المبطلون.. فيكون لذلك أثرٌ قويٌ في تفتييت خصوم الإسلام، وكسب المؤيدين والأنصار من الأمة.. تلك الأمة التي لم تفقد ايجابيتها في مواجهة العلمانية، وما زالت تتشوق للفترة التي تحكّم فيها الإسلام.

تبني قضايا الأمة وخطأ العزلة

وأمّا (أسلوب التحرك) الذي تسير وِفْقَه الحركةُ الإسلامية، فهو إقامة شبكة متكاملة من العلاقات والروابط، ومدّ جذور التواصل مع مختلف طبقات الأمة بحيث تصبح العلاقات بين (صفوة) الحركة الإسلامية و(جماهير) الأمة، هي علاقة إيجابية تقوم على الحب المتبادل، وتكامل الطاقات لصالح الإسلام.

ولاشك أن هذا يتطلب من العاملين للإسلام:

“امتلاك القدرة على فقه التعامل مع المجتمعات والانفتاح أكثر، وفتح منافذ جديدة للدعوة، وامتلاك قدر أكبر من المرونة مع الإبصار الكامل والدقيق والأمين للأهداف والتقدير للإمكانيات، والخروج من العزلة التي كادت تحيط بهم لتجعل منهم جسماً غريباً منفصلاً عن جسم الأمة، وتجعل لهم أهدافاً منفصلة أيضاً عن أهداف الأمة، الأمر الذي يسهّل على أعداء الإسلام ضربهم، ومن ثم القضاء عليهم تحت شتى العناوين والشعارات..

إن فقه التعامل مع المجتمعات الذي نرمي إليه لا يعني أبداً التعاون معها على ما هي فيه من قيم وتشريعات بعيدة عن الإسلام، كما لا يعني أبداً أن يكون دعاة الإسلام دماً جديدة في قوة الباطل، أو أن يُوَظف الإسلاميون لغير الأهداف الإسلامية، وإنما يعني النزول إلي الساحة وفهْم واقع الناس حتى يجئ الأخذ بيدهم ثمرة لهذا الفهم، ذلك أن الناس هم محل الدعوة، وأنهم خليقون بالشفقة والإنقاذ”. (7نظرات في مسيرة العمل الإسلامي)

كما هم حين يُجَنّدون في معسكر الإسلام، وينحازون إلي صف الحركة الإسلامية؛ لا يمكن أن تقهقرهم قوة في الأرض لأن انتصارهم حينئذ يتم بسنة جارية. وسُنة الله لا تتخلف حين توجد شروطها التي بيّنها الله: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[محمد:7].

“إن استعلاء الإيمان الذي أراده لنا الإسلام بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[آل عمران:139] لا يعني بحال من الأحوال “الكِبر” و”الاستكبار” و”الترفّع” عن الناس و”الهروب” من الساحة، وإنما يعني “التواضع” و”لين الجانب” و”المرونة” و”الابتعاد عن الفظاظة والغلو” الذي يعين الشيطان على إبعاد الناس عن الإسلام ويؤدي إلى المساهمة السلبية في التنكر لهذا الدين وأتْباعه.

إن المطلوب هو فقه التعامل مع المجتمع لإنقاذه، وليس التعاون معه على الباطل، أو النكوص عن الدعوة والهروب من الساحة، والحكم على الناس غيابياً”. (8نظرات في مسيرة العمل الإسلامي)

خاتمة

إن الحركة الإسلامية الطليعية تحصر دائرة صراعها مع “الأنظمة العلمانية” التي تجتال الناس عن دينهم، وتحمل الأمة على التحاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله .

ولا تنقل الحركة الإسلامية الطليعية صراعها ومعركتها إلى “الأمة” التي يقع عليها الكثير من المظالم مثل ما يقع على الحركة الإسلامية، والتي تتطلع كما تتطلع الحركة الإسلامية لليوم الذي تُحْكَم فيه بالإسلام، وبشريعة العدل الرباني  .

إن الحركة الإسلامية التي تنفذ إلى أعماق الأمة تمتلك السلاح الأقوى في الصراع بين الإسلام والعلمانية، لأنها تمتلك قلوب الجماهير، بأخلاقها الحسنة وأفعالها الطيبة، وليس برؤوس الحراب أو طريق الإرهاب..

أمّا الأنظمة العلمانية فإنها تحكم الأمة بنظُم عسكرية قهرية، بل وعُصْبَوية..!! ولذلك فهي معزولة عن الأمة، ومرفوضة من الجماهير.

…………………………………..

الهوامش:

  1. أخرجه مسلم.
  2. مستفاد من كتاب: مقومات التصور الإسلامي ـ سيد قطب.
  3. المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري ـ د. محسن عبد المجيد ص 105.
  4. واقعنا المعاصر ـ محمد قطب ص 11، 12.
  5. أفراح الروح ـ سيد قطب بتصرف.
  6. مفاهيم ينبغي أن تصحح ـ محمد قطب ص 365.
  7. نظرات في مسيرة العمل الإسلامي.
  8. نظرات في مسيرة العمل الإسلامي.

المصدر:

  • كتاب “الأمة الإسلامية من الريادة الى التبعية” الدكتور محمد محمد بدري.    

اقرأ أيضا:

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد