فقه التزكية وأعمال القلوب مبادئ التمكين

جهاد النفس في الصبر على الدعوة وبيان الحق وأذى الخلق

زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

التربية على الصبر، وتوطين النفس عليه يحتاجان إلى جهد ومشقة وأخذ بالأسباب المعينة عليه·

توطين النفس على الصبر والتحلي به للاستعداد للجهاد

وهذه المرتبة من جهاد النفس لا يستغني عنها المسلم في جميع مراتبه السابقة، وفي عمره كله· وبدون الصبر أو بضعفه لا يستطيع العبد أن يجاهد نفسه على تعلم الشريعة والتبصر في الدين، كما أنه يعجز عن العمل بما تعلمه، فضلاً عن أن يدعو إلى هذا الهدى ويبينه للناس، ويتحمل ما يلاقيه في سبيل ذلك· وإذا كان لا غنى عن الصبر لكل مسلم، فإنه في حق المجاهدين والذين يعدون أنفسهم للجهاد أشد وآكد؛ وذلك لبعد الشقة وطولها·

إذن فالصبر خلق عظيم رفيع الشأن لا بد من التزود به في أداء الطاعات واجتناب المحرمات، وفي مواجهة المصائب والمكروهات وفي مقاتلة الأعداء قال تعالى عن المتقين: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) [البقرة: من الآية177].

والحديث عن الصبر وأنواعه ومراتبه وفضله لا يتسع له المقام ، وليس هو غرضنا في هذه الدراسة· وإنما مقصودنا هو الإشارة إلى ضرورة توطين النفس على الصبر والتحلي به للاستعداد للجهاد في سبيل الله تعالى لأنه الزاد، وهو من أسباب النصر على الأعداء؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال:45 – 46] ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران:200] .

الصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة

وما أحسن ما علق به سيد قطب رحمه الله تعالى على هذه الآية إذ يقول: (والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة. إنه طريق طويل شاق، حافل بالعقبات والأشواك، مفروش بالدماء والأشلاء، وبالإيذاء والابتلاء .. الصبر على أشياء كثيرة:

الصبر على شهوات النفس ورغائبها، وأطماعها ومطامحها، وضعفها ونقصها، وعجلتها وملالها من قريب!

والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصورهم، وانحراف طباعهم، وأثرتهم، وغرورهم، والتوائهم، واستعجالهم للثمار! والصبر على تنفج الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشر، وغلبة الشهوة، وتصعير الغرور والخيلاء!

والصبر على قلة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق، ووساوس الشيطان في ساعات الكرب والضيق!

والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله، وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة. من الألم والغيظ، والحنق، والضيق، وضعف الثقة أحيانا في الخير، وقلة الرجاء أحيانا في الفطرة البشرية والملل والسأم واليأس أحيانا والقنوط!

والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة، واستقبال الرخاء في تواضع وشكر، وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام، وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء!

والبقاء في السراء والضراء على صلة بالله، واستسلام لقدره، ورد الأمر إليه كله في طمأنينة وثقة وخشوع..

والصبر على هذا كله – وعلى مثله – مما يصادف السالك في هذا الطريق الطويل .. لا تصوره حقيقة الكلمات.

فالكلمات لا تنقل المدلول الحقيقي لهذه المعاناة. إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقات الطريق وتذوقها انفعالات وتجارب ومرارات!

والذين آمنوا كانوا قد ذاقوا جوانب كثيرة من ذلك المدلول الحقيقي. فكانوا أعرف بمذاق هذا النداء. كانوا يعرفون معنى الصبر الذي يطلب الله إليهم أن يزاولوه ..

والمصابرة .. وهي مفاعلة من الصبر .. مصابرة هذه المشاعر كلها، ومصابرة الأعداء الذين يحاولون جاهدين أن يفلوا من صبر المؤمنين .. مصابرتها ومصابرتهم، فلا ينفد صبر المؤمنين على طول المجاهدة.

بل يظلون أصبر من أعدائهم وأقوى: أعدائهم من كوامن الصدور، وأعدائهم من شرار الناس سواء.

فكأنما هو رهان وسباق بينهم وبين أعدائهم، يدعون فيه إلى مقابلة الصبر بالصبر، والدفع بالدفع، والجهد بالجهد، والإصرار بالإصرار .. ثم تكون لهم عاقبة الشوط بأن يكونوا أثبت وأصبر من الأعداء. وإذا كان الباطل يصر ويصبر ويمضي في الطريق، فما أجدر الحق أن يكون أشد إصرارا وأعظم صبرا على المضي في الطريق! والمرابطة .. الإقامة في مواقع الجهاد، وفي الثغور المعرضة لهجوم الأعداء .. وقد كانت الجماعة المسلمة لا تغفل عيونها أبدا، ولا تستسلم للرقاد! فما هادنها أعداؤها قط، منذ أن نوديت لحمل أعباء الدعوة، والتعرض بها للناس. وما يهادنها أعداؤها قط في أي زمان أو في أي مكان وما تستغني عن المرابطة للجهاد، حيثما كانت إلى آخر الزمان!)1(1) “في ظلال القرآن” : (1/551-552)..

من المواطن التي يحتاج الداعية والمجاهد أن يوطن نفسه فيها على الصبر

والمواطن التي يحتاج الداعية والمجاهد أن يوطن نفسه فيها على الصبر كثيرة منها ما ذكره سيد قطب في النقل السابق، ومنها ما لم يذكره، ومن أهمها:

الصبر على شهوات النفس ورغباتها وميلها إلى الراحة والترف والدعة·

الصبر على ضعف النفس ونقصها وسرعة ملالها·

الصبر على ضغوط الواقع وأذى الأعداء؛ فلا يتغلب اليأس ولا القنوط·

الصبر على طول الطريق وشدة الابتلاء؛ فلا يدفع إلى العجلة والمواجهة قبل أوانها·

الصبر على الناس وشهواتهم وجهلهم وسوء تصوراتهم، وانحراف طبائعهم، وإعراضهم عن الحق·

الصبر على إخوان الدعوة والجهاد، وما يطرأ عليهم من ضعف أو ما يصدر منهم من بعض الأذى والأخطاء؛ فلا يؤدي ذلك إلى الفرقة والتنازع·

الصبر على انتفاش الشر وانتفاخ الباطل، ووقاحة الطغيان، وقلة الناصر، وضعف أتباع الحق وقلة حالهم، وطول الطريق ووساوس الشيطان في ساعات الكرب·

الصبر على ضبط النفس في ساعات القدرة والانتصار والغلبة، واستقبال ذلك بالتواضع والشكر لله عز وجل، وبدون خيلاء أو تجاوز في القصاص الحق إلى الاعتداء·

الصبر على البقاء في صلة مستمرة مع الله عز وجل في السراء والضراء، والاستعانة به وحده، ورد الأمر إليه كله في طمأنينة وثقة·

الصبر على مفارقة الأهل والأولاد والأوطان للدعوة والجهاد·

الصبر على تخذيل المخذلين وإرجاف المرجفين، وشبهات المشبهين·

الصبر في ساحات الوغى على قتال الكافرين، والمصابرة والمرابطة في ذلك·

كثرة الذكر والعبادة من الأسباب المعينة على الصبر

والتربية على الصبر، وتوطين النفس عليه يحتاجان إلى جهد ومشقة وأخذ بالأسباب المعينة عليه· ومن أعظم الأسباب تقوية الصلة بالله عز وجل وكثرة ذكره وتسبيحه وكثرة العبادة· وهذا واضح من توجيه الله عز وجل لنبيه – صلى الله عليه وسلم – في كتابه الكريم؛ حيث يغلب على الآيات التي يأمر فيها الله عز وجل نبيه – صلى الله عليه وسلم – بالصبر أن تكون مقرونة بالأمر بالتسبيح والصلاة والاستغفار؛ قال الله عز وجل (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) [طه:130] ، وقال سبحانه: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر:97 – 99] ، وقال عز وجل (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً) [الإنسان:24 – 26] ، وقال تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) [الطور:49] ، وقال عز وجل (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) [قّ:39 – 40] ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة:153] .والآيات في هذا المعنى كثيرة·

الثبات على الصبر  وشروطه الثلاثة

كما أن مما يعين على الثبات والصبر وعدم النكول والضعف ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في منزلة الصبر عن أنواع الصبر، وأن هناك شروطًا ثلاثة إذا حققها العبد في صبره حصل له الثبات، وإن تخلف واحد منها أو أكثر ضعف صبره وخذل· وملخص هذه الشروط ما يلي:

1- أن يكون الصبر بالله تعالى؛ وذلك بالتبرؤ من الحول والقوة والاعتراف بالضعف والهلكة لو وكل العبد إلى نفسه. وهذا ينبه على ضرورة الاستعانة بالله عز وجل وسؤاله الصبر والثبات؛ لأنه سبحانه هو المصبر والمثبت ولولاه لم يصبر الصابرون ولم يثبت المجاهدون.

2- أن يكون الصبر لله تعالى؛ بأن يكون الباعث على الصبر محبة الله عز وجل وإرادة وجهه، والتقرب إليه ورجاء ثوابه، لا لإظهار الشجاعة وقوة النفس والاستحماد إلى الخلق وغير ذلك من الأغراض.

3- أن يكون الأمر المصبور عليه مرضيا لله تعالى ودائرا مع مراده الديني وأحكامه الدينية صابرا نفسه معها سائرا يسيرها، يتوجه معها أين توجهت ركابها، وينزل معها أين استقلت مضاربها2(2) “مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين”: (2/ 157) ..

ونظراً لأهمية هذه الشروط في تحقيق الصبر وكماله كان لزامًا على من يعدون أنفسهم للدعوة والجهاد في سبيل الله عز وجل أن يعتنوا بهذه الأمور، ويبذلوا الأسباب العلمية والعملية في تقويتها في النفس، وأن يتواصوا بها؛ فما خذل عبد في موقف وضعف صبره فيه إلا بتخلف واحد أو أكثر من هذه الشروط·

الهوامش

(1) “في ظلال القرآن” : (1/551-552).

(2) “مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين”: (2/ 157) .

اقرأ أيضا

مجاهدة النفس لتعلم الهدى ودين الحق

مجاهدة النفس على الدعوة إلى الهدى وتعليمه للناس

مجاهدة النفس على العمل: (المحبة والإخلاص)

مجاهدة النفس على العمل (الزهد والتوكل)

 

4 1 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية