فتنة الشبهات: خطرها والتحذير منها

زمن القراءة ~ 10 دقيقة 

الشبهات من أشد الأشياء على القلوب وأثقلها، حتى تكاد الشبهة أن تكون جبلا، وأنى للقلب الرقيق تحمله.

تعريف الشبهة

قال في «اللسان»: الشبهة: (الالتباس، والمشتبهات من الأمور: المشكلات، وشبه عليه: خلط عليه الأمر حتى اختلط بغيره)1(1) لسان العرب ( 13/503 ) ..

وعرفها الجرجاني في «التعريفات» بأنه: (هو ما لم يتيقن كونه حراما أو حلالآ)2(2) «التعريفات» (باب الشين) (1/165)..

ولعل هذا التعريف أخذ من قوله صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة»3 (3) البخاري (52) (1946)، مسلم (1599)..

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (وإنها سميت الشبهة شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها)4(4) مفتاح دار السعادة (1/140) ، ط دار الكتب العلمية..

وقال أيضا: «الشبهة وارد يرد على القلب يحول بينه وبين انکشاف الحق له»5 (5) المصدر نفسه (1/104)..

التحذير من سماع الشبهات وتتبعها أو الجلوس مع الخائضين فيها

وقد حذرنا الله عز وجل، وحذرنا رسوله صلى الله عليه وسلم والسلف من بعده من سماع الشبهات وتتبعها أو الجلوس مع الخائضين فيها. وهذا من باب اتخاذ الوسائل الواقية من الوقوع في الشبهات، قال الله عز وجل في وصف أهل الزيغ المتبعين للشبهات، ووصف أهل العلم والإيمان الرافضين لها: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ *رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران:7-8]. وحذرنا -سبحانه- من مجالس أهل الزيغ الخائضين في آيات الله عز وجل بقوله: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأنعام:68]، وهذا النهي يشمل القعود معهم مباشرة ومشافهة، أو القراءة في كتبهم، أو سماع مناظراتهم في أجهزة الإعلام، أو الدخول على مواقعهم، فالعلة في النهي واحدة في الجميع.

التحذير  من اتباع المتشابهات والمناظرة فيها

کما حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من اتباع المتشابهات والمناظرة فيها، وذلك في الأثر الذي رواه اللالكائي في «أصول أهل السنة» بسنده عن عمرو ابن شعيب عن أبيه، عن جده: أن نفرا كانوا جلوسا بباب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ قال: فسمعهم رسول الله فخرج فكأنما فقيء في وجهه حب الرمان، فقال: «بهذا أمرتم أو بهذا بعثتم أن تضربوا القرآن بعضه ببعض؟ إنما هلكت الأمم قبلكم في مثل هذا، فانظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، وانظروا الذي نهيتم عنه فانتهوا عنه»6(6) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (1/129)  وسنده حسن..

فهذا نبي الله صلى الله عليه وسلم غضب غضبا شديدا عندما رأى بعض الصحابة يتجادلون في القرآن، وأمرهم بالكف وذلك لرحمته بهم وبأمته، وخوفه عليهم، مما قد يكون سببا في زيغهم وضلالهم.

تحذير السلف من أهل البدع والسماع لهم

وأما ما جاء عن السلف من التنفير من أهل البدع والنهي عن مجالستهم والسماع منهم، فالروايات في ذلك كثيرة ومن أشهرها:

موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من صبيغ بن عسل فقد روی اللالكائي بسنده قال: أخبرنا أحمد بن علي بن العلاء قال: حثنا أبو الأشعث قال: حدثنا حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن رجلا من بني تميم يقال له: صبيغ بن عسل قدم المدينة وكانت عنده كتب، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فبلغ ذلك عمر فبعث إليه وقد أعد له عراجين النخل، فلما دخل عليه جلس قال: من أنت؟ قال: أنا عبدالله صبيغ، قال عمر: وأنا عبدالله عمر، وأومأ عليه فجعل يضربه بتلك العراجين، فما زال يضربه حتى شجه، وجعل الدم يسيل عن وجهه، قال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب الذي أجد في رأسي)7(7) رواه اللالكائي في «شرح أصول السنة» (4/703) ، والدارمي في سننه (146)..

فهذا فعل عمر رضي الله عنه مع الخائضين في الباطل المتبعين للشبهات حيث لم يمكنهم من قول الباطل بحجة النقاش الحر وحرية الرأي والتفكير .

وقد ضربه عمر رضي الله عنه ؛ لأنه سأله عن المتشابه ابتغاء الفتنة، وليس سؤال استرشاد.

وكان الحسن يقول: (لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم)8(8) المصدر نفسه..

وكان ابن طاوس جالسا فجاء رجل من المعتزلة قال: فجعل يتكلم فأدخل ابن طاوس أصبعيه في أذنيه. قال: وقال لابنه: أي بني! أدخل أصبعيك في أذنيك واشدد، لا تسمع من كلامه شيئا. قال معمر: يعني أن القلب ضعيف9 (9) المصدر نفسه ..

ومثل هذه المواقف كثيرة، فكيف ممن جعل سمعه وبصره وقفا على سماع المناظرات الفكرية المنحرفة في وسائل الإعلام المختلفة، وكيف بمن جل وقته تتبع مواقع أهل الشبهات والزيغ وطروحاتهم ومناظراتهم في القنوات، ومواقع الإنترنت؟!

الشبهات تلبس ثوب الحق على جسم الباطل

ومن خطورة الشبهات أن أصحابها يعرضونها في ثوب مزخرف يصبغونه بصبغة شرعية قد تنطلي على الجهلة من المسلمين، وفي حقيقته خداع وتتبع للمتشابه من الأدلة وإعراضهم عن المحكم منها، وهذا شأن أهل الأهواء والبدع، وهو من أبرز سماتهم في الاستدلال، حيث يقفون عند المتشابه ولا يردونه إلى المحكم ليتبين وجه الحق من الباطل فيه، وصدق الله العظيم: ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) الآية [آل عمران:7].

وما أحسن ما سطرته يد ابن القيم رحمه الله وهو يحذر من الشبهات وأهلها، وما يقومون به من خداع وتلبيس في نشرها، يقول: (والقلب يتوارده جيشان من الباطل: جیش شهوات الغي وجيش شبهات الباطل فأيما قلب صغا إليها، وركن إليها تشربها وامتلأ بها، فينضح لسانه وجوارحه بموجبها، فإن أشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والإيرادات، فيظن الجاهل أن ذلك لسعة علمه، وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه، وقال لي شيخ الإسلام رحمه الله وقد جعلت أورد عليه إيرادا بعد إيراد: (لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها، فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمرعليها صار مقرا للشبهات، أو کما قال)، فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك. وإنما سميت الشبهة شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها، فإنها تلبس ثوب الحق على جسم الباطل، وأكثر الناس أصحاب حسن ظاهر فينظر الناظر فيما ألبسته من اللباس فيعتقد صحتها، وأما صاحب العلم واليقين فإنه لا يغتر بذلك، بل يجاوز نظره إلى باطنها، وما تحت لباسها فينكشف له حقيقتها، ومثال هذا الدرهم الزائف، فإنه يغتر به الجاهل بالنقد نظرا إلى ما عليه من لباس الفضة، والناقد البصير يجاوز نظره إلى ما وراء ذلك، فيطلع على زيفه، فاللفظ الحسن الفصيح هو للشبهة بمنزلة اللباس من الفضة على الدرهم الزائف، والمعنى كالنحاس الذي تحته، وكم قد قتل هذا الاعتذار من خلق لا يحصيهم إلا الله، وإذا تأمل العاقل الفطن هذا القدر وتدبره رأى أكثر الناس يقبل المذهب والمقالة بلفظ، ويردها بعينها بلفظ آخر)10(10) مفتاح دار السعادة (1/41) ، دار الكتب العلمية ..

لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة

ويعلق الشيخ عبدالرحمن المحمود -حفظه الله تعالى – على وصية شيخ الإسلام ابن تيمية لتلميذه ابن القيم التي جاء فيها: «لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة» فيقول:

(والشبهات من أشد الأشياء على القلوب وأثقلها، حتى تكاد الشبهة أن تكون جبلا، وأنى للقلب الرقيق تحمله. والمؤمن المستبصر يدرك مدى خطورة الأمر، خاصة إذا علم أنه لا أحد بمأمن من ذلك، مهما علا شأنه في العلم أو العبادة والطاعة، أو في المجاهدة والدعوة، أو فيها جميعا.

والمتتبع لواقع المسلمين المعاصر، وخاصة طلاب العلم ورجال الدعوة وشباب الصحوة منهم، يری کیف تسللت شبه كثيرة إلى بعض القلوب.

أوجه الشبه بين الإسفنجة وبين القلوب

فما وجه تشبيه هذا النوع من القلوب بالإسفنجة؟

1- يلاحظ الشبه بينهما من ناحية التكوين؛ فكل منهما رقيق لين، ليس في داخله صلابة من عظام ونحوها.

2- أن الإسفنجة معروفة بطبعها؛ فهي تمتص كل سائل؛ فإن أدخلتها طيبا: من ماء عذب أو لبن أو شراب، فإنها تمتصه، كما أنك إن أدخلتها في ماء عفن، أو بول أو نجس: كخمر ونحوه، فإنها تمتصه أيضا.

3- أن الإسفنجة إذا امتصت السائل، فلابد أن تنضح بما فيها؛ حيث يخرج منها القطرات، بل أكثر من ذلك إذا ضغط عليها ولو بقليل من القوة.

وقلما تحتفظ بما فيها حتى ينشف، ولو نشفت فما أقبح ما فيها؛ إن كان ما امتصته من المجاري وأشباهها!

4- أن الإسفنجة متى ما اعتادت امتصاص العفن، تحولت هي إلى عفن؛ فلا ينفع معها تنظيف ولا غسل.

وكذلك القلوب فهي:

أولا: رقيقة لأنها موطن الإرادة والحب والبغض والمحبة والكره، وهي موطن أعمال القلوب من خوف ورجاء وإنابة وإخلاص، وصدق، وتوبة، وتوحيد، وتوكل وغيرها؛ ولذا فهي تابعة لمن خضعت له:

فإن انقادت لمولاها وسيدها ومالكها بتوحيده والتوكل عليه، وحده لا شريك له وبمحبته ورجائه، وخوفه وسائر أعمال القلوب، فقد اتصفت بصفتين عظيمتين:

إحداهما: كمال الافتقار لمولاها.

والأخرى: كمال القوة في الحق، والنفور من الباطل، (شبهات وشهوات).

ثانيا: هي (أي: القلوب) بحسب ما تحمل وتربى عليه؛ فإن حملت  على حب الحق والاستجابة له والنفور من الباطل والنكارة له، ځفظت بعون من الله وتوفيقه من فتن الشهوات والشبهات.

أما إن ترکت مرتعا لكل عارض مما يعرض لها، تتقبله من غير تمييز، فإنها تكون عرضة للخطرات والوساوس التي يلقيها شياطين الإنس والجن؛ فتصبح مرتعا للشبهات فتصير كالسفنجة التي حذر منها شيخ الإسلام؛ تمتص الشبهات وبها تنضح، وتصبح مريضة بذلك.

الظاهرة الإسفنجية في واقعنا المعاصر

1- بروز هذه الظاهرة الإسفنجية لدى بعض طلاب العلم والشباب المستقيم ونحوهم ممن لهم اهتمامات بالعلم الشرعي، أو بالقراءة بمعناها العام الشامل لما يشاهد أو يسمع أو يقرأ، أو بحب سماع الحوارات التي تدور بين الأطياف المختلفة في عقائدها، أو في مشاربها أو في مناهجها؛ فتجد بعض هؤلاء – هدانا الله وإياهم وثبتنا على الحق جميعا- يتشرب شبهات أهل الباطل، فتستقر في نفسه وإذا علمنا أن للشبهات بريقا ولمعانا محرقا، خاصة إن عرضت بأسلوب ماكر تصحبه سخرية وهزء بأهل الحق المتمسكين به ؛ عندها يتبين مدى أثر هذه الشبهات على القلوب الإسفنجية الضعيفة؛ حيث تتحول القلوب إلى نوع من القلق، وشيء من الحيرة والشك؛ حيث يتصارع في قلبه ثقته بمنهجه وعقيدته الصافية، وقوة الشبهة وشدة جذبها وقوة حرقها.

وفي هذه الحالة المرضية العارضة المقلقة يكون للقلب أحد مسارين:

أ- مسار يؤوب فيه القلب إلى سكينة الإيمان وبرد اليقين، والتسليم لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.

ب- مسار لا يوفق فيه لتسليم ولا لمزيد طاعة، ولا لمعالجة صحيحة لهذا العارض؛ فهذا قد تشتد عنده حالة الشك والقلق، ويبقى حبيس نفسه وهواه وهواجسه ووساوسه، فينتج عن ذلك مرضان – رسوخ الشبهة أو الشبهات: لأن القلب تشربها واختلطت به ، كالإسفنجة التي امتصت الماء العفن.

– نقل الشبهة إلى غيره: حيث تجده ينشرها بين أصحابه، ويعرضها في كل مناسبة، ويكرر عرضها؛ وكأنه لم يبق معه من القول والهم في دينه ودنياه إلا ما أشرب قلبه من ذلك؛ فهو لا يكتفي بمرض قلبه، وإنما ينقل عدواه إلى الآخرين السالمين الأصحاء.

والطامة الكبرى تكون حين يخص بهذه البوائق أحبابه وأصحابه المقربين منه أو طلابه المتأثرين به؛ فما أعظمها من مصيبة وقعت على الطرفين!

وهذا معنی تشبيه القلب بالإسفنجة؛ لأنها إذا امتصت العفن صارت تنضح و تقطر بما فيها من ذلك، كما هو مشاهد، وكذا القلب الشبيه بذلك.

كيفية الخروج من الحالة الإسفنجية

إن العلاج والوقاية من ذلك تكون بأمور منها:

 أولا: العبادة والطاعة والتضرع بين يدي الله وسؤاله الثبات والهداية إلى الحق وهذا أمر قد لا ينتبه له المشغولون بالقراءة والثقافة والفكر وسعة الاطلاع؛ حيث يظنون أن سعة العلم كافية وأن كثرة القراءة وحدها منجية للإنسان في حياته من الزيغ والانحراف، حتى إنهم يستعيضون بها عن الدعاء والعبادة وأفعال القرب؛ فقد يؤخر أحدهم الصلاة أو يتأخر عن صلاة الجماعة أو بعضها؛ لانشغاله بالقراءة، وقد يرى التسبيح والأذكار مشغلة عما هو أهم (وهو القراءة).

والنصيحة بالعبادة عند ورود الفتن؛ حيث تضطرب القلوب، وتصاب البصيرة بالغبش، خير دليل على أهمية العبادة والطاعة والقربی إلى الله – تعالى – وعلى كونها تنير البصائر عند ورود الشبهات.

 ثانيا: الابتعاد عما يقسي القلب ويضعفه، خاصة ما عظمت الفتنة فيه في السنوات الأخيرة، مثل:

1- مجالس المنكر ومنتدياته التي تقوم – في غالبها- على نشر الإلحاد والزندقة ونشر البدعة والاستهزاء بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وشريعته ودينه وعباده المؤمنين.

وهي تقوم على فكر منحرف وثقافة مستوردة، وتسعى إلى التشكيك ونشر الشبه بين أهل الإسلام.

وكفى بذلك مرضا للقلوب؛ فهذه فيها السم الزعاف، ولا يجوز لأحد دخولها إلا المتمكن يريد إنكار المنكر، ومع هذا؛ فهو حكيم يمر بها لغاية يريد تحقيقها، يخدم بها دينه ويرد صولان هذه المنكرات.

2- مجالس ومواقع قاذورات الإعلام، وفتنها وخاصة فتنة الصور وما يتبعها من مجون يقرأ أو يسمع أو يشاهد..

وهذا يقسي القلب، ويضعف العبادة؛ فيمرض صاحبه، ويكون عرضة للشبهات التي قد يقوده إليها من تساهل فيه من الولوغ في الشهوات.

ثالثا: أن تجعل قلبك كالزجاجة الصافية المصمتة كما أوصى شيخ الإسلام؛ فيكون لقلبك بصر نافذ عند ورود الشبهات، فيعرف أنها شبهة وليست علما، فيتعامل معها على هذا الوضع)11(11) مجلة البيان عدد (270)..

 رابعا: ومما يحمي من الوقوع في الشبهات والانخداع بها قوة اليقين والإيمان بالله عز وجل وأسمائه الحسنى وقوة اليقين باليوم الآخر، قال الله عز وجل: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ *  وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ) [الأنعام: 112-113].

 يقول العلامة محمد أمين الشنقيطي رحمه الله: (في هذه الآية ترتیب غریب عجیب بالغ في الحسن؛ لأن السبب الأول – أي في قبول الباطل هو الغرور والخديعة، فتسبب عن الغرور والخديعة أن صغت إليه قلوبهم ومالت، ثم تسبب عن صوغ القلوب ومیلها أنهم أحبوه ورضوه، ثم تسبب عن كونهم أحبوه ورضوه أن اقترفوه.. والمؤمنون يعرفون زخارف الشيطان ورجسه فيتباعدون منه ويجتنبونه)12(12) العذب النمير تحقيق خالد السبت (2/581) ..

أمور ينبغي مراعاتها في مدافعة الشبهات

وأختم هذا المقال بالتنبيه على أمور ينبغي مراعاتها في مدافعة الشبهات، وذلك فيما يلي:

1- إذا كانت الشبهة واضحة البطلان ظاهرة العوار لا يلتفت إليها، فإن الخوض في إبطالها تضييع للزمان وإشهار لها. إنما المدافعة للشبهات التي يضل بها بعض الناس، إذ لا يشتبه على الناس الباطل المحض، بل لابد أن يشاب بشيء من الحق .

2- ينبغي في مدافعة الشبهات أن لا تذكر الشبهة ابتداء واستقلالا بل الأولى أن يبدأ بتقرير الحق، وتبيين الهدى بأدلته وبراهينه النقلية والعقلية، ثم يتلوه الجواب عن الشبهات الواردة عقب هذا التقرير والتأصيل .

3- ينبغي أن يكون مدافعة الشبهات للضرورة، وأن لا يتصدى لها إلا أولو العلم الراسخين العالمين بسبيل المؤمنين وسبيل المجرمين، لأن مدافعة أهل الشبهات والأهواء معركة سلاحها العلم والبصيرة في الدين. يقول العلامة ابن الوزير: (المحامي عن السنة الذاب عن حماها: كالمجاهد في سبيل الله تعالى. يعد للجهاد ما استطاع من الآلات والعدة والقوة، كما قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) [الأنفال:60]13(13) «إيثار الحق على الخلق» (ص 20)..

4 – التوسط مع الشبهات أثناء سماعها من الآخرين أو ورودها من المخاطبين، فلا يزجر كل سائل تعرض له شبهة، ولا يهمل كل من وقع في حيرة أو اشتباه؛ فهذا الإعراض والإهمال قد يفضي ببعضهم إلى الزندقة أو الخروج عن السنة. أما من تقصد الشبهات أو دعوة الناشئة إلى إثارتها، كما يفعله بعض أهل الزيغ في القديم وفي واقعنا المعاصر، فهذا قد ينفع في حقه الزجر أو الإهمال، والأولى في حق مثل هؤلاء أن يردون إلى الأصول الكبار فقد يكون الاختلاف فيها. وشبهته التي يثيرها إن هي إلا نتيجة لفساد الأصول الكبيرة التي تتعلق بأصول الإيمان والتوحيد.

5 – سبب الوقوع في الشبهات: إما جهل بالشريعة أو هوی وشهوة ومرض في القلب، يغطيها صاحبها بشبهة دليل فيلبس الحق بالباطل، وعلى القائم بدفع الشبهات أن يسبر أحوال المثيرين للشبهات أو الواقعين فيها، فإن كان السبب جهلا بمحكمات هذا الدين، فيكون الدفع بتعليم الجاهل وإزالة شبهته القائمة على الجهل بالأدلة المحكمة، أما إذا كان السبب شهوة يغطيها بشبهة، فينبغي أن يذكر أمثال هؤلاء بالإخلاص والصدق مع الله وتقواه في السر والعلن، وتذكيره بأن شجرة الإيمان لا تقوم إلا على ساق التسليم لخبر الله عز وجل وأمره القدري والشرعي وتذكيره بالآخرة والحساب والجزاء؛ مع السعي لبيان تهافت شبهته بالدليل.

6- على المتصدي لبيان الحق ودفع الشبهات عنه أن يجرد نيته لله عز وجل وأن يستعين بالله تعالى في قومته، وأن يكثر من الدعاء وسؤال الله عز وجل التثبيت والسداد والهداية للحق له وللمدعو.

الهوامش

(1) لسان العرب ( 13/503 ) .

(2) «التعريفات» (باب الشين) (1/165).

(3) البخاري (52) (1946)، مسلم (1599).

(4) مفتاح دار السعادة (1/140) ، ط دار الكتب العلمية.

(5) المصدر نفسه (1/104).

(6) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (1/129 ) وسنده حسن.

(7) رواه اللالكائي في «شرح أصول السنة» (4/703) ، والدارمي في سننه (146).

(8) المصدر نفسه.

(9) المصدر نفسه .

(10) مفتاح دار السعادة (1/41) ، دار الكتب العلمية .

(11) مجلة البيان عدد (270).

(12) العذب النمير تحقيق خالد السبت (2/581) .

(13) «إيثار الحق على الخلق» (ص 20).

اقرأ أيضا

وسائل دفع الشبهات

فتنة السنوات الخداعات

من وسائل الغزاة في بث شبهاتهم وأباطيلهم

 

التعليقات معطلة.