الحرب الروسية الأوكرانية وموقف المسلم منها

زمن القراءة ~ 9 دقيقة 

اندلعت الحرب غير المتكافئة بين روسيا وابنتها أوكرانيا بعد اقتحام الروس أوكرانيا من عدة محاور، وروسيا وأوكرانيا كلاهما كفار عدو للإسلام والمسلمين.

تاريخ الإجرام الروسي ضد الإسلام

وتاريخ روسيا أسود في مجال الاعتداءات والاحتلالات والمجازر الهمجية للعديد من البلدان الإسلامية؛ فروسيا هي الأصل الأول في جرائم روسيا القيصرية والاتحاد السوفيتي الشيوعي الذي كان يضم 15 جمهورية؛ منها ست جمهوريات شكل المسلمون أغلب سكانها، ولقد استولى السوفيت على مساحة 4,538,600 کیلومتر مربع من البلاد الإسلامية أو ذات الأغلبية المسلمة مثل: أذربيجان – أوزبكستان – طاجیکستان – ترکمانستان – كازاخستان – قيرغيزستان – داغستان – الشيشان – القرم – تتاريا – بشكيريا…

وقد تأثر تعداد المسلمين سلبا في تلك البلاد لعدة أسباب منها: كثرة من أعدموا في العهد الشيوعي وتهجير المسلمين بصورة إجبارية أو فرارا من الاضطهاد المهين..

ولقد مرت على المسلمين مراحل قاسية في الفترة المحصورة بين سنتي (1336 – 1350هـ) الموافق (1917 – 1931م)، أثر في وجود المسلمين تأثيرا بالغا..

فقتل الروس مئات الألوف من المسلمين الباشكير والقيرغيز على أثر الثورة الروسية بعد عام (1336هـ ، 1917م).

ومات نحو المليون من المسلمين الكزاخ والقيرغيز في مجاعات (1340هـ ، 1921م).

واستشهد حوالي المليون من مسلمي كازاخستان عندما طبق الشيوعيون مبادئهم على ثروات المزارعين والرعاة.

وجاء الروس بمهاجرين جدد إلى المناطق الإسلامية ويقدر عددهم بحوالي 12,792,000 روسي، وسياسية التهجير تهدف إلى استغلال ثروات المناطق الإسلامية وخفض نسبة المسلمين، وقد كان عدد المسلمين يقدر بحوالي 70 مليون نسمة.

وينتمي المسلمون في دول الاتحاد السوفيتي السابق إلى العديد من القوميات التركية والفارسية والقوقازية، ومن أبرز هذه الجماعات:

الأوزبك – التتار – الكازاخ – التركمان – الباشكير – القيرغيز – الكراكلياك – الويغور – البلغار – الطاجيك – الأوسيت – الأكراد – الفرس – البلوش – الطوط – الانغوش – التشيش – الشركس – الكبرديون – الأباظ – الأديجا – الشيشان – الأبخاز

ويتحدث المسلمون في الاتحاد السوفيتي 13 لغة تركية و8 لغات فارسية و15 لغة قوقازية وصينية ومنغولية.

واتبع الروس سياسة تطعيم هذه القوميات بمهاجرين جدد من الروس خاصة للحد من أغلبيتها الإسلامية، ونجحت في خفض النسبة عن ذي قبل

اتبع الروس سياسة تجزئة وحدة المسلمين وتفتيتهم إلى قومیات، ودعموا قيام الشعوبية وقضوا على كتابة لغتهم بحروف عربية لكي تقضي على صلتهم بالتراث الإسلامي، ثم اتبعوا نظام التهجير من المناطق الإسلامية حتى يضعفوا من شأن الأغلبية المسلمة، ويحولوهم إلى أقلية في عقر دارهم.

وما زالت القوات الروسية الفاجرة تعبث يمينا وشمالا في بلاد المسلمين، وما زالت مجازرهم في سوريا إلى وقتنا هذا تملأ السمع والبصر ..

أوكرانيا والقضية الفلسطينية

وأما أوكرانيا -ومثلها روسيا – فتأييدها لليهود في جرائمهم في غزة وعموم فلسطين ، واتهامهم للمقاومة الإسلامية بفلسطين بالإرهاب، وسن القوانين العنصرية – كمنع الحجاب والتضييق على المساجد وسيرها في ركب أمريكا والغرب في العداء للإسلام معروف للجميع .

وهكذا نرى اشتراك روسيا وأوكرانيا في محاربة الإسلام، ومع ذلك نقول: إنهما لا يستويان؛ فروسيا أظهر وأكثر بكثير في الحقد والعداء، وجرائمها أكبر ضررا..

فموقفنا تجاه حربهما لا بد أن ينبع من درجة الضرر والمعاداة؛ فالأكثر ضررا أكثر بغضا ونتمنى له زوالا وهزيمة وخسرانا أسرع وأتم..

كيف تعامل المسلمون الأوائل مع حرب فارس والروم

وقد قص الله تعالى علينا كيف أن أكبر قوتين کافرتين في العهد النبوي عندما كانت رحى الحرب دائرة بينهما واشتدت معاركهما كان يرقبهما عن بعد فريقان؛ فریق مسلم وفريق كافر، وكلاهما يتمنى غلبة طرف من الطرفين، أما المسلمون فيتمنون غلبة الروم لكونهم أهل كتاب، وأما مشرکو قريش فيتمنون غلبة الفرس لأنهم وثنيون – مثلهم -.

قال الله عز وجل: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ) [الروم:1-4].

وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس فأعجب ذلك المؤمنين فنزلت  (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ ) إلى قوله (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ) قال: يفرح المؤمنون بظهور الروم على فارس1(1) [رواه الترمذي (2935) وغيره، وصححه الألباني]. .

وفي حديث نيار بن مكرم الأسلمي رضي الله عنه قال: …وأسلم عند ذلك ناس كثير2(2) [رواه الترمذي (3194) وغيره ، وحسنه الألباني]..

يقول السعدي: كانت الفرس والروم في ذلك الوقت من أقوى دول الأرض، وكان يكون بينهما من الحروب والقتال ما يكون بين الدول المتوازنة.

وكانت الفرس مشرکين يعبدون النار، وكانت الروم أهل کتاب ينتسبون إلى التوراة والإنجيل وهم اقرب إلى المسلمين من الفرس فكان المؤمنون يحبون غلبتهم وظهورهم على الفرس، وكان المشركون – لاشتراكهم والفرس في الشرك – يحبون ظهور الفرس على الروم.

فظهر الفرس على الروم فغلبوهم غلبا لم يحط -أي: يسقط – بملكهم بل بأدنى أرضهم، ففرح بذلك مشركوا مكة وحزن المسلمون، فأخبرهم الله ووعدهم أن الروم ستغلب الفرس.

(فِي بِضْعِ سِنِينَ) تسع أو ثمان ونحو ذلك مما لا يزيد على العشر، ولا ينقص عن الثلاث، وأن غلبة الفرس للروم ثم غلبة الروم للفرس كل ذلك بمشيئته وقدره، ولهذا قال: ا(لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ) فليس الغلبة والنصر لمجرد وجود الأسباب، وإنما هي لا بد أن يقترن بها القضاء والقدر.

(وَيَوْمَئِذٍ) أي: يوم يغلب الروم الفرس ويقهروهم  (يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ *  بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ) أي: يفرحون بانتصارهم على الفرس وإن كان الجميع كفارا ولكن بعض الشر أهون من بعض ويحزن يومئذ المشركون3(3) (تيسير الكريم الرحمن ص(636))..

وقد كانت هزيمة الفرس إرهاصا بانتصار أمة الإسلام على تلك القوتين العظميين معا. وأصبحت – بفضل الله تعالى – مملكتي الروم وفارس ضمن حدود الدولة الإسلامية.

موقف المسلم من هذه الحرب

إن حرب روسيا وحلفائها، وأوكرانيا وداعميها، ليست بعيدة عن المسلمين؛ وأقل ما يمكن أن نجنيه هو انشغال الكفار وخصوصا الروس – عن إيذاء المسلمين..

وكذلك فإن فرحنا بخسائر الروس أكبر من فرحنا بخسائر أوكرانيا، وذلك لعدة أسباب؛ منها:

1- تاريخ الروس قديما وحديثا أشد عداء للمسلمين من أوكرانيا – كما ذكرنا-.

2- الروس يسعون لإحياء الاتحاد السوفيتي الشيوعي الأشد حقا على الإسلام، وقد شوهدت أعلامه مرفوعة على بعض الدبابات المقتحمة  لأوكرانيا.

3- الروس يؤسسون لحلف جديد مع الصين التي تضطهد المسلمين الإيجور وغيرهم، وتكن للمسلمين بغضا عظيما.

4- الروس خطر كبير على المسلمين في سوريا وكثير من البلاد الإسلامية .

5- الجماعات الروسية الإرهابية مثل جماعة فاغنر وهي منظمة روسية عسكرية غير رسمية ضخمة – أو وكالة خاصة للتعاقد العسكري الخفي – تتولى الاغتيالات والصراعات والتدابير الإجرامية غير الرسمية والمعاونة لطواغيت الحكام في الكثير من البلاد الإسلامية مثل: سوريا وليبيا لدعم بشار وحفتر، والحرس الثوري الإيراني والحوثيين، وطواغيت بعض الدول الإفريقية ذات الأغلبية الإسلامية مثل جمهورية أفريقيا الوسطى وموزمبيق وغيرها..

6- روسيا تهدد باستخدام السلاح النووي، كما صرح بذلك بوتين ووزارة الدفاع الروسية مؤكدين وضع جميع القوات النووية الاستراتيجية في حالة تأهب قتالي مع تعزيزات في مواقع مختارة وسيشمل ذلك القاذفات الاستراتيجية والغواصات النووية، وكل ذلك – إن حدث – سيطال المسلمين منه ضرر كبير..

7- العقوبات الغربية والعالمية على الروس لا تشكل كبير ضرر عليهم، وقد احتاطوا لها قبل الغزو بكثير.. ورغم ذلك فقد حذر رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو -حلیف روسيا- من أن العقوبات الغربية على روسيا قد تدفع الأخيرة إلى حرب عالمية ثالثة، والحرب العالمية لن تدع المسلمين سالمين من شرها..

وأما أوكرانيا فقد اكتفى حلف الناتو وأمريكا بمدها ببعض الأسلحة، وفرض عقوبات على روسيا غير كافية ولا رادعة.. .

ولنا أن نفرح بانهزام أوكرانيا -أيضا- لأن انكسارها انكسار لحلف الناتو الذي تقوده أمريكا، فانهزام الفريقين في هذه الحرب – معنى أن لا يكون أحد منتصرا فيها- يصب في مصلحة الإسلام والمسلمين.

مشروعية المشاركة في القتال في هذه الحرب

وليس لنا أن نقاتل مع أحد الطرفين، وهذا الحكم يشمل المسلمين داخل روسيا وأوكرانيا وخارجهما للأسباب التالية:

1- أن كلا الرايتين جاهلية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من قتل تحت راية عمية، يدعو عصبية، أو ينصر عصبية، فقتلة جاهلية»4(4) [رواه مسلم (1850)].. وعن أبي موسى رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»5(5) رواه البخاري (2810) . .

فالقتال هنا مفسدة ظاهرة، وكون المسلم قد يحقق منه مصلحة شرعية هو أمر مظنون، فلا يجوز للمسلم أن يخاطر بنفسه في أمر مظنون.

وأما ما رواه الحاكم: “عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: نزل بالنجاشي عدو  منزل بالنجاشي عدو من أرضهم ، فجاءه المهاجرون فقالوا : نحب أن نخرج إليهم حتى نقاتل معك ، وترى جرأتنا ، ونجزيك بما صنعت بنا . فقال : لا دواء بنصرة الله عز وجل خير من دواء بنصرة الناس قال : وفيه نزلت: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله) الآية ، ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .

فالتحقيق أن إسناده ضعيف كما أشار إليه الشافعي وغيره، فيه مصعب بن ثابت الزبيري، ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم والدارقطني وغيرهم، ولو قدر ثبوته فالنجاشي حاکم مسلم، ويحمي المسلمين وحقوقهم، فلا ينطبق على الحال.

وأما الاستدلال بحلف الفضول أو المطيبين فهو حلف على نصرة المظلوم، وذلك في المظلوم الصريح، والقضايا الواضحة، كما أنه ليس فيه ما يدل على أن النصرة تصل إلى درجة القتال، أما مسألتنا فحقيقتها صراع على النفوذ بين قوتين عظميين ظالمتين، والأمر فيها معقد جدا.. .

2- إن هذا من الموالاة المحرمة التي تؤدي إلى تقوية الكفار؛ لأنه في غاية المطاف يصب في مصلحة القوتين العظميين؛ حلف وارسو بقيادة روسيا، أو حلف الناتو بقيادة أمريكا، وقد قال تعالى : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الأنفال:73].

3- إنه سيؤدي إلى قتل مسلمين من كلا الطرفين غالبا- بأيدينا وبفعلنا، وقد قال تعالى : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ) [البقرة:84-86].

قال محمد بن إسحاق بن يسار : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة–  عن ابن عباس: (ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ) الآية، قال: أنبهم الله [على ذلك] من فعلهم ، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم, وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم من بني قينقاع حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة حلفاء الأوس. فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج, وخرجت النضير وقريظة مع الأوس, يظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة، يعرفون منها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، لا يعرفون جنة ولا نارا, ولا بعثا ولا قيامة, ولا كتابا, ولا حراما ولا حلالا فإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أسراهم, تصديقا لما في التوراة، وأخذا به، بعضهم من بعض. يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس, وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم, ويطلون ما أصابوا من الدماء، وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره، حين أنبهم بذلك: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) ، أي تفادونه بحكم التوراة وتقتلونه – وفي حكم التوراة أن لا يقتل، ولا يخرج من داره،  ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه – ابتغاء عرض من عرض الدنيا. ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج -فيما بلغني- نـزلت هذه القصة “6(6) [ابن کثیر (1/319) ، وابن أبي حاتم، وإسنادها إلى ابن عباس حسنا. وروى الطبري بسند صحيح عن مجاهد يقول: “إن وجدته في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك”..

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»7(7) [رواه البخاري (121)، ومسلم (232)]..

4- إن هذا الفعل مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعها، و مخالف لجمهور العلماء وأئمة الدين في القرون المفضلة وما بعدها؛ فإنه لم يعرف أن المسلمين كانوا يقاتلون المشركين مع المشركين، ويكون الأمر فيه ظاهرا للمشركين..

وفي المدونة: قلت: أرأيت لو أن قوما من المسلمين أسارى في بلاد الشرك، أو تجارا استعان بهم صاحب تلك البلاد على قوم من المشركين ناوءوه من أهل مملكته، أو من غير أهل مملكته، أترى أن يقاتلوا معه أم لا؟

قال: سمعت مالكا يقول في الأسارى يكونون في بلاد المشركين فيستعين بهم الملك على أن يقاتلوا معه عدوه ويجاء بهم إلى بلاد المسلمين؟

قال: قال مالك: لا أرى أن يقاتلوا على هذا ولا يحل لهم أن يسفكوا دماءهم على مثل ذلك، قال مالك: وإنما يقاتل الناس ليدخلوا في الإسلام من الشرك، فأما أن يقاتلوا الكفار ليدخلوهم من الكفر إلى الكفر ويسفكوا دماءهم في ذلك، فهذا مما لا ينبغي ولا ينبغي لمسلم أن يسفك دمه على هذا8(8) [المدونة [(518/1)]..

وقال سحنون: ولو استعانوا بهم المشركون على قتال عدو لهم لم ينبغ أن يعينوهم، إلا أن يغير عليهم بعض أهل الشرك ويسبوهم فيخاف المسلمون على أنفسهم من ذلك، فلا بأس أن يقاتلوا حينئذ مع الذين هم معهم. ثم قال: وقاله كله ابن الماجشون وأصبغ9(9) [النوادر والزيادات (14/551)]..

قال محمد بن الحسن: وإن كان حكم أهل الشرك هو الغالب فلا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا مع أهل الشرك إلا أن يخافوا على أنفسهم فيدفعون عنها10(10) [السير الصغير (249)]..

قال ابن تيمية عمن يقاتل مع التتر ضد کافرین آخرين: لا يقاتل معهم غير مكره إلا فاسق، أو مبتدع، أو زنديق11(11) [مجموع الفتاوى (552/28)].. فظاهر من النصوص المتقدمة أنه لا يقاتل مع الكفار كفارا أخرين يكون الظهور فيه للكافرين إلا في حالة الضرورة، كحالة الإكراه أو خوف المسلمين على أنفسهم ونسائهم من صيال الكفار عليهم، فهنا لهم دفع الصائل، وهذا الحكم ينطبق على المدنيين والعسكريين، فالمدنيون من استطاع منهم الهجرة أو الانتقال إلى مكان آمن فليفعل، وأما العسكريون فمن قدر منهم على الاحتيال أو الهرب فليفعل، فإن أكره وأجبر على القتال ولم يستطع الفرار فلینو أنه يقاتل الكفار، فإن علم أن الذين سيقابلهم مسلمين فلا يجوز قتالهم بحال، ولو أدى ذلك إلى قتله؛ لأن عصمة دمه ليست بأولى من عصمة دمائهم، وكلاهما خرج في معركة مع الكفار. والله أعلم.

اللهم سلط الظالمين على الظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين..

الهوامش

(1) [رواه الترمذي (2935) وغيره، وصححه الألباني].

(2) [رواه الترمذي (3194) وغيره ، وحسنه الألباني].

(3) (تيسير الكريم الرحمن ص(636)).

(4) [رواه مسلم (1850)].

(5) رواه البخاري (2810) .

(6) [ابن کثیر (1/319) ، وابن أبي حاتم، وإسنادها إلى ابن عباس حسنا. وروى الطبري بسند صحيح عن مجاهد يقول: “إن وجدته في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك”.

(7) [رواه البخاري (121)، ومسلم (232)].

(8) [المدونة [(518/1)].

(9) [النوادر والزيادات (14/551)].

(10) [السير الصغير (249)].

(11) [مجموع الفتاوى (552/28)].

اقرأ أيضا

أزمة أوكرانيا والتحالفات الدولية الجديدة

العدل والتوازن في الجهاد في سبيل الله

حرب البوسنة والهرسك .. ذكرى “سربرنيتشا” وأحقاد صليبية

فما لكم في الأمريكان الكفرة فئتين

 

التعليقات معطلة.