”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

الأخلاق وصلتها بالعقيدة .. (2-2)

عندما تضعف العقيدة تضعف الأخلاق وتحدث الازدواجية والانفصام. واستقامة الخلق لها انعكاسها على العقيدة زكاءا، وانحرافها يمثل خطورة على عقيدة المسلم.

مقدمة

في الجزء الأول تم بيان حساسية العقيدة للأخلاق، ووضوح الارتباط بينهما في عقيدة السلف ومنهجهم لعملي، وكذلك كان واقعهم كما كانت جُملهم.

بل وكذلك كان أثرهم في الأرض وفي قلوب الناس، وتاريخُهم المضيء.

ومن هذا المنطلق كانت تجربة الاسلام العقدية والخلقية والحضارية، بخلاف إخفاق غيره من المناهج البشرية في إحراز شيء مما تقدم به الاسلام ونجح فيه وسطره في قلوب الناس وتاريخ البشرية على السواء.

انفصام بسبب الضعف العقدي

ثمة مثالٌ له دلالته رأيتهُ بعيني، وحُزَّ في نفسي، وذلك أثناء رحلةٍ من الرحلات الخارجية..

سافرت فيها في سنة من السنوات من بلدي، وكان معنا بعض العوائل، ومن بينهم أسرةٌ من زوج وزوجة وابن لهما، وكانت المرأة قبل إقلاع الطائرة من بلدها محتشمة متسترة، قد غطت وجهها وشعرها وسائر جسدها بخمارٍ وعباءة، ولكنها ويا للأسف ما إن أقلعت الطائرة، واستوت في الفضاء، حتى لفّت تلك العباءة ونزعت ذلك الخمار، ودستهما في حقيبتها اليدوية، ثم أصبحت سافرة الرأس والشعر والوجه !! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وبعد رجوعي إلى بلدي، تكرر المنظرُ مرةً أخرى، ولكنهُ في هذه المرة بشكلٍ آخر، إذ كان معنا بعض العوائل، وكان فيهم نساء في تبرجٍ وسفورٍ فاضح طيلة الرحلة، وما إن اقتربت الطائرة من الهبوط إلى بلدهنَّ المحافظ، حتى خرجت العباءات والخُمر من الحقائب، واختفى ما كان منهنَّ من تبرجٍ وسفور وزينة.

فعلى أي شيءٍ يدل هذا؟

إنَّهُ والله يدل على رقـةِ الدين، وضعف العقيدة، وبالتالي ضعفت الأخلاق أو ضاعت؛ إذ لو كانـت العقيدة والخوف من الله عز وجل في القلوب، لما تغير السلوك بمجـرد تغـير البـيئة، وزوال الرقيـب من الناس، ولكنَّهـا العادات والتقاليد المنبتّة عن العقيدة، والتي لا تنشئ إلاَّ النفاق والتربية المشـوهـة، والازدواجية الكـريهـة.

ومن خلال هذين المثالين، يتبن لنا أهمية التربية على “العقيدة”، حيث إنَّها الأصل في صلاح النفوس والأخلاق، وبدونها تفسد الأخلاق والقيم، ولو صلحت بعض الأخلاق بدوافع أخرى غير العقيدة، كالعادات ورقابة القانون، أو المصالح النفعية، فإنها لا تدوم بل تزول بزوال “المصلحة” أو “الرقيب”.

الخديعة بالأخلاق النفعية

ويحسن بنا هنا تنبيه المخدوعين من أبناء المسلمين، الذين انخدعوا ببعض الأخلاق النفعية، التي يجدونها عند الكفار في ديارهم، كالصدق في المواعيد والأمانة والوفاء بالعقود، إلى أنَّ هذه الأخلاق لم يكن دافعها الخوف من الله عز وجل، ورجاء ثوابه في الدنيا والآخرة، وإنَّما هي أخلاق نفعية مؤقتة، يريدون منها مصالحهم الخاصة، والدعاية لهم ولشركاتهم، ولذلك فإنَّها لا تدومُ معهم، وإنما تدور معهم حسب مصالحهم، بدليل أنَّ هذه “الأخلاق” تنعدم ويحل محلها الأخلاق السيئة من الكذب والخداع، إذا كانت “مصالحهم” تقتضي ذلك.

أما المسلم المتربي على العقيدة الربانية، فأخلاقه ثابتة معه في ليله ونهاره، في سره وعلانيته، في سرائه وضرائه.

ومن هُنا تأتي أهمية التربية على العقيدة، في استنبات الأخلاق الفاضلة الثابتة.

أثر الأخلاق على العقيدة سلبًا وإيجابًا

تبين لنا في الوقفة السابقة أثر العقيدة في بناء الأخلاق الصالحة، وتجنب مساوئها، وفي هذه الوقفة سنتعرفُ على العكس، من ذلك ألا وهو أثر الأخلاق على العقيدة سلبًا وإيجابًا.

إن “التوحيد” كما سبق أن ذكر الإمام  ابن القيم، رحمه الله تعالى:

“ألطف شيءٍ وأنزهه، وأنظفهُ وأصفاه، فأيُّ شيءٍ يخدشهُ ويدنسه ويؤثر فيه”.

ومعنى هذا أنَّ الأخلاق السيئة والمعاصي تشوش التوحيد، وتُضعف صفاءه، وكلما كثرت المعاصي والأخلاق السيئة، وتراكمت على القلب دون توبة، فإنَّ صفاء التوحيد يتكدرُ، بل يُظلم وينطمس في النهاية ـ والعياذ بالله تعالى.

والعكس من ذلك، فإن الإتيان بمحاسن الأخلاق، وتجنب مساوئها، يزيد من صفاء التوحيد وبهائه وكماله.

ويوضحُ هذا المعنى، الحديث الذي رواه حذيفة رضي الله عنه في الفتن، حيثُ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

«تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلب أُشربها نُكِتَ فيه نكتة سوداء، وأيُّ قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًّا كالكوز مجخِّيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشْرِبَ من هواه… الحديث. (1رواه مسلم في كتاب الإيمان / “باب (65) بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً …” 1 / 128 (231))

خطورة الأخلاق السيئة على العقيدة

وإذا أردنا أن نتبين خطورةَ الأخلاق السيئة واستمرائها على العقيدة، فلننظر إلى أولئك الذين وقعوا في الأخلاق السيئة، وأصرّوا عليها، سواء كان ذلك بألسنتهم، كالغيبة والنميمة، والكذب والفحش، أو بأبصارهم، كالنظر إلى ما حرم الله عز وجل من النساء الأجنبيات، أو صورهنَّ الماجنة في مجلةٍ أو تلفاز، أو بأسماعهم كسماع المعازف والكلام الفاحش،… إلخ،

حيثُ نرى أن الحال تصل بهؤلاء إلى حد الاستئناس بهذه المنكرات، وإلفها وعدم إنكارها، وهذا بدوره قد يُؤدي ـ والعياذ بالله ـ إلى الرضى بها وإقرارها، وهُنا مكمن الخطر؛ إذ لو كانت هذه المساوئ الخُلقية تقارَف، وفي النفس كرهها وعدم الرضى بها، لكان الأمر أهون، إذ يُرجى لصاحبها التوبة والإقلاع.

أما إذا تحول الأمر إلى إلفها والرضى بها، فقد يكون هذا ضربًا من الاستحلال الذي يقدح في أصل التوحيد والعقيدة.

ومن هُنا يظهر أثر الأخلاق الذميمة، وفعل السيئات على العقيدة، عندما تُستمرأ ويُداوَم على فعلها من غير وازعٍ ولا واعظ، وقد ينتهي الأمرُ بصاحبها إلى الاستهزاء بالواعظين، وعدم الاكتراث بوعظهم، كما قال المستكبرون من قومِ هود: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ(الشعراء : 136).

وكما قال إخوانهم في الغي من قوم شعيب: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ(هود: 91).

وبهذا تظهرُ لنا خطورة الأخلاق السيئة على العقيدة، وأنَّ الأمـرَ لا يتوقفُ في كون “الأخلاق السيئة” معصية فحسب، بل قد يـؤدي في النهاية إلى الرضى بها، أو استحلالها، وذلك حـينما يداومُ عليهـا من غـير واعظٍ ولا وازع.

ولقد وُجد من المسلمين الذين ألفوا النظر إلى الصور المحرمة، والفتنة بالمجلات الماجنة، عنـدما وجـهت له النصـيحة بإبعادها عن نفسه وأهله، قال: “إيش فيها”..!!

وما علم المسـكين أنه أتى بكلمة شنيعة، يحسبها هينة وهي عند الله عظيمة، لأنَّها كلمة تقرب من الاسـتحلال، والاستحلال يهدمُ أصل العقيدة، وما ذاك إلاَّ من الإدمان والإصرار على هذه السيئات، الذي أورث في النفس حبها وحب من يسهّل أمرها، وبغض من يصده عنها أو يصدها عنه، والعـياذ بالله تعالى، فهل يبقى بعد ذلك من شكٍ في أثر الأخـلاق السـيئة على العـقيـدة؟

أثر الأعمال الصالحة على العقيدة

أما أثر الأعمال الصالحة، ومحاسنُ الأخلاق على زكاءِ العقيدة، وقوة الإيمان والهداية، فالأدلة على ذلك من كتاب الله عز وجل، ومن واقع أحوالِ الناس كثيرةً ومتضافرة، ويكفي في ذلك قوله تعالى : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (محمد:17).

وقوله تعالى : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(الأنفال:2).

ومن ذلك حديث حذيفة السابق ذكره، حيث مرَّ فيه أن القلب الذي ينكرُ المنكر، ويرفض مساوئ الأخلاق، يزداد بذلك صفاءً وقوةً وثباتًا أمام الفتن، والعكس من ذلك القلب الذي يقبلها ويشربها.

ومن خلال الأدلةِ المتضافرة في الكتاب والسنة، أصلُ أهل السنة، أصولهم الثابتة في أبواب الإيمان، وقولهم: هو قولٌ وعملٌ يزيدُ بالطاعة، وينقصُ بالمعصية.

أسألُ الله عز وجل أن يهدينا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلاَّ هو، وأن يصرف عنَّا سيئها لا يصرفُ عنَّا سيئها إلاَّ هو.

خاتمة

لقد رأينا الأخلاق في هذا الدين عنوانا على العقيدة..

لقد كان الخلل الخلُقي قرينا للخلل العقدي ﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(الحاقة: الآية 33-34).

وتعريفا لمن يكذب بالآخرة ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(الماعون: الآية 1-3).

بينما جعلت الأخلاق الحسنة عنوانا لهذه العقيدة ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(الفرقان: الآية 63) ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا(الفرقان: الآية 67) وغير ذلك كثير؛ فالقرآن مشحون بهذا المعنى الجليل.

إن جانب الأخلاق في هذا الدين جانب عميق وأصيل، وهو قرين للعقيدة ومعرّفٌ بها. هكذا نزل به الوحي، وهكذا تلقّاه الأولون وفهموه ومارسوه ثم دوّنونه في كتبهم وعقائدهم..

وهكذا يجب أن يكون مأخذ كل من ادّعى “التزامه” وصدق قيامه بدين الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين.

………………………………………….

هوامش:

  1. رواه مسلم في كتاب الإيمان / “باب (65) بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً …” 1 / 128 (231).

اقرأ أيضا:

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد