”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

أفول الدَّولة الوطنيَّة العربيَّة

تناقضت الدولة الحديثة مع قواعد شرعية وأصول عقدية ومصالح المسلمين، ولهذه التناقضات باتت تؤذن بالزوال، مثلها مثل كل باطل لا ينفع الناس..

مقدمة .. سقوط مشاريع ومزاعم

شهد عصرُنا هذا سقوطَ العديد من الأصنام والمبادئ الأرضيَّة والتي عُبدَت من دون الله في هذا العصر لفتراتٍ متفاوتة.

فشهد السقوطَ المروِّع لـ “الشيوعيَّة”؛ ومن ثَمَّ تفكُّك الاتِّحاد السوفييتي وسقوط دول المعسكر الشرقي.

كما شهد سقوط “القوميَّة العربيَّة” وكان غزو “صدَّام حسين” للكويت هو بمثابة المسمار الأخير في نعش القوميَّة العربيَّة.

كما شهد سقوط مبدأ “الإنسانيَّة” ويتجلَّى ذلك بوضوحٍ في المشهد السوري؛ حيث اجتمع حلف وارسو وحلف النيتو وحلفاؤهم من العرب وغيرهم، على حرب الشعب السوري الأعزل؛ فقتلوا منه مئات الآلاف، وشرَّدوا أكثر من نصف الشعب، وما زال هذا الشعب المنكوب يعاني من جرَّاء هذا التكالب الدولي عليه.

كما شهد سقوط “الديمقراطية” ويتجلَّى ذلك بوضوح في دعم الغرب وحلفاؤه للثورات المضادَّة للربيع العربي، وإسقاط النظام المنتخب في مصر، واستبداله بنظام انقلابي عسكري.

أمَّا اليوم فإنَّنا نشهد أفول وتفكُّك “الدول الوطنيَّة” في المحيط العربي؛ بدءا من العراق فسوريا فلبنان فليبيا فالسودان فاليمن.. ومن قبل الصومال وأفغانستان. وهناك العديد من الدول في المنطقة مرشَّحة لهذا الانهيار مثل: مصر والأردن ودول الخليج؛ فإنَّ الأزمات في هذه الدُّول هي مقدِّمات لزوال الدُّول..

تناقضات الدولة الوطنية مع مباديء الاسلام

ومبدأ الوطنيَّة الذي تقوم عليه الدولة الوطنيَّة ـ والذي يعني أنَّ أبناء الوطن الواحد لهم حقوقٌ متساوية وعليهم واجبات متساوية بغضِّ النظر عن ديانتهم وعقائدهم ـ هي الصورة الوحيدة المعترَف بها عالميًّا ـ خاصَّةً للدول العربية والإسلاميَّة ـ إنَّ هذا المبدأ بشِقَّيه النظري والتطبيقي هو مبدأ جاهلي مناقض للإسلام.

ومن لوازمه: إبطال الأُخوَّة الإسلاميَّة وواجب النُّصرة، وإبطال عقيدة الولاء والبراء من أجل الدِّين، وإبطال الجهاد.. وغير ذلك من عُرى الإسلام المعلومة من الدِّين بالضرورة.

ولذا أصبح سقوط الدولة الوطنيَّة حتميَّة شرعيَّة إضافة إلى الحتميَّة الواقعيَّة والتاريخيَّة.

إنَّنا نشاهد النِّظامَ العالمي يسعى في تفكيك الدولة الوطنيَّة في المحيط العربي، وإنشاء وضع جديد ـ عبر ما يُسمَّى “الفوضى الخلَّاقة” ـ ربَّما دويلات أضعف: طائفيَّة وعرقيَّة ومناطقيَّة؛ تضمن للغرب المستعمر استمرار هيمنته على المنطقة ومقدَّراتها..

عوامل أفول الدولة الوطنية

وعوامل أفول الدُّول الوطنيَّة بالمنطقة العربيَّة عديدة؛ منها:

1) عدم الاستقرار السياسي، وبروز الأزمة الاقتصاديَّة، والمشاكل الطائفيَّة والاجتماعيَّة.

2) منح الأقليَّات حقوقَ الأكثريَّة؛ كالشيعة والنُّصيريَّة والنصارى والدروز..

3) إضعاف الدول والشعوب العربية اقتصاديًّا وعسكريًّا، من خلال إشعال المنطقة بالحروب والنِّزاعات والخلافات.

4) مصادرة كلَّ الحقوق السياديَّة للشعوب العربيَّة والإسلامية: السياسيَّة، والدينيَّة، والفكريَّة، والاقتصادية..

5) ضمان تفوُّق إسرائيل، وإحاطتها بدويلات طائفيَّة شموليَّة عميلة تحكم بشريعة الغاب والنَّاب.

6) عجز الروابط العربية وفشلها الذريع في تحقيق طموح الأمَّة أو حلِّ مشاكلها، وكمثال: الجامعة العربيَّة ومجلس التعاون.

7) سياسة إفقار الشعوب وإشغالها بلُقمة العيش.

8) اعتبار الإسلام ـ الذي هو هويَّة شعوب المنطقة ـ إرهابًا يجب محاربته وتجفيف منابعه الماليَّة والبشريَّة من العلماء والدُّعاة وشباب الأمَّة.

9) تفكيك الشُّعوب العربيَّة والإسلاميَّة وشرذمتها وإثارة العداوة والبغضاء بينها.

10) تفاقم الفساد المالي والإداري في الدولة الوطنيَّة، وسوء إدارة تلك الحكومات للاقتصاد وبرامج التنمية، مع عجز تلك الحكومات عن تقديم الخدمات الأساسيَّة والضرويَّة لشعوبها.

كلُّ تلك العوامل السَّابقة ستؤدِّي إلى إنهاء حالة التوافق المجتمعي، وإلى ظهور حالات من عدم الاستقرار السياسي وإلى بروز العديد من المشاكل الاقتصاديَّة والاضطرابات الاجتماعيَّة والمشاكل الفكريَّة والطائفيَّة، وهذا بدوره سيؤدِّي إلى إجهاض ما تبقَّى من مشروع سايكس بيكو، وظهور وضع جديد أشبه بالفوضى.

دور العلماء والدعاة والمصلحين

ولذا لن يكون المعوَّل عليه في إنقاذ الأمَّة أولئك الزعماء والحكَّام الذين رهنوا أنفسهم للغرب وتنفيذ مخطَّطاته.

وإنَّما المعوَّل عليه في هذه المهمَّة الصعبة هم العلماء والدعاة والمصلحون؛ ولذلك عليهم أن يكونوا في مستوى المسؤوليَّة لإنقاذ أمَّتهم .. فيتحتَّم عليهم:

1- الرجوع إلى الله، والتوبة، وتحقيق التوحيد، والخضوع لشرعه، ومراجعة مواقفهم وضبطها بالشَّرع؛ خصوصًا من مبدأ الوطنيَّة الوثنيِّ نفسِه، ومن الأحداث الدائرة اليوم في الشام والعراق واليمن وليبيا وغيرها.

2- عليهم إنهاء حالة الفرقة الموجودة بينهم.

3- عليهم الأخذ بأسباب القوَّة الاقتصاديَّة والإعلاميَّة والإيمانيَّة والتنظيميَّة والعسكريَّة.

4- حدِّدوا أهدافكم بوضوح؛ وأولها: إقامة الدِّين وإعلاء كلمة الله عزَّ وجلَّ في في كافة الشؤون والمجالات؛ قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيب(الشورى:13).

قال الشوكاني:

“…﴿أَن أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ أي : توحيد الله، والإيمان به، وطاعة رسله، وقبول شرائعه”.اهـ (1فتح القدير (4/ 754))

أمور ما اجتمعت إلا نُصر أصحابها

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.(الأنفال :45- 46)

يقول ابن القيِّم رحمه الله تعالى:

“… فأمر المجاهدين فيها بخمسة أشياء ما اجتمعت في فئةٍ قط إلا نُصِرَت وإن قلَّت وكَثُرَ عدوُّها:

أحدها: الثبات.

الثاني: كثرة ذكره سبحانه وتعالى.

الثالث: طاعته وطاعة رسوله.

الرابع: اتفاق الكلمة وعدم التنازع الذي يوجب الفشل والوهن، وهو جندٌ يقوِّي به المتنازعون عدوَّهم عليهم؛ فإنهم في اجتماعهم كالحزمة من السهام لا يستطيع أحدٌ كسرها فإذا فرَّقها وصار كلٌّ منهم وحده كسرها كلَّها.

الخامس: مِلاك ذلك كلِّه وقوامه وأساسه وهو الصبر.

فهذه خمسة أشياء تبتنى عليها قبَّة النصر. ومتى زالت أو بعضها زال من النصر بحسب ما نقص منها، وإذا اجتمعت قوّى بعضها بعضًا، وصار لها أثر عظيم في النصر، ولمّا اجتمعت في الصحابة لم تقم لهم أمة من الأمم، وفتحوا الدنيا ودانت لهم العباد و البلاد، ولما تفرَّقت فيمَن بعدهم وضعفت آل الأمر إلى ما آل…”اهـ (2الفروسية (ص505-506))

خاتمة

تبقى موجات الانحرافات العقدية موجات مؤقتة. ويبقى ولاء الإسلام ورابطة التوحيد هي قطب الرحى الذي يجمع الأمة ويصل أولها بآخرها وماضيها بحاضرها ويجمع شتاتها ويفعّل هويتها. كل تأخر عن تفعيل هذه الرابطة خيانة ومعاداة للأمة ولدين الله تعالى.

……………………………….

هوامش:

  1. فتح القدير (4/ 754).
  2. الفروسية (ص505-506).

اقرأ أيضا:

  1.  الإسـلام هويـة تجمـع الأمـة
  2. حكم الدعوة للقومية العربية ونحوها .. لابن باز رحمه الله
  3. من نحن؟ وما لنا وللأقصى والقدس؟
  4. خسارة الأمة نتيجة غياب الهوية
0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد